لبنان يعيش الحرب القادمة قبل وقوعها
إيلاف -

إيلاف من بيروت: في مدينة صور جنوب لبنان، لا تبدو حقيبة مايا السوداء مجرد أمتعة للسفر، بل خطة هروب صامتة. داخل منزلها، تحتفظ الأم البالغة 38 عامًا بحقيبة تضم أوراقًا ثبوتية ومالًا وبعض الاحتياجات الأساسية، تحسبًا لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة قد ينخرط فيها حزب الله دعمًا لإيران. تقول لموقع “الحرة” إنها لم تخبر أبناءها بالحقيقة، مكتفية بالقول إن الحقيبة “للسفر المفاجئ”، بينما المقصود هو الهروب إذا اشتعلت الحرب.

يعيش اللبنانيون على وقع التوتر الإقليمي المتصاعد، خاصة مع تصاعد الخطاب بين واشنطن وطهران، ومهلة الأيام العشرة التي منحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنجاح المفاوضات. وبينما لم تقع الحرب بعد، فإن كثيرين يعيشونها نفسيًا مسبقًا، وفق ما يرصد تقرير “الحرة”.

خوف متجدد في ظل ذاكرة حرب لم تُطوَ
المخاوف ليست افتراضية. فالحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل عام 2024 ما تزال آثارها حاضرة: منازل مدمرة، تعويضات متعثرة، واقتصاد منهك. ووفق تقديرات البنك الدولي التي أوردها تقرير “الحرة”، بلغت خسائر لبنان نحو 8.5 مليارات دولار، منها 3.4 مليارات أضرار مادية و5.1 مليارات خسائر اقتصادية.

محمد، زوج مايا، يختصر المشهد بغضب قائلاً لـ“الحرة”: “تعبنا من الترقب والاستنزاف اليومي”، معتبرًا أن استمرار سلاح الحزب وتورط لبنان في صراعات إقليمية يضاعف الكلفة على بلد لم يتعافَ بعد.

ميزان القلق... تخزين الغذاء كاستجابة صامتة
في بيروت، يعكس ارتفاع مبيعات المواد الغذائية المعلبة حجم القلق الشعبي. يقول أحد أصحاب المتاجر، بحسب “الحرة”، إن مبيعات الأرز والسكر والطحين ترتفع كلما تصاعد التوتر السياسي. لا يعلن الناس استعدادهم للحرب، لكن سلوكهم الاستهلاكي يشي بذلك.

سعيد (29 عامًا) يؤكد للموقع أنه بدأ بتخزين كميات محدودة من الغذاء “تحسبًا لأي طارئ”، في بلد عرف سابقًا طوابير البنزين والخبز والدواء.

أثر نفسي متراكم
تحذر الأخصائية النفسية والاجتماعية لانا قصقص، مديرة جمعية “مفتاح الحياة”، في حديث لـ“الحرة”، من أن العيش في ظل احتمال الحرب يُبقي الدماغ في حالة استنفار دائم، ما يؤدي إلى اضطرابات نوم وقلق مزمن وأعراض جسدية. وترى أن اللبنانيين يعيشون معادلة “التكيّف والإرهاق” في آنٍ واحد، نتيجة تراكم الصدمات من الحرب الأهلية حتى اليوم.

وتشير إلى أن الأطفال والمراهقين والعاملين في القطاعات الصحية والإنسانية من أكثر الفئات تأثرًا، مؤكدة أن طول الانتظار في ظل “اللا يقين” يستنزف القدرة النفسية على التحمل.

بين خيار الرحيل والبقاء
سامر (33 عامًا) اختار أن يترك “نافذة مفتوحة”، فحجز موعدًا لاستخراج جواز سفر جديد كخطة أمان، بينما ترفض شقيقته هدى (45 عامًا) فكرة المغادرة، معتبرة أن الرحيل اقتلاع لجذور وذاكرة.

وتوضح قصقص أن استجابات القلق تتراوح بين تأجيل القرارات، أو التخطيط للهجرة، أو الاندفاع نحو قرارات مصيرية بدافع التشبث بالحياة.

رغم التوتر، تستمر الحياة في لبنان: مقاهٍ مكتظة، حفلات قائمة، وحملات ترويج سياحي مستمرة. غير أن خلف هذا المشهد، تدور “حسابات صامتة” حول القدرة على الصمود ماليًا ونفسيًا إذا اندلعت مواجهة جديدة.

تختم هناء (48 عامًا) حديثها لـ“الحرة” بواقعية ممزوجة بالأمل: قد تنجح المفاوضات، وقد تنتهي المهلة بلا حرب، “لكن الأثر النفسي سبق الحدث... سبق الصواريخ والبيانات العسكرية”.



إقرأ المزيد