الجزيرة.نت - 2/26/2026 4:17:13 PM - GMT (+3 )
تأتي هذه الدراسة بوصفها ثمرة جهد أكاديمي للباحث رشيد عاشور بجامعة ابن زهر بالمغرب، نوقشت ضمن متطلبات الحصول على درجة الدكتوراة ، وتحمل عنوان:"مفهوم الدولة المدنية في الفكر السياسي الغربي الحديث: دراسة في الأصول الاجتماعية والاقتصادية والسياسية"
ولا تنبع أهمية هذه الرسالة من موضوعها فحسب، بل من طبيعة الإشكالية التي تتصدى لها؛ فمفهوم "الدولة المدنية" يُعد من أكثر المفاهيم تداولًا في الخطاب السياسي المعاصر، وفي الوقت ذاته من أكثرها التباسًا. فهو يُستدعى في لحظات التحول السياسي، ويُستخدم في سياقات فكرية متعددة، لكنه غالبًا ما يُطرح منفصلًا عن جذوره التاريخية والاجتماعية التي أفرزته في الفكر الغربي الحديث.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مؤداها أن الدولة المدنية ليست مجرد صيغة قانونية أو ترتيب دستوري، بل هي نتاج مسار تاريخي طويل تشكل في سياق تحولات عميقة شهدتها أوروبا منذ بدايات العصر الحديث. فقد ارتبط ظهورها بتفكك النظام الإقطاعي، وصعود البرجوازية، وتطور الرأسمالية، والحروب الدينية، وبروز فكرة العقد الاجتماعي، وتكريس مبدأ سيادة القانون. ومن ثم فإن فهم الدولة المدنية لا يمكن أن يتم بمعزل عن هذه السياقات البنيوية التي صنعت شروطها وأعادت تعريفها عبر مراحل متعاقبة.
لقد نشأت الدولة المدنية في قلب صراع مزدوج: صراع بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية، وصراع بين الامتيازات الوراثية ومطالب المساواة القانونية. وكان الانتقال من شرعية قائمة على التفويض الإلهي إلى شرعية دستورية تعاقدية أحد أعظم التحولات في الفكر السياسي الحديث. ففي هذا الانتقال تحوّل الإنسان من "رعية" إلى "مواطن"، وأصبحت السلطة خاضعة للقانون، لا متعالية عليه.
وتُظهر الدراسة أن فكرة فصل الدين عن الدولة لم تكن قطيعة مع الدين بوصفه إيمانًا أو منظومة قيم، بل كانت تنظيمًا للعلاقة بين المجالين الديني والسياسي، بما يمنع احتكار المجال العام باسم الحقيقة المطلقة. وقد تزامن ذلك مع تطور مفهوم السيادة، وانتقالها من شخص الحاكم إلى الأمة، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية بوصفه أساس الانتماء السياسي.
إعلان
غير أن الدولة المدنية لم تتشكل في الفراغ الفكري، بل ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية. فالرأسمالية الناشئة احتاجت إلى إطار قانوني يحمي الملكية ويضمن تنفيذ العقود ويوفر الاستقرار. ومع الثورة الصناعية وتعاظم التفاوتات الاجتماعية، اضطرت الدولة إلى توسيع دورها، فظهر نموذج دولة الرفاه، الذي أضاف إلى الدولة المدنية بعدًا اجتماعيًا يتجاوز الحريات الشكلية إلى ضمان حد أدنى من العدالة.
وتتتبع الدراسة هذه التحولات من الدولة الليبرالية الكلاسيكية إلى الدولة الاجتماعية، ثم إلى الدولة التي أعيد تعريفها في ظل العولمة والنيوليبرالية. فمع صعود السوق المعولم وتراجع الحدود التقليدية للسيادة، ظهرت تحديات جديدة أعادت طرح سؤال الدولة المدنية في ضوء أزمات الديمقراطية التمثيلية، وتصاعد الشعبوية، وتنامي التعدد الثقافي والديني.
