من مضيق هرمز إلى بروكسل.. هل تتجاوز ارتدادات الحرب الجغرافيا؟
الجزيرة.نت -

باريس- في ظل التطورات الأخيرة، لم تعد الحرب ضد إيران حدثا بعيدا يُقاس بأصدائه داخل الشرق الأوسط فقط. فحين تُضرب دولة بحجمها وتقع ضربات متبادلة بين أطراف عدة، تصبح أوروبا جزءا من ساحة التأثير، حتى لو بقيت خارج رادار الضربات المباشرة.

ومنذ اندلاع الشرارة الأولى، كشف الواقع هذا الانتقال من الحرب الإقليمية إلى القلق الأوروبي. ففرنسا رفعت منسوب التأهب الداخلي. وفي بروكسل، خرج الاتحاد الأوروبي ببيان جماعي يدعو إلى أقصى درجات ضبط النفس، محذرا من آثار اقتصادية غير متوقعة قد تضع مضيق هرمز في قلب المخاوف المتعلقة بخطوط الإمداد.

ومن المضيق إلى بروكسل، ما يتغير ليس الجغرافيا، بل معنى الجبهة. فالحرب ضد طهران دفعت أوروبا إلى إعادة ترتيب أولوياتها على عجل، من تأهب أمني إلى موقف سياسي يدعو إلى التفاوض، وصولا إلى استنفار صامت في مواجهة حرب هجينة تخلط أوراق الدبلوماسية والأمن والطاقة.

الأمن أولا

يقوم المنطق الأمني الأوروبي في مثل هذه الأزمات على قاعدة بسيطة، حتى وإن لم تكن أوروبا طرفا مباشرا في الحرب، فقد تتحول إلى ساحة رسائل أو آلية ضغط عبر أنماط تهديد رمادية، مثل عمليات التحريض أو الاعتداءات الفردية، أو التخريب المحدود.

في فرنسا مثلا، جاء التأهب الأمني الداخلي اليوم الاثنين ضمن توجيهات واضحة للأجهزة لرصد أي أفعال قد تخلّ بالنظام العام، مع الأخذ بعين الاعتبار احتمالات التظاهرات وحماية مواقع دبلوماسية. ورغم أن هذه الإجراءات لا تعني بالضرورة وجود تهديد مؤكد أو وشيك، إلا أنها تعكس تقديرا مسبقا بأن التصعيد العسكري يرفع احتمال المخاطر.

ويستبعد إيمانويل ديبوي، رئيس مركز الاستشراف والأمن في أوروبا، وجود خطر على القارة الأوروبية أو استهداف مباشر لسكانها حاليا، مؤكدا في الوقت ذاته أن هناك حالة من اليقظة حتى قبل اندلاع الصراع.

إعلان

وفي حديثه للجزيرة نت، أشار إلى تصريح سابق لرئيسة جهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية، بليز ميتروويلي، أكدت فيه "إحباط نحو 20 محاولة هجوم أو أعمال مزعزعة للاستقرار من جانب حزب الله أو إيران على الأراضي البريطانية".

ولعل حساسية المعادلة الأوروبية تزداد لأن الحرب ضد طهران، تاريخيا، تُقرأ أمنيا عبر 3 دوائر، وفق تصنيف أجهزة الأمن الأوروبية:

  • دائرة الذئاب المنفردة: أو الفعل المتأثر بالتحريض، حيث يصبح المناخ العام عامل تسريع أكثر منه مسببا مباشرا.
  • دائرة الاستهداف الرمزي: فعاليات عامة أو مواقع مرتبطة بحلفاء أو خصوم.
  • دائرة التهديدات الهجينة: تعطيل محدود، أو تأثير معلوماتي، أو تخريب يترك أثرا سياسيا أكبر من حجمه المادي.

وفي لحظات الانفجار الإقليمي، تتحول البعثات الدبلوماسية، مثل القنصليات والسفارات والمراكز الثقافية، إلى نقاط اختبار للأمن والسياسة على حد سواء، باعتبارها رموزا سيادية وأحيانا أهدافا ناعمة يمكن استغلالها في عمليات الضغط أو التظاهرات التي قد تؤدي إلى حالة من الفوضى والتخريب.

وفي سياق رفع التأهب، وضعت فرنسا حماية المواقع الدبلوماسية ضمن دائرة الانتباه المباشر. وفي العاصمة باريس، تظاهر آلاف الإيرانيين، أمس الأحد، "احتفالا بالغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على إيران"، مطالبين بتغيير النظام.

دبلوماسية الطوارئ

في موازاة ذلك، دخلت العواصم الأوروبية في ما يمكن وصفه بـ"دبلوماسية الطوارئ". ففي بروكسل، عُقدت اجتماعات عاجلة على مستوى وزراء الخارجية لبحث تداعيات التصعيد وسبل احتواء اتساع رقعة المواجهة، مع تركيز خاص على أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة وحماية البعثات الأوروبية في المنطقة.

ويعتقد إيمانويل ديبوي أن أوروبا متيقظة وقلقة وتشعر بالاستياء أيضا لعدم إشراكها مسبقا بتفاصيل الضربات، كما هو الحال مع فرنسا، على عكس المملكة المتحدة.

وبرأيه، فإن "افتقار طهران للوسائل والقدرات التي تدّعي امتلاكها، يدل على هشاشتها أو توترها الشديد"، مبررا ذلك بالقول "قام الإسرائيليون بشكل منهجي قبل الضربات الحالية بتقويض القيادة الإيرانية وتخريبها والتسلل إليها، فضلا عن حملة الاغتيالات الضخمة الجارية، حيث قُتل 48 من القادة العسكريين والسياسيين والأمنيين".

