الجزيرة.نت - 2/27/2026 8:42:05 PM - GMT (+3 )
يعيش كثيرون تجربة غريبة، لحظة عبادة خالصة تملأ القلب خفة وبهجة لا توصف، ثم تمر الأيام ويعود الثقل وتختفي تلك اللذة كأن لم تكن.
ويبقى السؤال معلقا: كيف السبيل إلى استعادة تلك الحلاوة التي عُرفت مرة ثم غابت؟
استعرض برنامج "قال الحكيم" -في حلقته التي يمكن متابعتها من الرابط– هذه الرحلة الداخلية بين التثاقل والخفة، جامعا بين تجارب صوفية عميقة وشهادات فلاسفة غربيين وأقوال علماء المسلمين، في بحث صادق عن طبيعة الإيمان وسبيل الوصول إلى لذته.
ويرى الفيلسوف أرسطو أن من تتعارض أقوالهم مع أفعالهم إنما يعانون من جهل حقيقي بما يقولون، لأن المعرفة الحقة تستلزم العمل حتما.
وعلى المنوال ذاته، كتب المفكر جان جاك روسو في رسائله أن الراحة الحقيقية لا تُدرك إلا بعد أن يذوق المرء مرارة الشهوات ويكتشف قرب باب الحكمة منه.
وفي الاتجاه نفسه، يختزل الكاتب الروسي ليو تولستوي الإيمان في جملة واحدة مضيئة، هو تكثيف للحب، فكلما أحببت أكثر تحوّل الحب إلى إيمان.
التوحيد رأس الإيمانوفي التراث الإسلامي، حدد العالم ابن منظور الإيمان بأنه طمأنينة النفس وزوال الخوف، في حين جعل الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" التوحيد رأسَ الإيمان وأساسه، أما الصحابي الجليل أبو الدرداء فرأى أن ذروته الصبر للحكم والرضا بالقدر.
وأبرز ما في هذه المادة شهادة العالم الصوفي أبي يزيد البسطامي الذي وصف تجربته الشخصية بصدق نادر، كان يسوق نفسه إلى الطاعة وهي تبكي متعبة، حتى انساقت إليها وهي تضحك مسرورة.
وهو ما يؤكده الإمام ابن القيّم بصياغة أكثر تفصيلا، السالك في بداية طريقه يجد تعب التكاليف ومشقة العمل لعدم أنس قلبه بمعبوده، فإذا حصل للقلب روح الأنس تحولت العبادة إلى قرة عين وقوة ولذة.
وعن العلاقة بين المعرفة والإيمان، روى الصحابي جندب بن عبد الله أن الصحابة تعلموا الإيمان قبل أن يتعلموا القرآن، ثم لما تعلموا القرآن ازداد إيمانهم.
وهو ما يفسره ابن تيمية بأن الإيمان ظاهره قول اللسان وعمل الجوارح، وباطنه تصديق القلب وانقياده ومحبته، فالإيمان لا ينتظر اكتمال المعرفة، بل يسبقها ثم تأتي المعرفة لتُعمّقه.
وتنتهي هذه الجولة الفكرية بجوهر الجواب على السؤال الأصلي، متى يشتَقِ القلب اشتهى، وإذا اشتهى هبّت عليه نسائم الجنة ففرح بالطاعة.
وكلما طهر القلب رقّ، وإذا رق راق. وفي قول ابن القيم الجامع يكمن المفتاح الذي تبحث عنه الأرواح المشتاقة: "من قرّت عينه بالله قرّت به كل عين، فإن أطيب ما في الدنيا معرفته، وألذ ما في الآخرة رؤيته".
Published On 27/2/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


