المفاوضات غير المباشرة دبلوماسية الغرف المنفصلة
الجزيرة.نت -

Published On 27/2/2026

|

آخر تحديث: 21:46 (توقيت مكة)

شارِكْ

في النزاعات الحساسة، كثيرا ما نرى الدول والجهات المتنازعة لا تفضل اللجوء إلى المفاوضات المباشرة فيما بينها، وإنما تصل إلى التفاهمات والاتفاقات عبر مفاوضات غير مباشرة أو ما يعرف بالدبلوماسية غير الرسمية، وأحيانا السرية.

ويهدف هذا النوع من الدبلوماسية عادةً إلى منح المفاوضات مزيدا من المرونة، واستكشاف فرص نجاحها المحتملة خصوصا في التفاصيل الحساسة، والتمهيد لوضع قواعد التفاهم وبناء الثقة، والتخفف من أعباء الالتزامات الفورية أو الإجابات القاطعة.

وفي هذا النوع من المفاوضات، يكون للوسيط أهمية خاصة ودور جوهري في كسر الجليد وتذليل العقبات واقتراح الحلول وتمهيد الطريق إلى الاتفاقات النهائية.

وزير خارجية عمان (يمين) مع مبعوث البيت الأبيض (وسط) أثناء المفاوضات الإيرانية الأمريكية في جنيف 2026 (أسوشيتد برسس)
المفهوم والدلالة

المفاوضات غير المباشرة، وتسمى أحيانا بمحادثات التقارب، أو محادثات الغرف المنفصلة، هي: عملية تفاوض بين الأطراف المتنازعة دون تواصل مباشر بينهم أو الجلوس إلى طاولة واحدة، ولكن من خلال وسيط -أو أكثر- مقبول من جميع الأطراف، يتولى نقل المطالب والمقترحات، ويقرّب بين وجهات النظر، ويذلل السبل للوصول إلى التفاهمات النهائية.

وتعرّف الأمم المتحدة الوساطة بأنها عملية يقوم من خلالها طرف ثالث بمساعدة طرفين أو أكثر، بموافقة تلك الأطراف، لمنع نشوب نزاع أو إدارته أو حلّه عن طريق مساعدتها على وضع اتفاقات مقبولة للجميع.

لذلك فإن هناك مسارا في العلاقات الدولية يقوم على دبلوماسية الوساطات، أو ما يعرف بـ"دبلوماسية المكوك" (نسبة إلى مكوك النسيج الذي يربط الخيوط ببعضها)، يتولى فيها الوسيط التواصل الحثيث مع أطراف النزاع، لنقل المقترحات والرسائل وعقد التفاهمات.

وفي المفاوضات غير المباشرة، لا يقتصر دور الوسيط على نقل الرسائل فقط، بل يقوم بتقديم مقترحات توفيقية لا يستطيع أي طرف تقديمها مباشرة خشية أن تظهر كأنها علامة ضعف.

إعلان

الوسيط الفعّال

وتتطلب الوساطة الفعّالة في الدبلوماسية المكوكية جملة من الصفات يجب توافرها فيمن يتصدى لها، ومن أهمها:

  • أن يكون مقبولا من جميع أطراف النزاع، ذا نزاهة ومصداقية عالية عندهم، حتى يثقوا بما ينقله عنهم أو ينقله لهم، وحتى تتسم اقتراحاته أو توصياته بالنصح والحرص على نجاح المفاوضات.
  • كما يجب أن ينظَر إلى الوسيط على أنه موضوعي، وغير متحيّز لأحد الأطراف، أو حريص على منفعة ما يحققها، بحيث يتعامل مع جميع الجهات الفاعلة بإنصاف، ويحترم سرية وخصوصية كل طرف.
  • وتقتضي الوساطة الفعالة أن يمتلك الوسيط الكفاءة والمهارة اللازمة لإتمام المهمة الموكلة إليه، وأن يتحلى بالصبر وحسن التصرّف والحنكة في إدارة المفاوضات، وأن يكون خبيرا في تفاصيل النزاع ومدركا للحساسيات المباشرة وغير المباشرة التي قد تؤثر على مسار التفاوض.
  • ويجب أن تتوفر للوسيط بيئة خارجية داعمة، لأنه قد يتعرض لضغوط خارجية تؤثر على سير المفاوضات أو تخلّ بدوره وقدرته على إحراز تقدّم فيها، ولذلك فإن فعالية الوساطة تعتمد على قدرة الوسيط على الصمود أمام الضغوط.
  • وتكون الوساطة أكثر فعالية كلما امتلك الوسيط مهارات تواصل، واستطاع خلق روح من الإيجابية والتعاون على حل المشكلات.
  • كما أن الوسيط الجيد يمكّن الأطراف المتفاوضة مما يلزمهم من المعارف والمعلومات، ويكون أمينا في نقل وجهات النظر الأخرى، بحيث يمكن الأطراف من اتخاذ مواقف راسخة وغير مترددة، تنهي النزاع وتصل إلى توافق مقبول للجميع.
  • ويعمل الوسيط الجيد على ضمان امتلاك الأطراف المتفاوضة ما يكفي من المعارف والمعلومات والمهارات اللازمة التي تجعلهم قادرين على التفاوض بثقة، كما أنه يحرص على حفظ كرامتهم واحترامهم، بحيث لا تتحول عملية التفاوض إلى ابتزاز أو احتقار، أو يبدو التنازل ضعفا أو التسامح هزيمة.

