الجزيرة.نت - 3/3/2026 11:01:14 AM - GMT (+3 )
أداة غير رسمية تقوم على رصد الارتفاعات المفاجئة في طلبات توصيل الطعام ليلا أو في حركة الزبائن داخل مطاعم البيتزا القريبة من المباني الحكومية الأمريكية الكبرى مثل البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) والبيت الأبيض، لأن ذلك قد يسبق وقوع أزمة عالمية أو عملية عسكرية كبيرة.
يقوم هذا المنطق على أن الأزمات الكبرى تُبقي المسؤولين العسكريين والسياسيين في مقارّهم حتى ساعات متأخرة؛ ومع تعذّر مغادرة المكاتب أو المناطق المؤمّنة، يلجؤون إلى طلب أطعمة سريعة وسهلة المشاركة مثل البيتزا. ومن ثمّ، يُفهم أي ارتفاع غير مألوف في الطلبات أو حركة التوصيل قرب هذه المراكز بوصفه إشارة مفتوحة المصدر ومنخفضة الكلفة على وتيرة عمل عملياتية مرتفعة خلف الأبواب المغلقة.
ولكن يشوب هذه النظرية عدد من أوجه القصور المنهجية، منها غياب قاعدة بيانات كبيرة لمقارنة هذه الطفرات مع غيرها وسهولة التلاعب بها والانتقائية في اختيار الحالات.
نشأة النظرية وتطورهاتعود جذور مؤشر البيتزا إلى حقبة الحرب الباردة (1947-1991)، وتتحدث روايات استخباراتية غير موثقة عن أن عناصر سوفايت في واشنطن كانوا يراقبون طلبات الطعام الليلية والعمل الإضافي لعمّال النظافة في المباني الحكومية الأمريكية لقياس درجة الاستنفار في البيروقراطية الدفاعية، فيما وُصف لاحقا اصطلاحا باسم استخبارات البيتزا (PizzaINT).
واكتسبت الفكرة سندا قصصيا أوضح في ثمانينيات القرن العشرين عبر ملاحظات سائقي توصيل محليين، أبرزهم فرانك ميكس الذي كان يدير فروعا عديدة لدومينوز في منطقة واشنطن وتحدث للصحافة عن طفرات كبيرة في الطلبات الليلية قبيل تدخلات عسكرية أمريكية.
انتقل المفهوم من فولكلور محلي في واشنطن إلى ظاهرة ثقافية أوسع في حرب الخليج عام 1991، حين بدأ ميكس بمشاركة بياناته مع وسائل إعلام كبرى، موضحا أن سائقي التوصيل كانوا أحيانا يعرفون بقدوم أزمة في الثانية صباحا بينما لا تزال غرف الأخبار نائمة.
إعلان
وترسخت الفكرة في الثقافة الصحفية بفضل عبارة مشهورة لمراسل البنتاغون في شبكة سي إن إن آنذاك وولف بليتزر: "دائما راقب البيتزا"، وهي جملة تُستحضَر كثيرا في التغطيات اللاحقة لمؤشر البيتزا.
وكان تتبع مؤشر البيتزا يعتمد على وسائل يدوية مثل مقابلة سائقي التوصيل، وعدّ صناديق البيتزا، والاطلاع على سجلات المطاعم.
ومع انتشار أدوات تتبع المواقع في الوقت الفعلي المعتمدة على إسهامات المستخدمين، تغيرت المنهجية جذريا وتحول المؤشر إلى مثال على أداة استخبارات مفتوحة المصدر تستند إلى بيانات المنصات الرقمية.
فصار المراقب يعتمد على خدمات خرائط غوغل التي توفر مؤشرات أوقات الذروة اعتمادا على بيانات مواقع الهواتف الذكية الموجودة فعليا في المتجر.
وأدّى هذا التحول إلى ظهور لوحات متابعة مخصصة، من أشهرها موقع (pizzint.watch) الذي يعرض رسوما لحركة الإقبال على مطاعم البيتزا قرب البنتاغون ويرصد الانحرافات عن المستويات المعتادة.
كما ظهرت في عامي 2023 و2024 حسابات متخصصة على منصة إكس مثل حساب "بنتاغون بيتزا ريبورت" الذي يستخدم خوارزميات ترسل تنبيهات عند تجاوز حركة الزبائن أو الاهتمام بالبحث عن هذه المطاعم حدودا إحصائية محددة.
وتوسع حضور النظرية إلى حد أن بعض المضاربين، مثل منصة بوليماركت، بدأوا يعتمدون عليها في مضارباتهم، منها الحادثة المشهورة التي ربح فيها مضارِب 80 ألف دولار في يناير/كانون الثاني 2026 بعد أن بنى برمجية ترصد الطلبات الليلية غير المعتادة من فروع دومينوز المحيطة بالبنتاغون، وتوقع عقب ارتفاع مفاجئ في الطلبات بأن أمريكا ستقوم بعملية عسكرية، وكانت في النهاية عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
تستند أوائل النجاحات المنسوبة لمؤشر البيتزا إلى روايات أصحاب فروع مطاعم بيتزا في محيط واشنطن في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين.
