الجزيرة.نت - 3/3/2026 12:30:15 PM - GMT (+3 )
سأل المذيع الأمريكي الراحل تيم روسيرت، في برنامجه التلفزيوني الشهير "واجه الصحافة"، الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن سؤالا بسيطا حول حرب العراق، لكن الأخير لم يستوعب مغزاه: هل كانت الحرب على العراق حرب ضرورة أم حربا اختيارية؟
تلعثم بوش في البداية، وبدا كأنه لم يفهم المقصود من السؤال، مما أثار حينها ضجة إعلامية واسعة حول مبررات الحرب ودوافعها.
واليوم يدرك معظم الأمريكيين بعد أكثر من عقدين على غزو العراق -بمن فيهم دونالد ترمب- أن تلك الحرب كانت اختيارية وليست ضرورية تستهدف بشكل مباشر حماية الأمن القومي الأمريكي.
وربما تتشابه الحالتان العراقية والإيرانية في هذا السياق، إذ تبدو الحرب الحالية على إيران وكأنها اختيارية وليست حتمية، وأن الذهاب إلى التصعيد لم يكن قرارا مدفوعا بأي ملابسات موضوعية، وكان بالإمكان تجنبها لو استمرت مفاوضات جادة لإقناع إيران بالتخلي عن برنامجها النووي. نعم، لم تكن الحرب مع إيران ضرورية سيدي الرئيس.
لماذا الندم ينتظر على قارعة الطريق؟
هنالك مقولة قديمة تصف الحرب بأنها تبدو للأطراف المتناحرة في وهلتها الأولى كفتاة رائعة الجمال تسلب قلوب العاشقين لها، ولكن سرعان ما يتغير حالها عندما تكبر -متى ما استمرت الحرب وطال أمدها- لتصبح عجوزا دميمة المنظر ينفر منها الناس ولا تجلب لزائريها سوى الدموع والألم والحسرات.
ولعل هذه المقولة ستنطبق كثيرا على حالة الحرب الحالية ضد إيران حيث يبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس ترمب تسيطر عليهما نشوة النصر في اللحظات الأولى للقصف، لاسيما أن هجومهما على إيران جاء منسقا هذه المرة تنسيقا هائلا، مما يشير إلى أن قرار الحرب اتُخذ عند زيارة نتنياهو الأخيرة للعاصمة الأمريكية واشنطن دي سي، ولقائه الخاص بالرئيس الأمريكي.
استخدمت إدارة الرئيس ترمب مفاوضاتها الأخيرة مع إيران -حول برنامجها النووي- لكسب المزيد من الوقت تحت ذريعة ممارسة الضغوط السياسية على إيران، حتى تكمل حشد قواتها العسكرية في المنطقة دون إثارة مخاوف الإيرانيين حول حتمية الهجوم عليهم، وحتى لا يدفعهم ذلك إلى توجيه ضربات استباقية ضد قواتهم، مما كان سيؤدي إلى تعطيل عملية الإعداد للهجوم العسكري المباغت.
إعلان
فرضية ترمب الأساسية في الحرب
تقوم فرضية ترمب الأساسية في حربه الأخيرة ضد إيران على إستراتيجية واضحة تشمل استهداف القيادات العليا العسكرية والسياسية الإيرانية في الساعات المبكرة للهجوم -على رأسها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي- لإحداث شلل واسع في آلية اتخاذ القرار السياسي والعسكري الإيراني.
وبالتالي تشجيع المتظاهرين الإيرانيين على السيطرة سريعا على مفاصل الدولة -مستغلين حالة التعطل السياسي والعسكري- لتحقيق سيطرة على الأرض، وتغيير النظام السياسي بأيدٍ إيرانية لن تجد لها فرصة ذهبية مواتية أخرى لتغيير النظام مثل هذه في مسيرتها السياسية.
تلك هي الفرضية، أما الحقيقة فقد بدأ ترمب هذه الحرب، ولكنه لن يستطيع حسمها، لأن حسمها يتطلب تدخلا عسكريا على الأرض.
فالحروب غالبا ما تنتهي عسكريا حينما تسيطر القوات البرية على الأرض، وتفرض سيطرة واقعية عليها، وهو أمر مستبعد جدا في هذه الحالة، خاصة بعد الفشل الأمريكي الذريع في كل من أفغانستان، والعراق.
لذلك من غير المرجح أن يرغب ترمب في إرسال قوات أمريكية لغزو إيران، مكتفيا- في الوقت الراهن- بمواصلة الهجمات الجوية على الأهداف الإستراتيجية الإيرانية، مع ترك مسألة تغيير النظام على الأرض للشعب الإيراني، إن شاء فعل وإن شاء أبى.
ولذلك يعول كل من ترمب ونتنياهو على دعوة المتظاهرين الإيرانيين إلى الثورة والسيطرة على المؤسسات الحكومية الإيرانية لإيجاد نظام بديل تدعمه الولايات المتحدة.
ولكن أثبتت الأسابيع الماضية -من خلال قمع القوات الأمنية للمظاهرات العارمة ضد النظام- أن هذا الخيار بعيد المنال وغير واقعي، وأن حدوثه ربما يؤدي إلى حرب أهلية إيرانية لا يستطيع المرء التكهن بتأثيرها في المنطقة والأمن الإقليمي.
