التراويح قرب الخط الأصفر.. صلاة على وقع الخوف في رمضان
الجزيرة.نت -

غزة- بخطى مثقلة بين الركام والمنازل المدمرة في حي العطاطرة ببلدة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة، يشق الشيخ يوسف العطار طريقه لإمامة المصلين في صلاة العشاء والتراويح، مستعينا بضوء هاتفه المحمول لتبديد العتمة التي تعم المكان.

على بُعد بضع مئات الأمتار من الخط الأصفر، أقام سكان الحي مصلى بديلا عن المساجد التي دمرتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال حربها على قطاع غزة، لتأدية الصلوات رغم الخطر المحدق في المكان.

الجزيرة نت رافقت المصلين الذين يقطنون المنطقة المحاذية للخط الأصفر، التي يصعب الوصول إليها بفعل الدمار الكبير الذي حل بها، إذ يضطر القادمون إلى هناك للمشي نحو 3 كيلومترات سيرا على الأقدام ليصلوا إلى الخيام المقامة على أنقاض المنازل.

إحياء للمساجد

تبدو أماكن تمركز جيش الاحتلال ظاهرة للسكان الذين يحاولون التأقلم مع ظروف معيشية صعبة وخطرة، إذ يحاصرهم الركام من كل مكان، ويبدد صوت الرصاص وهدير الآليات هدوء المنطقة.

وبينما تسطع مواقع الجيش الإسرائيلي بالإنارة، يغزو الظلام حي العطاطرة الذي عادت إليه 600 أسرة عقب سريان اتفاق وقف إطلاق النار يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وروى الشيخ العطار (69 عاما) تفاصيل تجمع بين الخوف والحرص على إقامة صلاة الجماعة، ففي حين كان الحي يضم 3 مساجد تتسع لنحو 2000 مُصل، يقتصر اليوم على مُصلى أنشئ قبل نحو شهر من الحديد والنايلون المستخدم في الدفيئات الزراعية.

وأضاف أن أهل الحي استطاعوا إزالة الركام من مساحة صغيرة لإقامة مُصلى يتسع بالكاد لـ50 شخصا، بهدف إحياء صلاة الجماعة التي اعتادوا تأديتها قبل تدمير المساجد الثلاثة بشكل كامل.

ومع دخول ساعات المساء يزداد الخطر المحيط بالمُصلى والسكان من حوله، مما اضطر المُصلين في أحد الأيام إلى ترك صلاة المغرب والهرب للاختباء خلف سواتر الركام بعدما تعمَّد جنود الاحتلال إطلاق النار اتجاههم مباشرة، حسب الشيخ العطار الذي استكمل حينئذ صلاته وحيدا، وبقي منبطحا حتى توقف إطلاق النار القادم من ناحية الخط الأصفر.

إمام المُصلى يقطع طرقا وعرة للوصول إليه (الجزيرة)
بين الخوف والركام

وعند دخول موعد صلاة العشاء اعتلى مؤذن المصلى كومة مرتفعة من الركام، وأخذ يصدح بصوته بالأذان لعلَّه يُسمع سكان الحي الواقع على مرأى الجيش الإسرائيلي، فالمصلى -حسب المؤذن عبد الله يوسف (37 عاما)- يفتقر إلى أجهزة الصوت والسماعات، مما يضطره إلى رفع صوته إيذانا ببدء تجمُّع المصلين.

إعلان

ويفتقد المصلى وسائل الإنارة بسبب دمار المنطقة وعدم وجود أي بنية لإدخال مولدات بديلة، كما يشتكي المؤذن من عدم توفر المصاحف، إذ يمنع الاحتلال إدخالها إلى قطاع غزة منذ بداية الحرب يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وأضاف عبد الله أن أجواء الخطر تحول دون وصول كثير من العائلات التي تقطن المنطقة إلى المصلى وأداء الصلوات فيه، ويفضّل كثيرون التزام أماكن سكنهم البديلة خوفا من الرصاص الذي يطلقه جيش الاحتلال خلال أوقات مختلفة على مدار اليوم.

وبعدد محدود اصطف المصلون خلف الإمام مع بدء صلاتي العشاء والتراويح، معتمدين على تشغيل إنارة هواتفهم. وخلال الصلاة التي شهدتها الجزيرة نت سُمعت أصوات طلقات نارية في المكان المحيط، مما اضطر الإمام إلى التعجيل في الصلاة، لحفظ حياة المصلين.

لكن يبدو أن الشاب أنس (22 عاما) اعتاد هذا المشهد، وتحولت اعتداءات الاحتلال إلى روتين يومي، إذ يتعمد الاحتلال استهداف المنطقة المحيطة بالمصلى لعدم استكمال الصلاة.

ويقارن أنس بين ما كانت تشهده المساجد من إحياء قيام رمضان في المساجد التي كانت تتوفر فيها كل الإمكانات قبل الحرب، وهذه الأيام التي يأتي فيها رمضان بعد عامين من الانقطاع القسري لصلاة الجماعة بسبب العدوان الذي دمر مئات المساجد في غزة.

ولا يخفي أنس مشاعر الخوف التي تنتابه خلال الصلاة وقت تطاير الرصاص فوق رؤوسهم، لكنه يعلم أن وجودهم في حيهم رغم خطورته، يعزز عودة الحياة إليه تدريجيا.

عدد محدود من المصلين يؤدون صلاة العشاء في مصلى بغزة  (الجزيرة)
الخط ومآسيه

وفي غضون 30 دقيقة انتهت صلاتا العشاء والتراويح اللتين فضَّل فيهما الإمام قراءة آيات قصيرة، وعاد المصلون في أجواء الخوف والرعب ذاتها إلى خيامهم وبقايا منازلهم المدمرة، وكلهم أمل أن ينسحب الجيش الإسرائيلي قريبا من الخط الأصفر.

كان طريق عودتنا مشيا على الأقدام وسط الظلام المحفوف بالخوف أكثر صعوبة، إذ تفرض المناطق النائية عليك أن تسير طويلا كي تعود أدراجك إلى مدينة غزة.

وفي ظهر اليوم  ذاته، الذي زارت فيه الجزيرة نت حي العطاطرة، قتل الاحتلال فلسطينيَّين يقطنان قرب الخط الأصفر في منطقة "تل الذهب" التي تقع في البلدة ذاتها شمالي القطاع. والمشهد ذاته يتكرر يوميا في جميع المناطق المحاذية للخط الأصفر الذي يلف قطاع غزة على طول شماله وشرقه وجنوبه.

سكان حي العطاطرة أقاموا مُصلى مؤقتا بعد تدمير المساجد قرب الخط الأصفر (الجزيرة)

واستهدف الاحتلال -حسب مدير وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بغزة أنور أبو شاويش في أغسطس/آب الماضي- نحو 1160 مسجدا، ما بين تدمير كلي وجزئي من أصل 1244 مسجدا في قطاع غزة، إذ بلغ عدد المساجد المدمرة كليا 909 سُويت بالأرض وتحولت إلى أنقاض، وطالت 251 أخرى أضرار جزئية بليغة جعلتها غير صالحة للاستخدام، مما أثر بشكل مباشر في أداء الشعائر الدينية وإقامة الصلوات الجماعية.



إقرأ المزيد