فايننشال تايمز: هكذا فقدت الحروب فاعليتها؟
الجزيرة.نت -

Published On 27/2/2026

شارِكْ

السمة الأبرز للقرن الحادي والعشرين حتى الآن ليست صعود قوة بعينها أو انهيار نظام دولي، بل تراجع فعالية الحرب كأداة حاسمة لتحقيق الأهداف السياسية، فمن أوكرانيا إلى العراق إلى أفغانستان يتكرر مشهد واحد؛ قوى كبرى تمتلك تفوقا عسكريا ساحقا، لكنها تعجز عن ترجمة هذا التفوق إلى انتصار سياسي مستدام.

تلخص هذه الجمل أو تكاد مقال الكاتب جنان غانيش في عموده بصحيفة فايننشال تايمز، فقد انطلق من رمزية متحف مخلفات الحرب في مدينة هو شي منه، حيث تعرض معدات عسكرية أميركية ضخمة لم تتمكن من حسم حرب فيتنام، في رسالة ضمنية واضحة تقول: "القوة التكنولوجية وحدها لا تكفي".

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ويرجح الكاتب أن كييف قد تنشئ يوما ما متحفا مماثلا للمعدات الروسية التي فشلت في إخضاع أوكرانيا، كما يمكن لحركة طالبان أن تعرض ترسانة العتاد الذي تركته الولايات المتحدة بعد انسحابها من أفغانستان.

ويتساءل الكاتب متى كان آخر انتصار بري واضح لدولة كبرى؟ مشيرا إلى حرب الخليج عام 1991، مع التذكير بأنها حُسمت إلى حد بعيد بالقوة الجوية، في حين اتسمت الحروب اللاحقة بالإخفاق أو النتائج الملتبسة.

وحتى القوى غير الغربية -كما يقول غانيش- لم تكن أوفر حظا، حيث انهزم الاتحاد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وروسيا تجد نفسها عالقة في أوكرانيا، وفرنسا أنهت مهمتها في الساحل الأفريقي دون إنجاز حاسم.

ويؤكد الكاتب أن هذا النمط لا يقتصر على أنظمة سياسية بعينها، فقد شمل الإخفاق الديمقراطيات والأنظمة السلطوية معا، كما شمل حروبا ضد دول وأخرى ضد جماعات غير نظامية، مما يعني أن ما كان استثناءً صادما في حرب فيتنام أصبح الآن أقرب إلى القاعدة، كما يرى الكاتب.

الكاتب يرى أن التفوق العسكري لم يعُد حكرا على الدول الكبرى (أسوشيتد برس)
كلفة أعلى ونتيجة أقل

ومع أن الضربات الجوية المحدودة قد تحقق أهدافا تكتيكية -كما حدث في صربيا أو في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية– فإنها كثيرا ما تعجز عن إدارة ما بعد إسقاط الأنظمة، كما كانت الحال في ليبيا، حيث القوة قد تسقط الخصم لكنها لا تبني نظاما مستقرا بديلا عنه.

إعلان

أما أسباب هذا التراجع في فعالية الحرب -كما يرى غانيش- فترجع إلى عاملين رئيسيين:

أولا، انتشار أدوات العنف، إذ لم يعد التفوق العسكري حكرا على الدول الكبرى، لأن المسيّرات والحرب غير النظامية، والأنظمة الذاتية التشغيل، تمنح الكيانات الصغيرة قدرة ردع غير متكافئة، حتى أصبحت الدول الضعيفة قادرة على اعتماد "إستراتيجية القنفذ"، بجعل تكلفة غزوها مرتفعة إلى حد يردع المعتدي.

الحروب أصبحت أكثر تكلفة وأقل جلبا للنتائج المتوخاة منها (أسوشيتد برس)

ثانيا، الردع النووي الذي يقيد القوى الكبرى بالخوف من التصعيد، وبالتالي يمنعها من الذهاب إلى أقصى مدى لتحقيق النصر حتى في النزاعات غير النووية، لأن شبح المواجهة الأوسع يظل حاضرا، ويفرض سقفا على الحسم العسكري.

ويحذر المقال من التسرع في الاستنتاج بأن العالم يتجه تلقائيا نحو السلام، لأن تراجع جدوى الحرب، منطقيا قد يردع الدول عن خوضها عندما ترى أنها تنطوي على تكلفة باهظة مقابل مكاسب ضئيلة، ولكن الإحباط العسكري المتكرر قد يؤدي إلى تآكل الثقة الشعبية في الجيوش داخل الديمقراطيات.

ويستحضر الكاتب تحذير الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور من نفوذ المؤسسة العسكرية في الحياة المدنية، ليقارن بين الماضي والحاضر، حيث لم تعد المشكلة تغول العسكر، بل اغتراب المجتمع المدني عنهم نتيجة تراكم الإخفاقات، ليتحول الشعار القديم "لا منتصرون في الحرب" من عبارة أخلاقية إلى توصيف واقعي لعصر تتضاءل فيه قدرة القوة المسلحة على إنتاج انتصار واضح.

ويخلص الكاتب إلى أن العالم قد يكون بصدد تحول تاريخي عميق، لا تعود فيه الحرب تلك الأداة الحاسمة التي كانت في القرن العشرين، مع أنها في الوقت ذاته لا تختفي، ولكنها تصبح أكثر كلفة وأقل تحقيقا للنتائج المتوخاة منها، مما يفتح الباب أمام نظام دولي تتسم صراعاته بالتعثر المستمر بدل الحسم النهائي.



إقرأ المزيد