وفي هذا السياق، تسعى الرسالة إلى قراءة مفهوم الدولة المدنية قراءة تحليلية شاملة، تتجاوز التعريفات الإجرائية، وتبحث في أصوله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فهي لا تتعامل مع المفهوم باعتباره شعارًا، بل باعتباره بنية فكرية ومؤسسية تشكلت عبر قرون من الصراع والجدل النظري. ومن هنا تأتي أهمية الربط بين التنظير الفلسفي لدى مفكري العقد الاجتماعي، والتحولات الواقعية التي رافقت تشكل الدولة الحديثة.
إن هذه الدراسة تضع الدولة المدنية في سياقها التاريخي، وتبرز كيف أن كل مرحلة أعادت صياغة مضمونها، من الدولة التي تركز على الحريات الفردية، إلى الدولة التي تتبنى دورًا اجتماعيًا، ثم إلى الدولة التي تواجه تحديات العولمة. وهي بذلك تؤكد أن الدولة المدنية ليست نموذجًا جامدًا، بل تجربة تاريخية قابلة للتطور، تتأثر بموازين القوى الاجتماعية والاقتصادية، وبالتحولات الفكرية والسياسية.
وعليه، فإن العودة إلى مفهوم الدولة المدنية في الفكر السياسي الغربي الحديث ليست تمرينًا نظريًا، بل ضرورة لفهم أحد أهم المفاهيم المؤسسة للحداثة السياسية. فالمفهوم، كما تكشف هذه الدراسة، هو نتاج تفاعل معقد بين الفكر والتاريخ، بين الفلسفة والواقع، بين الصراع والتسوية. وهو ما يجعل دراسته مدخلًا لفهم تطور الدولة الحديثة ذاتها، وحدودها، وإمكاناتها.
وتتوزع الدراسة على فصول تتناول، تباعًا، جذور الفصل بين الدين والدولة، والسياق الاجتماعي والاقتصادي لنشأة الدولة المدنية، وبنيتها السياسية ومفاهيم السيادة والمواطنة، ثم تحولات المفهوم ونقده في الفكر المعاصر. وبذلك تقدم الرسالة قراءة متكاملة لمسار تشكل الدولة المدنية، وتحولاتها عبر الزمن، وأزماتها الراهنة.
يُفتتح هذا الفصل بتحديد أن مطلب "فصل الدين عن الدولة" لم ينشأ كقرار نظري معزول، بل كاستجابة تاريخية لصراع طويل بين سلطتين: سلطة دينية كنسية تدّعي امتلاك الحقيقة والشرعية، وسلطة سياسية تسعى إلى احتكار القرار داخل المجال العمومي.
ويُبرز الفصل أن أوروبا ما قبل الدولة الحديثة عرفت تداخلاً عميقًا بين السلطتين، بحيث كان الدين إطارًا جامعًا للهوية، وكانت الكنيسة مؤسسة عابرة للحدود، تملك أدوات التأثير الرمزي والمادي، وتشارك في منح الشرعية للحكام أو نزعها. ومن هنا، فإن الفصل لم يكن مجرد تنظير حول الحريات، بل كان أيضًا إعادة توزيع للنفوذ داخل المجتمع.
إعلان
يرصد الفصل أولاً الخلفية التاريخية التي جعلت من العلاقة بين الكنيسة والدولة علاقة تنازع مستمر: منطق الثنائية بين السلطتين في القرون الوسطى، وتطور مفهوم "السلطة الزمنية" مقابل “السلطة الروحية”، ثم وصول التوتر إلى ذروته مع تشكل الدول الملكية المركزية، ومحاولتها الاستقلال بقراراتها عن الإملاءات الكنسية. ويُظهر أن الحروب الدينية الأوروبية، وما خلفته من استنزاف ومجازر وانقسام اجتماعي، كانت من أهم العوامل التي دفعت باتجاه تصور سياسي يجعل السلام الأهلي ممكناً عبر تحييد النزاعات اللاهوتية في الحكم، أو على الأقل تقليص قدرتها على التحكم في التشريع والسياسة.
