تنوع وتعاون على الخير.. تعرف على عادات وطقوس الليبيين في رمضان
الجزيرة.نت -

قد يتقاطع شهر رمضان بعباداته ويومياته في ليبيا مع سائر ديار المُسلمين، غير أنّ الليبيين يضفون عليه عاداتهم الخاصة التي تمنحه نكهته المحلية، فما إن يدنو شهر رمضان – بفرادته التي لا يخطئها القلب ولا يلتبس إدراكها على الوجدان- حتى تتقدم نفحاته إلى النفس، حاملة معها معاني الاجتماع الإنساني وسعة المرحمة بين الناس.

وتتكثف الحركة في الأسواق مع حلول شهر رمضان لاسيما أسواق اللحوم والخضروات والتمور؛ حيثُ تنشغل العائلات بإعداد موائدها وتُزين الطرقات بالأهلة والمدافع والأضواء في مبادرات يشترك فيها الأهالي والجهات الرسمية تعبيرا عن الفرح.

هذا التقرير يأخذ القارئ في رحلة لعدد من المدن الليبية، لاستكشاف الأجواء الرمضانية وخصوصيتها في كل مدينة، و تميز كل مكان عن آخر بتفاصيله الصغيرة، لتنسج هذه الاختلافات لوحة متكاملة تعكس الهوية الرمضانية في ليبيا بأبعادها الاجتماعية والروحية والثقافية.

رمضان طرابلس

تقول ربيعة أبو رأص من مدينة طرابلس (52 عاما) للجزيرة نت، إن رمضان يطل في طرابلس بطابع أندلسي صوفي، إذ يجتمع الطرابلسية بتنوع أصولهم وخلفياتهم كل عام في هذا المدار الرمضاني كما لو أنهم عائدون من تشتت طويل؛ لترميم ما تصدع من الروح، حسب تعبيرها.

وتسرد أبو رأص التجهيزات الطرابلسية التي تسبق رمضان بدءا من أول سحور، إذ تبدأ العبادات من عتبات البيوت وتوزع الحلويات التقليدية مثل الحلقوم على الصغار والكبار وترصّ البقلاوة والعبمبر والروزاطا (وهو شراب يُحضّر من منقوع اللوز أو الشعير وينكه بماء الزهر والسكر) على موائد الضيوف، ويُرش ماء الزهر على الأيدي والوجوه في تقليدٍ يوحي بالتطهر من عناء العام، قبل أن تتجه القلوب في سكينة إلى جامع مولاي محمد لتأدية صلاة التراويح.

أما نهار رمضان فتعج فيه الأسواق بالحركة وتفوح منها الروائح الزكية، ويقود المزاج الطرابلسي زواره نحو مطاحن البن استعدادا لسهرات طويلة.

إعلان

ومع حلول الليل، أي بعد الصلاة التراويح، تستعيد المدينة القديمة وميدان الشهدان بريقهما وحيويتهما حيثُ تختلط روائح المسك والجاوي واللبان، وتلتف اللّمات حول الشاي بالشكشوكة (الرغوة الناتجة عن خلط الشاي الأخضر) واللوز المحمص والكاكاوية (الفول السوادني).

جامع مصعب بن عمير بمنطقة الرحبة في بنغازي بليبيا (الجزيرة)
رمضان بنغازي

لا يختلف الطابع الرمضاني في طرابلس عن بنغازي، إذ أكد عوض البرغثي من بنغازي (34 عاما) للجزيرة نت أن الأوضاع الاقتصادية لم تنل من استعداد الأهالي لاستقبال الشهر الفضيل، على الرغم من الغلاء المعيشي اللافت الذي شهدته ليبيا هذا العام وما صاحبهُ من شُحّ في الوقود والغاز واختلال في السيولة النقدية.

ويعتبر البرغثي أنَ اللمة هي الركن الأوثق في مدينة بنغازي وتبلغ ذروتها في منطقة سوق الحوت بوسط المدينة، وهي منطقة عرفت ويلات الحرب لكنها حافظت على روحها الاجتماعية، فهناك ينتصب سوق شعبي بمحاذاة البحر يعرض فيه الباعة مأكولاتٍ منزلية وأشغال يدوية صنعتها الأيدي في البيوت في مشهد يجسد تكامل الأدوار داخل الأسرة الواحدة، فالأم تُعدّ والأخت تحضرّ والأبناء يتولون البيعة في صورةٍ صريحة من صور التكافل وكسب الرزق الشريف.

ولا ينظر أهل بنغازي لسوق الحوت على أنه مركزٌ للبيع فحسب وإنما يقصده من شغلته الحياة ليجد فيه وجوها مألوفة وأحاديث تمتد إلى زمن أقدم، وهنا يبررُ حضور كبار السن ممن عايشوا السوق في عقوده الأولى فتستعاد الحكايات وتُستحضر أسماء غابت في أحاديث يغلب عليها طابع الاستذكار والتأمل. ويزيد من خصوصية المكان إطلالته على كورنيش مدينة بنغازي الذي غدا بعد صيانته متنفسا للعائلات.

بيع العصائر في سوق الحوت الشعبي وسط بنغازي (الجزيرة)
رمضان درنة

أما في درنة، فتستعيد محبوبة خليفة في حديثها للجزيرة نت، من طفولتها صوت "الناعورة" وهي تسمية محلية درج أهل درنة على استخدامها، وتعني صفارة إنذار، وتعود إلى مخلفات الحرب العالمية الثانية واستعملت آنذاك للتحذير من الغارات الجوية، ومع انقضاء زمن الحرب اُعيد توظيفها للإعلان عن قدوم شهر رمضان ثم للتنبيه إلى موعد الإفطار، قبل أن يُستعاض عنها لاحقا بمدفع رمضان، بحسب حديثها.

