النساء شقائق الرجال.. كيف يحقق الإسلام تكامل الأدوار بينهما؟
الجزيرة.نت -

تناولت حلقة “الشريعة والحياة في رمضان” مكانة المرأة في الإسلام، مبرزة أنها شقيقة الرجل في التكليف والكرامة، وأن تكاملهما يقوم على ترسيخ العقيدة والحياء والعدل، لا على اختزال النقاش في المظهر الخارجي.

أكدت الداعية الدكتورة هيفاء يونس أن الإسلام قدَّم رؤية متكاملة للمرأة، تقوم على تكريم إنسانيتها قبل أي اعتبار شكلي، وترسّخ مبدأ الشراكة مع الرجل في الاستخلاف والعبادة، ضمن منظومة تحفظ الهوية والحياء وتحقق التكامل لا التنازع.

جاء ذلك في حلقة من برنامج "الشريعة والحياة في رمضان" على قناة الجزيرة، ناقشت فيها الضيفة صورة المرأة في التصور الإسلامي، بين الجدل الدائر بشأن مظهرها الخارجي، والأسئلة الأعمق المتصلة بدورها العلمي والإيماني والاجتماعي.

واستهلت الداعية حديثها بالتأكيد أن المرأة في الإسلام "إنسانة مكرَّمة مرفوعة القدر"، مشيرة إلى أن النموذج العملي لذلك يتجسد في أمهات المؤمنين، وفي مقدمتهن خديجة بنت خويلد وعائشة بنت أبي بكر وأم سلمة.

ورأت أن كل واحدة من زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- تمثل بعدا من أبعاد الشخصية النسوية المسلمة، فهذه نموذج الحكمة والمشورة، وتلك مثال الفقه والعلم، وأخرى تجسيد للتضحية والثبات، بما يعكس تنوع الأدوار لا انحصارها في قالب واحد.

وانتقدت ما وصفته بـ"اختلاط المفاهيم" الذي أصاب بعض المجتمعات، مشيرة إلى أن المشكلة لا تكمن في أحكام الشريعة بل في فقدان الهوية واتخاذ قدوات بديلة عن النماذج المؤسسة في التاريخ الإسلامي، وهو ما يفضي إلى اضطراب في فهم وظيفة المرأة ورسالتها.

وعن طغيان النقاش بشأن لباس المرأة على غيره من القضايا، أوضحت أن التركيز على "الظاهر" بات سمة عامة في تناول التدين، سواء تعلق الأمر بالرجل أو المرأة، محذرة من اختزال الدين في مظهر خارجي أو في سلوك قلبي مع إهمال الآخر.

وشددت على أن الإسلام لا يقبل التجزئة، ووصفت منظومته بأنها "حزمة متكاملة" تجمع بين صلاح القلب واستقامة السلوك، مؤكدة أن التركيز على أحد البعدين دون الآخر يفرغ التدين من مضمونه ويخلق حالة من الازدواجية.

منهجية التغيير

وفي معرض حديثها عن منهج التغيير، استحضرت الدكتورة هيفاء يونس المرحلة المكية من الدعوة النبوية، مبيّنة أن ترسيخ العقيدة وتعظيم الله في القلوب سبق نزول كثير من الأحكام التفصيلية، وهو ما جعل الاستجابة للتكاليف لاحقا يسيرة ومثمرة.

وانطلاقا من ذلك، دعت إلى إعادة ترتيب الأولويات في الخطاب الموجه إلى النساء، بحيث يبدأ بتعريفهن بالله وتعميق الصلة به، موضحة أن من عرف ربه سهل عليه الامتثال لأوامره، سواء تعلقت باللباس أو غيره من الواجبات.

وأكدت الداعية أن غرس مفهوم "مرضاة الله" بوصفه معيار القرار الأول في حياة المرأة كفيل بتبديد كثير من الإشكالات، لأن السلوك حينها يصبح تعبيرا عن قناعة داخلية لا مجرد امتثال اجتماعي أو ضغط خارجي.