في القسم المؤسس للرؤى المؤيدة للفصل، يركز الفصل على انتقال التفكير السياسي من تبرير السلطة بالاستناد إلى التفويض الإلهي، إلى تبريرها بالعقد والمصلحة العامة والأمن. ويستحضر نموذج توماس هوبز بوصفه مثالاً على هذا التحول: فالدولة عنده تُبنى لضبط الفوضى ولمنع حرب الجميع ضد الجميع، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بسيادة قوية موحدة. ويؤكد الفصل أن هوبز، رغم احتفاظه بمكان للدين، إلا أنه يقيد دوره داخل المجال السياسي، ويجعل المرجعية العليا لسلطة الدولة، بما يهيئ مناخًا ذهنيًا لفكرة الفصل بوصفها شرطًا للاستقرار.
ثم ينتقل الفصل إلى جون لوك الذي يمنح للفصل بعدًا أخلاقيًا وحقوقيًا؛ إذ يميز بين وظيفة الدولة بوصفها حارسة للحقوق الطبيعية، وبين وظيفة الدين بوصفه شأنًا اعتقاديًا لا يُفرض بالقوة. ويبيّن الفصل أن لوك يربط التسامح الديني بفكرة الدولة القانونية، لأن الإكراه في الدين يفسد الدين والدولة معًا. ويبرز كذلك كيف تتقاطع فكرة الفصل مع مبدأ الملكية وحرمة الفرد، وأن الدولة التي تحمي الحقوق لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لفرض معتقدات بعينها.
ويستعرض الفصل أيضًا مسار الإصلاح الديني (البروتستانتي) بوصفه محطة أساسية: إذ أدى إلى تفكيك احتكار الكنيسة الكاثوليكية لسلطة التأويل والطقس، وفتح المجال أمام قومية الكنائس المحلية، الأمر الذي ساعد الدول الناشئة على توسيع استقلالها. لكن الفصل يوضح أن الإصلاح لم يُنتج الفصل تلقائيًا؛ فقد ولد صراعات جديدة، وكرّس في مواضع أخرى تحالفًا بين سلطة سياسية ومذهب ديني، ما يعني أن الفصل كان ثمرة صراع مركب لا نتيجة تطور خطي بسيط.
وفي امتداد الرؤى المؤسسة، يتوقف الفصل عند مونتسكيو بوصفه من أبرز من ربط فكرة الدولة المدنية بمنطق ضبط السلطة عبر الفصل بين السلطات، لا فصل الدين وحده. فالدولة المدنية في هذا الأفق تتأسس على مؤسسات وقوانين تمنع الاستبداد، وتضمن تعدد مراكز القوة. ويستكمل الفصل ذلك بإبراز أثر الثورة الفرنسية التي رفعت المواطنة والقانون العام فوق الامتيازات والتراتبيات التقليدية، ودشنت تصورًا يعتبر الشرعية نابعة من الأمة، لا من الكنيسة، وهو ما عزز مكانة الفصل كقاعدة منظمة للمجال العام.
أما في القسم الناقد، فيعرض الفصل أطروحات ترى أن الفصل قد يتحول إلى أداة هيمنة جديدة، أو إلى قناع لإقصاء الدين من المجال العام بصورة انتقائية. ويناقش الاعتراض القائل إن الدين ليس مجرد طقوس خاصة، بل منظومة قيم ومعنى، وإن إبعاده كليًا قد يُنتج فراغًا أخلاقيًا أو يطلق يد الدولة بلا كوابح قيمية. ويلاحظ الفصل أن بعض النقد لا يرفض الفصل من حيث المبدأ، لكنه يرفض "الرؤية الحادة" التي تساوي بين حضور الدين في المجال العام وبين الثيوقراطية، ويطالب بدلًا من ذلك بـ"رؤية محدودة" تعترف بتعدد مصادر القيم داخل المجتمع، على أن يبقى القانون المدني هو المرجع الملزم للجميع.
