مع التهديد الأمريكي.. كيف يحسم الإطار التنسيقي خياره بشأن ترشيح المالكي؟
الجزيرة.نت -

Published On 27/2/2026

شارِكْ

لم تعد معركة ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية شأنا داخليا محصورا بتوازنات الإطار التنسيقي، بل تحولت إلى اختبار مفتوح لقدرة التحالف الشيعي على تجنب صدام اقتصادي مع الولايات المتحدة، في لحظة إقليمية مشحونة، تجعل من اسم رئيس الوزراء عنوانا لوضع العراق بين خطي طهران وواشنطن.

الرسالة التي حملها المبعوث الأمريكي توم براك إلى بغداد، كما ناقشها ضيوف برنامج "ما وراء الخبر"، لم تكن مجرد إبداء تحفُّظ دبلوماسي، بل هي تلويح صريح باستخدام أدوات ضغط تمس الشريان المالي للدولة العراقية، إذا أصر الإطار على المضي في ترشيح المالكي.

وقدَّم ستيفن هايدمان، الباحث في مركز سياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكينغز، خلال مشاركته في البرنامج، قراءة تكشف جوهر الموقف الأمريكي، إذ لا يتعلق الاعتراض بتفاصيل إجرائية بل بشخص المالكي ذاته، لأنه -وفق واشنطن- يعمّق نفوذ طهران، ويعيد إنتاج أنماط حكم أثارت انقسامات داخلية وقلقا خارجيا.

ويتقاطع هذا التوصيف مع ما طرحه أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية الدكتور عصام الفيلي، الذي رأى أن تكرار زيارة براك في فترة قصيرة مؤشر إلى أن الإدارة الأمريكية حسمت تقديرها لأخطار عودة نوري المالكي، وأنها انتقلت من الرسائل غير المباشرة إلى الإنذار شبه العلني.

جوهر الأزمة إذَن لا يكمن في "رفض أمريكي" قابل للتفاوض، بل في لجوء واشنطن إلى سلاح الاقتصاد الأشد إيلاما، إذ يشير هايدمان إلى أن عائدات النفط العراقي المودَعة في الاحتياطي الفدرالي في نيويورك تمنح واشنطن قدرة فعلية على تقييد وصول بغداد إلى أموالها.

معركة سيادة أم مقامرة اقتصادية؟

بهذا المعنى، يتحول ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة من معركة رمزية بشأن "السيادة" إلى مقامرة مالية قد تضع الدولة أمام أزمة سيولة خانقة، واللافت أن الفيلي أشار إلى أن العقوبات -إن فُرضت- لن تبقى في إطار التحذير النظري، بل قد تشمل شخصيات وقياديين داخل الإطار، مما يفتح الباب على تداعيات داخلية تتجاوز شخص المرشح.

إعلان

من زاوية دستورية وسياسية، رأى المختص في القانون الدستوري والأنظمة السياسية الدكتور سليم زخور أن رئاسة الوزراء العراقية كانت دوما نقطة توازن بين واشنطن وطهران، وأن وصول المالكي سيُقرأ ترجيحا للكفة الإيرانية، وهو ما ترفضه واشنطن وسط توتر إقليمي متصاعد.

وهنا تتجلى الفكرة المحورية التي هيمنت على نقاش الحلقة، وهي أن واشنطن لا تكتفي برفض مرشح، بل توظّف ثقلها المالي والدبلوماسي أداة لإعادة هندسة القرار داخل الإطار التنسيقي، واضعة حلفاء المالكي أمام معادلة صعبة، إما التمسك به وتحمُّل تبعات العقوبات، أو التخلي عنه صونا للنظام السياسي برمّته.

ويعكس بيان مكتب نوري المالكي الداعي إلى "احترام إرادة الشعب" رفع سقف الخطاب السيادي، لكن الفيلي ذكَّر بحضور العامل الخارجي في تشكيل الحكومات منذ عام 2003، مشيرا إلى أن الفارق اليوم يكمن في أن التدخل بات مكشوفا ومصحوبا بتهديد اقتصادي مباشر.

في المقابل، لا تبدو واشنطن راغبة في الظهور بأنها تفرض مرشحا بديلا، إذ أشار هايدمان إلى أن الإدارة قد تتراجع خطوة إلى الخلف بعد إيصال الرسالة، تاركة للإطار مهمة إنتاج مَخرج داخلي، تفاديا لوصم أي رئيس وزراء جديد بأنه "مرشح أمريكي"، وهي وصمة قد تُضعف شرعيته منذ اليوم الأول.

هذا الحرص الأمريكي على إدارة الضغط دون تحمُّل كلفة فرض بديل يضع الإطار التنسيقي أمام مسؤولية مضاعفة، فالتراجع عن دعم المالكي يجب تسويقه داخليا بوصفه قرارا سياديا يحمي البلاد من أزمة اقتصادية، لا استجابة لإملاء خارجي، وهنا يبرز دور قياديين مثل عمار الحكيم ومحمد شياع السوداني -رئيس الوزراء الحالي- في صياغة تسوية تحفظ ماء الوجه.

خيار مرجَّح بكلفة مؤثرة

وفي هذا السياق، أشار الدكتور سليم زخور إلى أن الإخراج المرجَّح سيكون عبر سحب تدريجي للدعم من داخل الإطار، بما يدفع المالكي إلى الاعتذار أو القبول بمرشح توافقي آخر، ويحقق مثل هذا السيناريو هدفين، امتصاص الضغط الأمريكي، والحفاظ على وحدة التحالف الشيعي ولو بثمن إعادة توزيع موازين القوة داخله.

وهذا الخيار ليس بلا كلفة، فالمالكي -وفق محللين- ليس رقما عابرا بل ركيزة تاريخية في الإطار، واستبعاده قد يفتح نقاشا عميقا بشأن طبيعة القيادة وآلية اتخاذ القرار، والتحول من منطق "الزعيم المؤسس" إلى منطق البراغماتية الواقعية قد يعيد رسم خريطة التحالفات داخل البيت الشيعي لسنوات مقبلة.

كذلك فإن السيناريو المعاكس، أي المضي في ترشيحه، يبدو محفوفا بأخطار تتجاوز الداخل، فإذا استخدمت واشنطن ورقة الاحتياطي الفدرالي أو فرضت عقوبات موسعة، فإن العراق قد يواجه تراجعا في قدرته على تمويل الرواتب والمشروعات، وهو ما يضع الشارع في قلب الأزمة، ويحوّل الخلاف السياسي إلى ضغط اجتماعي.

ويصبح السؤال حينئذ: هل يمتلك الإطار التنسيقي ترف اختبار حدود الصبر الأمريكي أم إن واقعية السياسة تقتضي تقديم "تضحية محسوبة" تجنب البلاد سيناريو العزلة الاقتصادية؟ وتميل قراءة ضيوف الحلقة إلى أن كلفة الإصرار أعلى من كلفة التراجع، خصوصا مع هشاشة الاقتصاد واعتماده شبه الكامل على العوائد النفطية.

إعلان

ويتصل الأفق الأوسع للأزمة أيضا بتوازن العراق في الإقليم، فعودة المالكي -وفق تقديرات مشاركين في الحلقة- قد تُفسَّر إقليميا بأنها خطوة نحو إحياء محور أكثر التصاقا بطهران، مما يعمّق الاستقطاب في لحظة تشهد توترات بين الولايات المتحدة وإيران. ومن ثَم، فإن قرار الإطار لن يُقرأ محليا فقط بل ضمن معادلات إقليمية أوسع.



إقرأ المزيد