لماذا يلجأ المتنازعون إليها؟!

تتعدد الأسباب التي تدفع الدول لتفضيل التفاوض غير المباشر على المباشر، ويرجع غالبها إلى حماية مصالحها السياسية، أو تجنّب التبعات القانونية، أو الحرص على صورتها الإعلامية أو موقفها الأيديولوجي.

ويمكن تسليط الضوء على بعض من أهم الأسباب التي تجعل الأطراف تختار الغرف المنفصلة على الطاولة الواحدة، منها:

  • غياب الاعتراف القانوني أو السياسي بأحد الأطراف: مثل المفاوضات التي تكون بين دول ومنظمات غير معترف بها، أو مصنفة على أنها حركات متمردة أو منظمات إرهابية.
  • تجنب الحرج السياسي وضغوط الرأي العام: بحيث تمنح المفاوضات غير المباشرة غطاء سياسيا تحفظ للأطراف السياسية مساحة الإنكار والتنصل، وتجنبهم تداعياتها السياسية وحرج "التقارب مع العدو"، خصوصا في حال فشل المفاوضات.
  • تجنب التوتر والعدائية: خصوصا إذا كانت الخصومة كبيرة بين الأطراف، بحيث تؤدي أي مواجهة بينهم إلى توتر متصاعد، ينتقل إلى جمهور كل طرف.
  • الحاجة إلى وسيط يلعب دور الضامن: فالوسيط هنا تتجاوز مهتمته دور الميسّر أو مذلل العقبات، ليكون ضامنا للاتفاقات، وكفيلا لكل طرف عند الطرف الآخر.
  • كسر الجمود وتجاوز العقبات: إذ قد تكون المفاوضات قد وصلت إلى أبواب مسدودة بسبب المواقف الرمزية المتصلبة، فليُجأ إلى التفاوض غير المباشر لاختبار جدية الأطراف، واستكشاف مواطن التذليل المحتملة، والالتزامات التي يمكن أن يقدمها كل طرف.

إعلان

وبالإجمال، تهدف المفاوضات غير المباشرة إلى استكشاف فرص التسوية ومناقشة القضايا الحساسة بعيدا عن ضغوط الرأي العام أو الرقابة الإعلامية على التفاصيل، مما يمنح القادة مساحة للتفاوض بحرية أكبر، كما قد يلجأ المتفاوضون إلى قنوات سرية تكمل المفاوضات الرسمية الجارية أو تحلّ بعض عقدها.

نماذج على التفاوض غير المباشر

  • اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل

جرت مفاوضات لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022 عبر وساطة أمريكية في مقر الأمم المتحدة بالناقورة، دون أي اتصال مباشر بين الوفدين.

وأسفرت هذه القناة السرية عن تسوية حدودية للمنطقة المتنازع عليها في البحر المتوسط، ومنعت اندلاع حرب محتملة، وفتحت الباب أمام استثمار الغاز وضمان مصالح الطرفين رغم استمرار العداء الرسمي بينهما.

  • محادثات بين حماس وإسرائيل بشأن غزة في شرم الشيخ

بدأت جلسات مفاوضات غير مباشرة بين الوفدين الفلسطيني عن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والإسرائيلي في شرم الشيخ، برعاية وساطة مصرية وقطرية، وبمشاركة فريق أمريكي، لبحث تهيئة الأوضاع الميدانية وآلية تبادل الأسرى في قطاع غزة عام 2025.

وقد أتيح للطرفين من خلال هذه القناة غير المباشرة استكشاف آليات وقف إطلاق النار وتحديد مراحل الانسحاب، مما مهد لتنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أعلن عنها في 29 سبتمبر/أيلول من العام نفسه.

  • المفاوضات الأمريكية الإيرانية حول البرنامج النووي

انطلقت جولات المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف أواخر فبراير/شباط 2026، بهدف تسوية النزاع الطويل حول البرنامج النووي الإيراني وتجنب تصعيد عسكري محتمل، وتجنب شنّ ضربات أمريكية جديدة على إيران في أعقاب تعزيزات عسكرية واسعة النطاق.



إقرأ المزيد