ويخصص الفصل مساحة لبيان المحددات والضمانات التي تجعل الفصل مدخلاً للحرية لا سببًا لنزاع جديد: تحديد مجال كل من الدولة والدين، وضبط علاقة المؤسسة الدينية بالسلطة التنفيذية، ومنع استخدام الخطاب الديني لتبرير العنف السياسي أو التمييز، مقابل حماية حرية الاعتقاد والعبادة وعدم تحويل الدولة إلى جهاز وصاية على الضمائر. ويخلص الفصل إلى أن الدولة المدنية في الفكر الغربي الحديث تُفهم هنا بوصفها دولة قانون ومواطنة، لا دولة ضد الدين ولا دولة دينية؛ وأن جوهر الفصل هو تنظيم السلطة وتقنينها، بحيث لا يُحتكر المجال العام باسم الحقيقة المطلقة، وبحيث تصبح الشرعية السياسية قابلة للمساءلة البشرية داخل إطار القانون.
ينطلق هذا الفصل من فرضية أساسية مؤداها أن مفهوم الدولة المدنية لم يكن نتاجًا فلسفيًا محضًا، بل تشكّل في سياق تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة رافقت الانتقال من المجتمع الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي الحديث. ولذلك فإن فهم الدولة المدنية يقتضي تحليل البنية الاجتماعية التي احتضنتها، والطبقات التي دفعت نحوها، والمصالح التي عبّرت عنها.
إعلان
يبدأ الفصل بتحليل تفكك النظام الإقطاعي الأوروبي، حيث كانت السلطة موزعة بين الإقطاعيات المحلية والكنيسة، وكانت الروابط الاجتماعية تقوم على التبعية الشخصية والتراتبية الوراثية. ومع توسع التجارة ونمو المدن وظهور طبقة برجوازية صاعدة، بدأت تتشكل علاقات إنتاج جديدة تقوم على الملكية الخاصة، والعمل المأجور، وتراكم رأس المال. هذا التحول الاقتصادي أوجد حاجة إلى نظام قانوني موحد يضمن العقود، ويحمي الملكية، ويوفر الاستقرار اللازم للنشاط التجاري، وهو ما مهّد لظهور الدولة المركزية الحديثة.
يركز الفصل على دور البرجوازية بوصفها القوة الاجتماعية الأساسية في الدفع نحو الدولة المدنية. فهذه الطبقة لم تكن معنية فقط بإسقاط الامتيازات الإقطاعية، بل كانت بحاجة إلى إطار قانوني عقلاني يحكم السوق ويمنع التعسف. ومن هنا ارتبطت المطالبة بسيادة القانون، والمساواة أمام القضاء، وإلغاء الامتيازات الطبقية، بالمصالح الاقتصادية للطبقة الوسطى الصاعدة. وتحوّلت مفاهيم الحرية والملكية والعقد إلى مرتكزات مركزية في الخطاب السياسي الحديث.
ويتناول الفصل الثورة الصناعية باعتبارها محطة مفصلية في تعميق الحاجة إلى الدولة الحديثة. فقد أدى التوسع الصناعي إلى نشوء طبقة عاملة واسعة، وتكثيف التمدن، وظهور مشكلات اجتماعية غير مسبوقة، مثل الفقر الحضري، وسوء ظروف العمل، والاستغلال الاقتصادي. ومع تفاقم هذه التحديات، برزت الحاجة إلى تدخل الدولة لتنظيم علاقات العمل، وسن تشريعات تحد من ساعات العمل، وتحمي الأطفال والنساء، وتؤسس لبدايات الضمان الاجتماعي. وهنا بدأ دور الدولة يتجاوز وظيفة "الحارس الليلي" إلى وظيفة اجتماعية أوسع.
كما يناقش الفصل التحولات الديموغرافية والثقافية التي رافقت التمدن. فانتقال السكان من الريف إلى المدن أضعف الروابط التقليدية القائمة على القرابة والعرف، وفرض نمطًا جديدًا من الانتماء قائمًا على المواطنة القانونية. وبهذا المعنى، لم تكن الدولة المدنية مجرد مؤسسة سياسية، بل إطارًا لإعادة تشكيل الهوية الاجتماعية، بحيث أصبح الفرد يُعرّف بوصفه مواطنًا له حقوق وواجبات، لا تابعًا لعائلة أو طائفة أو إقطاع.
