يخيم عليها شبح الحرب.. أجواء طهران بين الاستعداد والترقب
الجزيرة.نت -

طهران- تكهنات متصاعدة، واستعدادات هادئة، ونمط حياة لا يختلف كثيرا عن أجواء شهر رمضان في الأعوام الماضية. بائعون يروّجون لبضائعهم، وركاب يسرعون خطاهم، هكذا تبدو العاصمة الإيرانية طهران بعد الجولة الثالثة من مفاوضاتها النووية، في حين عيون سكانها تشخص بحذر إلى التوتر المتفاقم مع واشنطن.

وإثر انتهاء المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، مساء أمس الخميس، دون اتفاق حاسم، قامت الجزيرة نت بجولة ميدانية من شمالي العاصمة طهران مرورا بالمناطق الغربية ثم الوسط وصولا إلى جنوبي المدينة.

وإلى حدود ظهيرة اليوم الجمعة، تبدو الحركة طبيعية بحي "تجريش" شمالي العاصمة، بيد أن مقولة "الحرب أضحت قاب قوسين أو أدنى" تكاد لا تغيب عن كلام الناس.

شبح الحرب

في سوق تجريش التاريخي وتحت قباب أزقته المغطاة، الضجّة عالية وروائح البهارات تملأ الفضاء والمشترون يسارعون خطاهم ولكن الحديث مع الفاكهاني "أبوذر" (48 عاما) يكشف عما يدور في أذهان عملائه، يقول إن "الجميع يتحدث عن الحرب، حتى أضحينا نعيش بالأخبار، والدولار يتأثر صعودا ونزولا مع كل خبر يأتي من المفاوضات".

الفاكهاني أبوذر يقول إن الجميع هنا يتحدث عن الحرب (الجزيرة)

في السياق، تقول "لادن"، سيدة خمسينية، إن حياة أسرتها اليومية أصبحت كالشخص الذي يمشي على حبل مشدود فوق حافة الهاوية، مشيرة إلى أن عددا من جيرانها غادروا البلاد خلال الأسابيع والأيام الماضية بانتظار ما ستؤول إليه الأزمة الراهنة.

وفي تصريح نزل صادما على من حوله، يعبر الشاب "بويا" (23 عاما) عن أمنيته بمهاجمة الولايات المتحدة بلاده عاجلا غير آجل، تمهيدا لعودة رضا بهلوي نجل الملك الإيراني الراحل محمد رضا بهلوي الذي أطاحت به ثورة 1979، مستدركا -بعد أن شاهد امتعاض عدد من الزبائن- أنه يريد انهيار نظام الجمهورية الإسلامية فقط من دون إلحاق الضرر بالشعب الإيراني.

تكاد تنعدم الحركة في جناح الذهب والمجوهرات بسوق قائم (الجزيرة)
ترقب وتوجس

وعلى بعد بضعة أمتار من السوق القديم بهذا الحي تكاد تنعدم الحركة في جناح الذهب والمجوهرات بسوق "قائم"، في حين يقول البائع الخمسيني "علي رضا" إن عدد زبائنه في تراجع باستمرار منذ ارتفاع أسعار الذهب عالميا خلال الأشهر الماضية.

إعلان

ولفت التاجر إلى أن عدد الراغبين في بيع مجوهراتهم يزداد تناسبا مع احتدام التوتر وتزايد التحشيد العسكري الأميركي في المنطقة، كاشفا عن مطالبة بعض زبائنه باستلام المبالغ عبر العملات الرقمية لضمان قيمتها وتسهيل الهجرة عند الحاجة.

وفي ساحة "صنعت" حيث منطقة "شهرك قدس" غربي طهران، تطفو تداعيات التوتر مع واشنطن على سطح نمط الحياة اليومية، إذ تبدو الشوارع التي طالما ارتبطت بطهران الحديثة شبه فارغة، ويُرجع "غرشا" (53 عاما) صاحب أحد المحال التجارية السبب إلى "تزايد احتمالات وقوع هجوم عسكري ليلا مما يدفع الناس أن يبقوا يقظين حتى الفجر".

استعداد تام في المستشفيات تحسبا لمختلف السيناريوهات (الجزيرة)
استعدادات طبية

في حين تبدو الأمور مختلفة تماما في مستشفى "بهمن" الكائن في أحد الشوارع الرئيسية بمنطقة صنعت. فهنا لا توجد حالة ترقب، بل جاهزية دائمة وفق الطبيب محمدي (52 عاما) الذي قال إن المنظومة الصحية في بلاده دائمة الاستعداد للتطورات المفاجئة، وهذا ما أثبتته خلال حرب الـ12 يوما وكذلك إبان جائحة كورونا.