وتذكر هذه الروايات أن الطلبات الليلية إلى البنتاغون تضاعفت قبيل غزو غرينادا عام 1983 وعملية بنما عام 1989، وأن وكالة الاستخبارات المركزية سجلت ليلة الأول من أغسطس/آب 1990 رقما قياسيا بلغ 21 طلبية بيتزا قبل ساعات من غزو العراق للكويت، ثم قفز متوسط الطلبات الليلية إلى البنتاغون من 3 إلى أكثر من 100 قبيل عملية عاصفة الصحراء في يناير/كانون الثاني 1991.
كما رُويت لاحقا قصص عن امتلاء غرفة إدارة العمليات في البيت الأبيض بصناديق البيتزا أثناء عملية قتل أسامة بن لادن عام 2011، مع إشارة مسؤولين إلى أنهم تعمدوا توزيع الطلبات على مطاعم متعددة والشراء بالجملة لتخفيف آثار أي إشارة بيتزا يمكن تتبعها.
وفي العصر الرقمي، استُخدم المؤشر بالاعتماد على بيانات حركة الزبائن من خرائط غوغل لرصد أزمات مرتبطة بإيران وإسرائيل، ففي 13 أبريل/نيسان 2024 أظهرت لقطات منشورة على المنصات ارتفاعا غير معتاد في نشاط أحد فروع بابا جونز قرب البنتاغون، بالتزامن مع إطلاق إيران طائرات مسيرة باتجاه إسرائيل، ثم رُصد ارتفاع كبير في نشاط عدة مطاعم بيتزا قرب المجمع العسكري في 12 يونيو/حزيران 2025 قبل نحو ساعة من غارات إسرائيلية على أهداف إيرانية.
إعلان
وتكرر رصد مستويات عالية من الحركة في فرع آخر لبابا جونز قبل نحو ساعة من ضربات أمريكية على منشآت نووية إيرانية في 22 من الشهر نفسه.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، في العملية الأمريكية التي انتهت بالقبض على مادورو، أشارت تقارير إلى أن منافذ بيتزا قرب البنتاغون شهدت ارتفاعا حادا في الساعات التي سبقت الضربات على فنزويلا.
المؤشر بين أدوات الاستخبارات مفتوحة المصدريُعدّ "مؤشّر البيتزا" في مجتمع الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) أداة تعليمية توضيحية لا منتجا استخباراتيا موثوقا، ويُستخدم لإبراز قيمة رصد الإشارات غير التقليدية في السلوك اليومي.
وعمليا، يُراقَب نشاط مطاعم البيتزا قرب المراكز الحساسة عبر خرائط غوغل وتطبيقات التوصيل، مع بناء خط أساس إحصائي صارم واستبعاد العوامل الموسمية أو الطارئة لتجنّب الطفرات الكاذبة.
ومع ذلك، يؤكد المختصون أن المؤشر لا يُعتدّ به دليلا منفردا، بل مؤشرا أوليا يُدمَج ضمن إطار تجميعي أوسع يضم بيانات أكثر موثوقية، مثل حركة الطائرات العسكرية وصور الأقمار الصناعية وإخطارات الملاحة والتصريحات الرسمية.
نفى البنتاغون في أكثر من مناسبة موثوقية مؤشر البيتزا، منوها إلى أن مبنى البنتاغون يضم مزودي طعام داخليين يعملون على مدار الساعة، مما يوفّر للموظفين خيارات واسعة من الأطعمة والمشروبات دون الحاجة لطلبات توصيل خارجية.
وفي تصريح، يجمع بين المزاح والنقد المهم، قال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إنه فكر في طلب كميات كبيرة من البيتزا عبر تطبيقات التوصيل لإرباك المؤشر وإغراق المتابعين ببحر من البيانات غير المفيدة، وهو ما يعرّي قابلية المؤشر للتلاعب والاستخدام في حرب نفسية مضادة.
وفي المقابل شدد هيغسيث ومسؤولون آخرون على أن المؤسسة العسكرية تراقب المؤشرات المفتوحة عن كثب وتعمل على تقليل ما يمكن استنتاجه من تحركاتها الحساسة عبر هذه القنوات، سواء بتنويع مصادر الطعام، أو الاعتماد على مطاعم داخلية تعمل على مدار الساعة.
الانتقادات الرئيسيةومن الانتقادات الموجّهة لـ"مؤشر البيتزا":
- ضعف البيانات والمنهجية
إن استخدام خاصية "أوقات الذروة" و"الانشغال الحي" في خرائط غوغل يقيس وجود الهواتف الذكية داخل المتجر لا عدد الطلبات، ما يجعل أي ازدحام اعتيادي قابلا للتفسير خطأً بوصفه إشارة أزمة.