ويتوقف الفصل عند أثر التنوير في ترسيخ البعد العقلاني للدولة المدنية. فالفكر التنويري أعاد تعريف الإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا مستقلًا، قادرًا على إدارة شؤونه العامة عبر القوانين الوضعية والمؤسسات المنتخبة. ومع انتشار التعليم والطباعة، وتوسع المجال العمومي، ظهرت فضاءات للنقاش العام أسهمت في بلورة مفهوم الرأي العام بوصفه عنصرًا ضاغطًا على السلطة. وبهذا أصبح المجال السياسي مفتوحًا للنقد والمساءلة، لا حكرًا على النخب التقليدية.
ويناقش الفصل أيضًا أثر التحولات الاقتصادية في إعادة تعريف مفهوم المواطنة. فالمواطنة لم تعد مجرد انتماء قانوني، بل أصبحت مرتبطة بالمشاركة في الإنتاج والعمل ودفع الضرائب. ومع تطور الدولة القومية، ارتبطت المواطنة بالهوية الوطنية، وتحوّلت الدولة إلى إطار جامع يدمج أفرادًا من خلفيات محلية متعددة داخل كيان سياسي واحد. وقد أسهمت الحروب الأوروبية الكبرى في تعزيز هذا الاتجاه، إذ تطلبت تعبئة شاملة للموارد البشرية والاقتصادية، ورسخت مركزية الدولة.
وفي سياق تحليل العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، يبيّن الفصل أن الدولة المدنية لم تكن محايدة طبقيًا، بل عكست موازين القوى في المجتمع. ففي مراحل معينة، خضعت لتأثير رأس المال الصناعي والمالي، وفي مراحل أخرى اضطرت إلى الاستجابة لضغوط الحركات العمالية والنقابية. ومع صعود الفكر الاشتراكي في القرن التاسع عشر، تعززت المطالب بتوسيع الحقوق السياسية والاجتماعية، وإدخال إصلاحات تقلص الفوارق الطبقية. وقد أدى ذلك إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية، ومنح حق التصويت لشرائح أوسع من السكان.
كما يعرض الفصل مسار تشكل دولة الرفاه في القرن العشرين، بوصفها تطورًا داخليًا في نموذج الدولة المدنية. فالأزمات الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها أزمة 1929، والحربين العالميتين، كشفت حدود الاقتصاد الحر غير المنظم، ودفعت إلى تدخل الدولة لضبط الدورة الاقتصادية، وتقديم خدمات عامة واسعة في مجالات الصحة والتعليم والتأمينات الاجتماعية. وبهذا أصبحت العدالة الاجتماعية عنصرًا أساسيًا في مضمون الدولة المدنية الحديثة.
إعلان
ويختتم الفصل بتحليل التحولات التي طرأت منذ سبعينيات القرن العشرين، مع صعود النيوليبرالية وتراجع دور الدولة الاجتماعي. فقد جرى تقليص الإنفاق العام، وخصخصة قطاعات واسعة، وتحرير الأسواق، ما أعاد الاعتبار لمنطق السوق بوصفه منظمًا رئيسيًا للعلاقات الاجتماعية. غير أن هذا التحول أفرز تحديات جديدة، منها اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وعودة النقاش حول حدود الدولة ودورها في حماية الفئات الضعيفة.
ويخلص الفصل إلى أن الدولة المدنية، في سياقها الاجتماعي والاقتصادي، ليست نموذجًا ثابتًا، بل إطارًا متحركًا يتأثر بتحولات الإنتاج والطبقات والصراعات الاجتماعية. وأن فهمها يقتضي ربطها بالبنية الاقتصادية التي نشأت فيها، وبالتوازنات الطبقية التي حددت مسارها، من الدولة الليبرالية إلى الدولة الاجتماعية، ثم إلى الدولة المعاد هيكلتها في ظل العولمة.