ويشير -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن التوجيهات الرسمية بهذا الخصوص واضحة وحاسمة، إذ صدرت التعليمات بقبول جميع المرضى والمصابين في المستشفيات دون قيود مع التأكيد على التعاون الكامل مع فرق الإسعاف، وأن مصلحة العلاج بوزارة الصحة شددت على أن تكون الأولوية للمصابين في المستشفيات والمراكز الصحية.

من جهتها، تقول الممرضة "مهرانه" (48 عاما) إن "المستشفى لا ينام، ونحن نعرف أن الحرب قد تأتي كالصاعقة، لكننا أيضا نعرف أن واجبنا يسبق الخوف"، مشيرة إلى أن الكوادر الصحية في بلادها تعلمت الكثير من تجربة حرب يونيو/حزيران الماضي.

بلدية طهران تضع خططا لتحويل العشرات من محطات المترو إلى ملاجئ تحسبا للحرب (الجزيرة)
محطات المترو

وفي طريقنا إلى مركز المدينة، توقفنا في محطة "هفتم تير" لقطار الأنفاق وهي إحدى أبرز المحطات التي حددتها دائرة إدارة الأزمات في طهران ضمن 82 محطة مترو و300 مرآب سيارات داخل المجمعات التجارية والإدارية كملاجئ، تحسبا لاحتمالات الحرب وضرورة ضمان استمرارية الحياة والخدمات الحيوية.

ومن تحت عشرات الأمتار من ضجيج شوارع طهران، يقول أحد العاملين في المترو إن هذه المحطة والعشرات من المحطات المماثلة ستكون ملجأ لملايين البشر إذا ساءت الأمور، مؤكدا وجود خطط معدة مسبقا ضمن برنامج الدفاع المدني لحماية المدنيين.

ويشير إلى أن مسؤولي بلدية طهران وضعوا خططا لتحويل العشرات من محطات المترو إلى ملاجئ مجهزة قادرة على توفير حماية فورية للمدنيين عندما تقتضي الحاجة، مضيفا "لا نعيد اختراع العجلة لقد درسنا تجارب عالمية في مجال الاستخدام متعدد الأغراض لمحطات المترو وتحويلها إلى ملاجئ في ظروف الحرب، إلى جانب وظيفتها كمنشأة للنقل العام".

حركة شرائية نشطة في سوق خاني آباد الشعبية (الجزيرة)
جنوبي العاصمة

ومن ساحة هفتم تير الشهيرة وسط طهران، إلى منطقة "خاني آباد" جنوبها، حيث تختلط روائح عوادم السيارات برائحة الخبز "تافتون" الخارج للتو من الأفران الشعبية، قبل سويعات فقط من موعد الإفطار، حيث يقول الحاج "عبد الله" (75 عاما) إن "رائحة الحياة هنا تختلف عن سائر مناطق العاصمة".

إعلان

وعلى رصيف الشارع الرئيسي لسوق الألبسة الشعبية، يضيف الحاج عبد الله، في حديثه للجزيرة نت، أن نمط الحياة في جنوب طهران عنيد يرفض التوقف كما يرفض الاستسلام، وفي حال شنت الولايات المتحدة حربا على الشعب الإيراني سيكون أبناء هذه المنطقة في مقدمة المدافعين عن البلاد، علی حد وصفه.

حاجي فيروز يرتدي زيه الأحمر ويرقص لرسم الابتسامة على وجوه المارة عشية عيد النيروز  (الجزيرة)

وفي السوق ذاته، يقول أحد الباعة أن الحركة الشرائية عشية عيد النيروز -الذي سيحل في 21 مارس/آذار المقبل- عادة نشطة في مثل هذه الأيام، لكن هذا العام تأثرت سلبا بالتضخم المرتفع والخوف من احتمال تكرار الهجوم العسكري على البلاد.

وفيما يجلس رجال كبار في السن يراقبون الشارع بعيون شاخصة، كأنهم حراس على طقوس يومية مهددة بالانقطاع، يظهر "حاجي فيروز" مرتديا زيه الأحمر، صابغا وجهه بطلاء أسود، ويقرع على الطبول ويلقي التحية على المارة بغنوته الشهيرة "أرباب خودم سلام عليكم"، ويرقص لرسم الابتسامة على وجوه المارة، قبل نحو 3 أسابيع من حلول رأس السنة الفارسية.



إقرأ المزيد