وتطرقت إلى قيمة الحياء، معتبرة إياه خلقا مركزيا في الشخصية المسلمة، ومستشهدة بقوله تعالى {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء}، لتؤكد أن القرآن قدَّم الحياء بوصفه سمة مميزة للمرأة الصالحة.

وأوضحت أن الحياء لا يعني الضعف بل هو قوة منضبطة ووعي بالذات، وأنه يشمل القول والمشي والتعامل، مشيرة إلى أن النبي ﷺ كان "أشدَّ حياءً من العذراءِ في خِدرِها"، مما يدل على أن الحياء خلق إنساني جامع.

وفي سياق الحديث عن الضغوط الثقافية المعاصرة، رأت ضيفة البرنامج أن بعض المجتمعات المسلمة باتت تتبع غيرها دون تمحيص، مؤكدة ضرورة الحفاظ على الهوية الإسلامية في السلوك والمظهر، مع الانتقاء الواعي لما ينسجم مع القيم الدينية.

وتوقفت عند الحديث النبوي "النساءُ شقائقُ الرجال"، مبيّنة أن معناه الشراكة في التكليف والكرامة الإنسانية أمام الله، لا التطابق التام في الخصائص أو الوظائف، فلكل من الرجل والمرأة خصائص تكمل الآخر.

واستشهدت بالآيات التي تقرن بين المؤمنين والمؤمنات لتؤكد أن معيار التفاضل هو التقوى لا النوع، وأن الأجر والثواب والمسؤولية مشتركة ضمن منظومة عدل إلهي لا تحابي جنسا على حساب آخر.

الفرائض والتكليفات

وبشأن الحقوق والواجبات، فرَّقت الدكتورة هيفاء يونس بين ما فُرض على المرأة بوصفها عبدة لله، وما كُلفت به في إطار أدوارها الأسرية والاجتماعية، لافتة إلى أن بعض الأحكام التفصيلية كالحجاب ترتبط بخصوصية الخلقة ووظيفة كل جنس.

وأشارت إلى أن الذمة المالية المستقلة للمرأة وعدم إلزامها بالنفقة يمثلان تكريما لها، موضحة أن كثيرا من هذه الحقوق لم تعرفها مجتمعات أخرى إلا في أزمنة متأخرة، أما الإسلام فقد قررها منذ بداياته.

وعند تناول الشبهات المتعلقة بالميراث أو الشهادة، أكدت ضرورة قراءة النصوص في سياقها ومقاصدها، مبيّنة أن اختلاف الأنصبة يرتبط بتوزيع الأعباء المالية، وأن هناك حالات تتساوى فيها المرأة مع الرجل أو تزيد عليه.

وتطرقت إلى ضوابط السلوك في الفضاء العام، مستحضرة آيات سورة النور التي تبدأ بالأمر بغضّ البصر للرجال قبل النساء، لتؤكد أن المسؤولية مشتركة، وأن الحشمة لا تقتصر على جانب دون آخر.

وبيَّنت أن مفهوم الزينة في النص القرآني يتصل بكل ما يُقصد به التجمل وإبراز الجمال، داعية النساء إلى استحضار هذا المعنى عند الخروج إلى المجال العام، بما يحقق التوازن بين الحضور الفاعل والالتزام الشرعي.

وفي ما يتعلق ببناء بيئة تحافظ على كرامة المرأة، شددت الداعية على أن القرآن لا يقتصر على العبادات بل يتضمن تفاصيل الحياة اليومية، معتبرة أن الرجوع إلى الوحي هو المدخل لتجاوز الارتباك القيمي المعاصر.

وأكدت أن البداية الحقيقية تكون من الأسرة، عبر تعليم المرأة دينها تعليما راسخا، لأن الأم الواعية القادرة على تمثل القيم في سلوكها تربي جيلا أكثر توازنا وثقة بهويته.

وختمت الدكتورة هيفاء يونس بالتأكيد أن طاعة الزوج "في المعروف" لا تتعارض مع استقلالية المرأة بل تندرج ضمن مبدأ الشراكة الأسرية، مشيرة إلى أن القيادة داخل الأسرة لا تعني الاستبداد، وأن التشاور كان سمة نبوية أصيلة.



إقرأ المزيد