يتناول هذا الفصل البنية السياسية التي قامت عليها الدولة المدنية في الفكر الغربي الحديث، من خلال تحليل مفاهيم السيادة، والمواطنة، والفصل بين السلطات، وآليات الشرعية والتمثيل. وينطلق من أن الدولة المدنية ليست مجرد نتيجة لتحولات اجتماعية واقتصادية، بل هي بناء سياسي مؤسسي أعاد تنظيم السلطة في إطار قانوني عقلاني.
يبدأ الفصل بمفهوم السيادة بوصفه حجر الزاوية في نشأة الدولة الحديثة. فالانتقال من تعددية مراكز السلطة في العصور الوسطى إلى سلطة مركزية موحدة كان تحولًا حاسمًا. وقد نظّر جان بودان للسيادة باعتبارها سلطة عليا لا تعلوها سلطة داخل الإقليم، ما مهّد لقيام الدولة القومية ذات الحدود المحددة. ومع تطور الفكر السياسي، جرى نقل السيادة من شخص الحاكم إلى الأمة أو الشعب، بحيث أصبحت الإرادة الشعبية هي مصدر الشرعية.
ويناقش الفصل تطور مفهوم الشرعية من شرعية دينية أو وراثية إلى شرعية دستورية تعاقدية. فقد أصبح الحكم يستند إلى دستور مكتوب يحدد صلاحيات السلطات ويقيدها، ويضمن الحقوق الأساسية للأفراد. ومع الثورات الدستورية في أوروبا وأمريكا، ترسخ مبدأ أن السلطة تستمد مشروعيتها من قبول المحكومين، وأنها قابلة للمساءلة والتغيير عبر آليات قانونية.
ويتناول الفصل مبدأ الفصل بين السلطات بوصفه آلية أساسية لمنع الاستبداد. فالتوزيع المؤسسي للسلطة بين تشريعية وتنفيذية وقضائية يهدف إلى خلق توازن يحد من تغول أي سلطة على الأخرى. وقد ساهم مونتسكيو في بلورة هذا المبدأ نظريًا، بينما جسدته الدساتير الحديثة عمليًا. ويشير الفصل إلى أن هذا الفصل لا يعني الانفصال التام، بل التعاون المتبادل في إطار رقابة متبادلة تضمن احترام القانون.
كما يعرض الفصل نشأة المؤسسات التمثيلية، وعلى رأسها البرلمان، بوصفه تعبيرًا عن الإرادة الشعبية. فقد أدى توسيع حق الاقتراع تدريجيًا إلى إشراك فئات أوسع من المجتمع في صناعة القرار السياسي، وتحول البرلمان إلى ساحة للنقاش العام وتداول المصالح المختلفة. ومع تطور الأحزاب السياسية، أصبح التمثيل أكثر تنظيمًا، وأصبحت المنافسة الانتخابية وسيلة أساسية لتداول السلطة سلميًا.
ويولي الفصل اهتمامًا خاصًا لمفهوم المواطنة، باعتباره الأساس الذي تقوم عليه الدولة المدنية. فالمواطنة الحديثة تقوم على المساواة القانونية، بغض النظر عن الأصل أو الدين أو الطبقة. ويعرض الفصل التحول من مفهوم الرعية إلى مفهوم المواطن، بما يعنيه ذلك من حقوق سياسية ومدنية، مثل حرية التعبير، والتنظيم، والمشاركة السياسية، إضافة إلى واجبات كدفع الضرائب والخدمة العامة.
ويناقش الفصل أيضًا تطور الحقوق من حقوق مدنية وسياسية إلى حقوق اجتماعية واقتصادية، خاصة في سياق دولة الرفاه. فالدولة المدنية لم تكتفِ بضمان الحريات الشكلية، بل اضطرت إلى توفير حد أدنى من العدالة الاجتماعية لضمان استقرار النظام السياسي. وقد أدى ذلك إلى إدراج حقوق العمل والتعليم والصحة ضمن نطاق الحقوق المعترف بها.