وأضاف "هذا يعني أن الإيرانيين يواجهون وسيواجهون صعوبة بالغة في تنسيق تحركاتهم في عدد من الدول الأوروبية، ما قد يفسر تركيزهم أو ضغطهم منذ البداية على الدول العربية، لا على أوروبا التي لا تزال هامشية في هذا الوضع".

ولا يجد سببا لتدخل الأوروبيين في الحرب لأنهم يريدون في المقام الأول حماية قواعدهم العسكرية وأفرادهم، ولأن الأمريكيين ليسوا بحاجة إليهم بقدر حاجتهم إلى إسرائيل وشركائهم العرب، ولا يستبعد في الوقت ذاته تدخل البريطانيين إذا ما انجروا ـمجازاـ إلى الحرب.

وقد وقعت حادثة مماثلة مع جنود إيطاليين متمركزين في قاعدة المنامة بالبحرين، فضلا عن تعرض جنود فرنسيين أمريكيين للخطر في قاعدة الظفرة الجوية في أبو ظبي. واعتبر ديبوي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ليس لديه أي رغبة في تدخل الأوروبيين لأنه يعلم جيدا حجم انقسامهم حول هذه القضية، بما في ذلك رفض إسبانيا لتدخل واشنطن وتفضيل فرنسا العودة إلى حالة التفاوض بدل المواجهة.

كابوس الطاقة

وإذا كانت أوروبا تخشى الهجوم غير التقليدي على أراضيها، فالواقع أن كابوسها قد لا يأتي على هيئة انفجار، بل على هيئة فاتورة ثقيلة على الطاقة والتأمين التي تزيد من التكلفة.

إعلان

ووفق مراسلات داخل المفوضية الأوروبية، قالت فيها إنها لا تتوقع تهديدا فوريا لأمن إمدادات النفط في الاتحاد، لكنها أقرّت بأن اضطراب الشحن عبر مضيق هرمز رفع الأسعار، مع تواصل التقييمات وإمكانية تفعيل آليات تنسيق أوروبية.

وعند سؤاله عن مدى استعداد الأسواق الأوروبية لمواجهة صدمات أمنية، أكد إيمانويل ديبوي أن التأثير على القارة سيكون ضئيلا للغاية، وسيقتصر على سعر النفط والبرميل.

وأوضح "لا تكمن المشكلة في القضية الإيرانية بحد ذاتها، بل في حصار قناة السويس ومضيق باب المندب ومضيق هرمز، ومن الممكن حلّها إذا جرت مشاورات على مستوى منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، كما حدث في اجتماع أمس الأحد في فيينا حين أدخلوا بعض التعديلات في محاولة لموازنة ارتفاع الأسعار".

وبينما يبلغ سعر البرميل حاليا حوالي 60 دولارا، تشير التقديرات إلى احتمالية ارتفاعه إلى ما بين 70 و75 دولارا، وقد يصل إلى 100 دولار، عند إعادة فتح السوق اليوم الاثنين.

لذا، هناك ارتفاع مفرط في الأسعار، وسيُسهم ضخ 206 ملايين برميل يوميا، وفقا لقرار دول أوبك، ولا سيما بدعم كبير من السعودية والولايات المتحدة، في موازنته إلى حد ما. أما في الأسواق الأوروبية، فسيكون التأثير محدودا لأن إيران ليست عميلة للاتحاد الأوروبي، والعكس صحيح.

ومنذ إعادة فرض العقوبات، تتم إدارة هذه الأمور من خلال حزم العقوبات المختلفة بالنسبة لبعض الدول -خاصة هولندا وإيطاليا- منذ عامي 2016 و2018، مع انتهاء استئناف واشنطن لها، ما جعل أوروبا أقل تأثرا مما يحدث في إيران. غير أن بيانا لوزراء الاتحاد الأوروبي حذّر من أن أي تعطيل في خطوط الإمداد، خصوصا مضيق هرمز، قد يخلف آثارا اقتصادية لا يمكن التنبؤ بها بسهولة.

الظل السيبراني

على الضفة الأخرى من التهديدات، عادة ما يتقدم الفضاء السيبراني بوصفه المسرح الأكثر قابلية للاشتعال دون خطوط تماس. وقد أشارت تقارير متخصصة في أمن المعلومات إلى استعدادات لردود سيبرانية محتملة.

في هذا السياق، لا يعتقد رئيس مركز الاستشراف والأمن في أوروبا أن طهران تريد إطالة أمد الصراع لأنها لم تعد تملك ما يكفي من الصواريخ، خاصة بعد تعطيل إسرائيل وواشنطن لقدرات التوجيه لديها بضرب مواقع الإطلاق ومراكز القيادة، وحجب 96% من الإنترنت في جميع أنحاء البلاد.

وقال ديبوي "سيكون من المعقد شن هجمات سيبرانية عندما يكون أمن نفسك ضحية لهجوم سيبراني، وهذا هو بالضبط مدى فعالية هذه الحرب الهجينة، حيث تمكن الإسرائيليون والأمريكيون من القضاء تماما على قدرات إيران في مجال الهجمات الإلكترونية". وتوقع وقوع هجمات سيبرانية من كوريا الشمالية أو روسيا تضامنا مع طهران.



إقرأ المزيد