تعتمد الروايات التاريخية على شهادات شخصية بلا سجلات منشورة أو خطوط أساس موثقة. ومع غياب خط أساس منهجي يصعّب إثبات أن أي ارتفاع كان استثنائيا لا مجرد تذبذب عشوائي.
- المنطق المغلوط
يرى باحثون مثل هومان أن النظرية تعاني من التحيز التأكيدي والخلط بين الارتباط والسببية، إذ يُستشهد بحالات قليلة ناجحة من دون قاعدة بيانات للحالات التي لم يُسفر فيها الازدحام عن أي حدث جيوسياسي.
- دراسة حالة مضادة
أظهر تحليل منشور على منصة ليس رونغ شمل 648 تغريدة لحساب تتبع بيتزا، في سياق القبض على الرئيس الفنزويلي، أن العملية نُفذت عند أدنى مستويات نشاط، بما يناقض الرواية الشائعة عن نجاح المؤشر.
- سهولة التلاعب
يُعد المؤشر مثالا على "قانون غودهارت" فعندما يصبح المؤشر معروفا، يفقد قيمته لأن الفاعلين يستطيعون التلاعب به، سواء عبر تكثيف الطلبات أو تغيير أنماط التوصيل.
- المخاطر الأخلاقية
ينتقد مرادجان إسيلداك توظيف بيانات تجارية مدنية لاستنتاج نشاط عسكري سري، لما يثيره ذلك من إشكالات تتعلق بالخصوصية وحقوق البيانات، وإقحام جهات مدنية في سرديات استخباراتية.
ورغم هذه الانتقادات، تبقى جاذبية المؤشر ثقافيا قائمة لأنه يقدّم سردية مبسطة تقرّب عالم الأمن القومي المعقّد إلى الجمهور، حتى لو كانت قيمته العلمية محدودة.
إعلان
- وجود بدائل أفضل
بدل الاعتماد على ازدحام المطاعم، يفضل بناء حزمة مؤشرات قابلة للاختبار تشمل التحركات الدبلوماسية والعسكرية الملموسة بدل مقاييس ضبابية.
إسرائيل ومؤشر البيتزافي فترات التصعيد مع إيران، تناولت وسائل الإعلام العبرية مؤشر بيتزا البنتاغون بوصفه تقاطعا غريبا بين "ميم إنترنت" (تصميم شائع ساخر) وأداة استخبارات مفتوحة المصدر، مع محاولة موضعته في السياق الإسرائيلي.
وصحف مثل يديعوت أحرونوت تابعت تغطية النقاشات التي تزعم رصد مؤشرات مبكرة على تحركات عسكرية إسرائيلية عبر مراقبة مطاعم البيتزا القريبة من البنتاغون، وربطت بين هذه القراءات وبين احتمالات ضربات إسرائيلية ضد إيران.
تجلى الأثر الأكثر مباشرة للمؤشر في إسرائيل عندما أصدر سلاح الجو الإسرائيلي توجيها داخليا استثنائيا للجنود في مقر الكرياه بتل أبيب، طلب فيه من الجنود التوقف عن طلب الطعام مباشرة إلى القاعدة عبر تطبيقات التوصيل بحسب وثيقة نشرتها صحيفة يديعوت أحرونوت يوم 25 فبراير/شباط 2026، وذلك بدعوى الخشية من استخدام نمط الطلبات على غرار مؤشر بيتزا البنتاغون لرصد تركّز غير معتاد للأفراد داخل المجمع العسكري.
وأسهمت جولات التصعيد بين إسرائيل وإيران عامي 2024 و2025 في نقل مؤشر البيتزا من حكاية محلية في واشنطن إلى صفحة متكررة في نقاشات الاستخبارات مفتوحة المصدر حول العالم.
وربطت تقارير اقتصادية وإعلامية بين طفرات في نشاط مطاعم البيتزا قرب البنتاغون وبين ضربات إسرائيلية لاحقة على أهداف إيرانية، خاصة قبيل غارات يونيو/حزيران 2025 على منشآت نووية في عملية الأسد الصاعد.
وقدّم بعض متابعي "مؤشر البيتزا" هذه الطفرات بوصفها إشارات مبكرة إلى أن واشنطن تستعد أو تمتلك علما مسبقا بتحرّك إسرائيلي.
وفي هذا السياق، عُدَّ توجيه سلاح الجو الإسرائيلي بمنع توصيل الطعام إلى الكرياه دليلا على أن "ميمًا" أمريكيا وُلد في فولكلور واشنطن استطاع، في سنوات قليلة، أن يؤثر فعليا في بروتوكولات الأمن العملياتي لجيش أجنبي، وأن يرسّخ لدى المخططين العسكريين فكرة أن حتى أنماط طلب البيتزا قد تتحول إلى أثر استخباراتي ينبغي التحكّم فيه.
إقرأ المزيد