وفي سياق تحليل البنية السياسية، يتناول الفصل دور القضاء بوصفه حارسًا للدستور والحقوق. فاستقلال القضاء يمثل ضمانة أساسية لسيادة القانون، ويمنع تعسف السلطة التنفيذية أو التشريعية. كما يشير إلى تطور الرقابة الدستورية، سواء عبر محاكم دستورية مستقلة أو عبر آليات قضائية تتيح الطعن في القوانين المخالفة للدستور.
ويتطرق الفصل إلى علاقة الدولة المدنية بالعنف المشروع، موضحًا أن احتكار الدولة لاستخدام القوة يمثل أحد عناصر تعريفها الكلاسيكي. غير أن هذا الاحتكار مقيد بالقانون، ويخضع للمساءلة. فالدولة المدنية لا تلغي العنف، لكنها تنظمه وتحدده في إطار شرعي يهدف إلى حماية النظام العام والحقوق الفردية.
كما يناقش الفصل أثر العولمة في إعادة تشكيل الدولة المدنية. فمع تزايد الترابط الدولي، وتنامي دور المؤسسات فوق القومية، مثل الاتحاد الأوروبي، ظهرت تحديات لسيادة الدولة التقليدية. ومع ذلك، لم تختف الدولة المدنية، بل أعادت التكيف مع الواقع الجديد، مع استمرار احتفاظها بدورها المركزي في تنظيم الحياة السياسية داخل الإقليم.
ويعرض الفصل كذلك إشكالية التعددية الثقافية داخل الدولة المدنية، خاصة في المجتمعات التي تضم أقليات دينية وعرقية. وقد استدعى ذلك تطوير سياسات تعترف بالتنوع، مع الحفاظ على وحدة القانون والمواطنة. وتبرز هنا أهمية الحياد القانوني للدولة، بحيث لا تنحاز رسميًا إلى ثقافة بعينها، مع ضمان حرية المعتقد والممارسة.
ويخلص الفصل إلى أن الدولة المدنية في بنيتها السياسية تقوم على مجموعة من المبادئ المترابطة: السيادة الشعبية، سيادة القانون، الفصل بين السلطات، التمثيل الديمقراطي، والمواطنة المتساوية. وأن هذه المبادئ لم تتشكل دفعة واحدة، بل عبر مسار تاريخي من الصراعات والتسويات. كما يؤكد أن استمرارية الدولة المدنية تعتمد على قدرتها على تحقيق التوازن بين الحرية والنظام، وبين الوحدة والتعدد، وبين السلطة والمساءلة.
يتناول هذا الفصل التحولات التي طرأت على مفهوم الدولة المدنية في الفكر الغربي المعاصر، ويرصد مسارات تطوره في ظل التغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية التي شهدها العالم منذ النصف الثاني من القرن العشرين. وينطلق من أن الدولة المدنية لم تعد مفهومًا مستقرًا، بل أصبحت موضوعًا للنقد والمراجعة في ضوء أزمات الديمقراطية، وصعود العولمة، وتنامي النزعات الشعبوية.
يبدأ الفصل بتحليل أثر العولمة الاقتصادية في إعادة تعريف دور الدولة. فقد أدت حرية انتقال رؤوس الأموال، وتحرير الأسواق، وتزايد نفوذ الشركات متعددة الجنسيات، إلى تقليص قدرة الدولة على التحكم في اقتصادها الوطني. ومع تراجع الحدود التقليدية للسيادة الاقتصادية، برزت تساؤلات حول مدى قدرة الدولة المدنية على حماية مواطنيها من تقلبات السوق العالمي، وضمان العدالة الاجتماعية في ظل المنافسة الدولية.