ولدرنة طريقة خاصة في تتبيل وتنكيه جميع المأكولات، مثل الشربة الدرناوية والشاي المنكه بالورد الطبيعي وبالتفاح.

كورنيش مدينة بنغازي ليلا (الجزيرة)
رمضان الجبل الغربي

ويمتاز رمضان في مدن الجبل الغربي وأريافه بتقاليده الدينية واللقاءات الجماعية، وتضم السفرة الرمضانية في مدن الجبل الغربي مثل غريان ويفرن والزاوية الجبلية وجبات كالبازين المصنوع من دقيق الشعير بمرق اللحم والفتات، والشربة الليبية.

ويختلف مذاق  كل وجبة نكهاتها من مدينة لأخرى، بالإضافة إلى خبز التنور الذي يعد أحد أعمدة المائدة الرمضانية لمدن الجبل ويخبز في أفرانٍ من الطين التقليدية (وهو ما يطلق عليه اسم التنور) وتعجن العجينة من دقيق القمح المحلي وتترك لتتخمر قليلا ثم تخبز على حرارة عالية داخل التنور.

ويقول عماد أفنيك من الزنتان – الجبل الغربي (40 عاما) للجزيرة نت إن ما يميز رمضان في مدن الجبل هو التعايش السلمي الذي يجمع العرب والأمازيغ، فعلى سبيل المثال تتمسك العائلات العربية بأصالة مائدتها التي تتربع عليها الشربة الليبية والبازين ويتجمع أفراد الأسرة الواحدة حول (القَصْعَة – أي الإناء الكبير المستدير المستخدم لوضع الطعام المشترك).

إعلان

في حين يضيف المكون الأمازيغي نكهته الخاصة بطقوسه العريقة فتبزر أطباق مثل "تاميلت" وخبز "تادغارت" المطهو بعناية، كما تشتهر العائلات الأمازيغية ببدء فطورها بالتمر واللبن وزيت الزيتون الأصلي الذي يشتهر به الجبل الغربي، وفق أفنيك.

حتى أنَ هذه المدن لازالت تحافظ على إعداد وجبات الإفطار بكميات كبيرة تشارك فيها الأسر والجيران ويتناولون الإفطار معا ضمن تجمعات تعكس التكافل والحفاظ على الإرث الغذائي لمدن الجبل.

موائد الرحمن في منطقة الصابري ببنغازي (الجزيرة)
المائدة الليبية

وبلا شك، فإن المأكولات الرمضانية في ليبيا هي ما تمنح الشهر خصوصيته. ومن أبزر الماكولات التي تميز المائدة الليبية:

  • الشَرّبَة الليبية: وهي حساء يعد من مرق اللحم مع الخضروات والتوابل، ويُضاف إليها لسان العصفور وتنكه بالكسبر والنعناع المجفف، تقدم مع الخبز الساخن وهي أساسية على المائدة.
  • المْبطَنّ: وهو عبارة عن بطاطا محشوة بخليط من اللحم والمفروم والأعشاب والتوابل وتغلف بالدقيق ثم البيض، وتقلى حتى يكتسي لونها باللون الذهبي المقرمش، بالإضافة إلى البوراك والكسكسي والبازين وغيرها الكثير.

وبالتأكيد، تكون الحلويات التقليدية حاضرة مثل الزلابية والدبلة والمقروض ولقمة القاضي، وتتوج هذه المائدة  بمشروبات تقليدية مثل الروزاطا والحليب بالتمر مع البسيسة.

أما في فترة السحور، فتتربع العصيدة المغمورة بزيت الزيتون والعسل على المائدة، لتهيئ الجسد لصبر صيام طويل.

سوق الجريد في مدينة بنغازي (الجزيرة)
تكافل اجتماعي

بلا شك، فإن اللمة العائلية هي أبرز ما يميز الشهر الفضيل الذي تُستعاد فيه صلات القربى وترمم ما أضعفته مشاغل العام، إذ يتجاور الأجيال حول مائدة الإفطار أو السحور لتبادل الحكايات والذكريات، عدا مظاهر التكافل الاجتماعي وما يرافقها من تبادلٍ لصحون الأكل بين الجيران، وهي ما يُطلق عليها (الذوقة)، مرورا بموائد الرحمن والإفطارات الجماعية، وصولا إلى مبادرات الكشافة والشباب في توزيع الماء والتمر على المارة قبيل الأذان.

أنشطة رياضية

وتمتاز الأجواء الرمضانية بالإيقاع الرياضي والنشاطات البدنية، فتكثر دوريات كرة القدم بين الأحياء، ورياضات الجري قبيل المغيب.

أما على امتداد كورنيش الصابري بمدينة بنغازي، فتظهر أنشطة مختلفة تستقطب هواة سباقات السيارات على الرمال إلى جانب كرة القدم الشاطئية، وخلال العامين الأخيرين برزت في مدينة بنغازي مسابقات الكارتينغ وسباقات الدرفت، فيما تمضي ليالي رمضان حافلة بمحاضرات وملتقيات ثقافية وفعاليات دينية تقام عقب صلاة التراويح.

جميع التفاصيل الصغيرة المذكورة هي ما يمنح رمضان النكهة والهُوية الليبية التي تمارس في البيوت والأسواق والشوارع في مشهدٍ يلتقي فيه الدين بالعُرف والروح بالعادات.. والإنسان بالإنسان.



إقرأ المزيد