ويتناول الفصل صعود النيوليبرالية بوصفها مرحلة أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والسوق. فبدلًا من الدولة المتدخلة اجتماعيًا، جرى التأكيد على دور الدولة في توفير بيئة ملائمة للاستثمار، وخفض الضرائب، وتقليص الإنفاق العام. وقد أثار هذا التحول نقاشًا واسعًا حول ما إذا كانت الدولة المدنية قد فقدت بعدها الاجتماعي، وتحولت إلى إطار قانوني يخدم منطق السوق أكثر مما يخدم فكرة الصالح العام.
كما يناقش الفصل أزمة الديمقراطية التمثيلية، المتمثلة في تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية، وانخفاض نسب المشاركة الانتخابية، وصعود الحركات الاحتجاجية والشعبوية. ويرى أن هذه الظواهر تعكس فجوة متزايدة بين المؤسسات السياسية والمجتمع، ما يدفع إلى إعادة التفكير في آليات التمثيل والمساءلة داخل الدولة المدنية. وقد أدى ذلك إلى ظهور مطالب بتوسيع الديمقراطية التشاركية، وتعزيز الشفافية، وتمكين المجتمع المدني.
ويعرض الفصل كذلك إشكالية الهوية في المجتمعات متعددة الثقافات. فمع تصاعد الهجرة وتنامي التنوع الديني والإثني، برزت تحديات تتعلق بمدى قدرة الدولة المدنية على إدارة التعدد دون التفريط في وحدة القانون. وقد ظهرت اتجاهات تدعو إلى الاعتراف بالخصوصيات الثقافية في إطار المواطنة، مقابل اتجاهات تحذر من تفتيت المجال العام إلى جماعات متوازية. ويشير الفصل إلى أن التوازن بين الاعتراف بالتنوع والحفاظ على وحدة الدولة يمثل أحد أهم تحديات المرحلة الراهنة.
ويتوقف الفصل عند النقد الماركسي الذي يرى أن الدولة المدنية، رغم خطابها القانوني، تظل مرتبطة بالبنية الرأسمالية، وأن حيادها الظاهري يخفي انحيازًا هيكليًا لمصالح رأس المال. ويعرض كذلك نقد ما بعد الحداثة الذي يشكك في ادعاء الدولة المدنية للعقلانية والكونية، ويعتبرها إطارًا تاريخيًا خاصًا بالسياق الغربي لا يمكن تعميمه دون مراعاة الفوارق الثقافية والحضارية.
وفي المقابل، يعرض الفصل دفاعات معاصرة عن الدولة المدنية، ترى أنها رغم أزماتها تبقى الإطار الأكثر قدرة على تنظيم التعدد وضمان الحقوق. ويؤكد هذا الاتجاه أن إصلاح الدولة المدنية لا يكون بهدمها، بل بتطوير مؤسساتها وتعزيز عدالتها الاجتماعية، وتوسيع المشاركة السياسية، وإعادة التوازن بين السوق والدولة.
كما يناقش الفصل تأثير التطور التكنولوجي في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع. فوسائل التواصل الرقمي وسّعت المجال العام، وأتاحت أشكالًا جديدة من التعبير والتنظيم، لكنها في الوقت نفسه أفرزت تحديات تتعلق بالمعلومات المضللة، والخصوصية، والأمن الرقمي. وقد اضطرت الدولة المدنية إلى تطوير أطر قانونية جديدة لتنظيم الفضاء الرقمي، بما يحفظ حرية التعبير دون الإضرار بالنظام العام.
ويختتم الفصل بتأكيد أن مفهوم الدولة المدنية يظل مفهومًا مفتوحًا، يتطور تبعًا للتحولات التاريخية. فجوهره يتمثل في خضوع السلطة للقانون، وقيامها على المواطنة المتساوية، والفصل المؤسسي بين السلطات، وتنظيم العلاقة بين المجالين الديني والسياسي. غير أن مضمونه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يظل عرضة للتغير وفقًا لموازين القوى والظروف الدولية. ومن ثم، فإن مستقبل الدولة المدنية مرهون بقدرتها على التكيف مع تحديات العولمة، واللامساواة، وأزمات الديمقراطية، دون التفريط في مبادئها الأساسية.
إقرأ المزيد