تظل هذه الحرب هي معركة النظام الوجودية، ولذلك سيكون على عاتق قادة النظام الإيراني الجدد الاستماتة في الدفاع عن وجودهم رغم فداحة الخسارة الحالية والاختراق الاستخباراتي التكنولوجي والبشري القوي في مفاصل القيادات الإيرانية العليا
خطأ التوقيت الرمضاني
أضف إلى ذلك سوء تقدير ساعة الصفر، فثمة خطأ فادح غير مدرك ثقافيا من قبل الجنرالات، يتعلق باختيار توقيت الحرب في شهر رمضان الكريم.
فالشهر يحمل معاني ودلالات إيمانية عميقة في التاريخ الإسلامي، سيحرص النظام الإيراني على توظيفها للتعبئة والحشد، مما يزيد من الرمزية المعنوية القتالية في إيران.
هذه الحالة المشبعة بالرمزية تضع القادة الإيرانيين الجدد -الذين يحلُون محل المغتالين- في مرمى المسؤولية والاندفاع؛ خشية أن يوصفوا بالجبن والاستسلام، أو القبول بوساطة إقليمية/دولية لإيقاف الحرب، وسياسة الأمر الواقع.
كما أن اختفاء آية الله علي خامنئي عن المشهد السياسي ربما يطيل أمد الحرب أياما أكثر مما يتوقعه الرئيس ترمب. فغياب القيادة المركزية القوية قد يُوظف للإيحاء بعدم وجود سيطرة على مجريات الأمور، وأن بعض الأذرع العسكرية الإيرانية تتصرف من تلقاء نفسها.
ومن جهة الدعاية، لا شك أن اغتيال القادة الإيرانيين بمن فيهم المرشد الأعلى في الضربات الجوية الأولى، يُعد نصرا سياسيا كبيرا للرئيس سيحاول إقناع الرأي العام الأمريكي، من خلال الحديث عنه، بأن حربه ليست مثل الحروب الأمريكية الطويلة الدامية السابقة، ومن خلال تأكيده أنها ضربات خاطفة وجراحة سريعة تستهدف رأس النظام، كما فعل في فنزويلا، والآن في إيران، وربما غدا في كوبا.
إعلان
لكن ترمب أيضا لديه مهمة شاقة في إقناع الرأي العام الأمريكي-المتشكك في جدوى التدخلات الخارجية- بأن هذه الحرب ضرورة أملتها دواعي الأمن القومي الأمريكي.
ولذلك فمن المتوقع أن يفتح الرئيس الأمريكي الباب أمام وساطات إقليمية أو دولية لدول مثل تركيا والخليج؛ لإيقاف الحرب والدفع بإيران لقبول وقف إطلاق النار.
وعليه ستكون الكرة في الأسابيع القادمة في الملعب الإيراني لتحديد مدى إطار الحرب، وربما تتجرع سم القبول بإيقاف النار كما تجرعه قائد الثورة الإيراني الإمام الخميني من قبل، حينما وافق على وقف إطلاق النار في حربه ضد الرئيس العراقي صدام حسين في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.
حرب إيران الوجودية
لقد مر النظام الإيراني بمراحل ومنعطفات خطرة في مسيرته السياسية -منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية في نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي- خسر فيها مئات الآلاف من جنوده خلال حربه الطويلة ضد العراق.
كما واجه النظام منذ ميلاده حصارا اقتصاديا خانقا اشتدت ضراوته في السنوات الأخيرة منذ مجيء الرئيس الأمريكي ترمب للحكم.
ولكن تظل هذه الحرب هي معركة النظام الوجودية، ولذلك سيكون على عاتق قادة النظام الإيراني الجدد الاستماتة في الدفاع عن وجودهم رغم فداحة الخسارة الحالية والاختراق الاستخباراتي التكنولوجي والبشري القوي في مفاصل القيادات الإيرانية العليا.
ستكون متطلبات المرحلة الحالية للقيادات الجديدة- متى ما تولت مقاليد الأمور سريعا- مواجهة المخاطر الوجودية على صعيد الجبهتين؛ الداخلية، والخارجية.
فعلى الصعيد الداخلي، ستسعى هذه القيادة سعيا حثيثا لفرض هيمنتها سريعا على جميع مفاصل الدولة؛ خشية انهيار النظام الداخلي، وكذلك استثمار حادثة اغتيال المرشد الأعلى للنظام آية الله علي خامنئي على أيدي إسرائيل، استثمارا يسهم في رفع الروح المعنوية لأتباعه من خلال استحضار قيم الشهادة في التراث الثقافي الشيعي.
إن سرعة الإعلان عن اغتيال آية الله علي خامنئي- دون اللجوء لمحاولة الإنكار أو إخفاء عملية الاغتيال لفترة من الزمن- تشير إلى الرغبة القوية في استثمار هذه الحادثة للتعبئة العامة خلال فترة الحداد الرسمي الممتدة لأربعين يوما.
وعلى الصعيد الخارجي، فعلى قادة النظام الجدد تحديد إستراتيجية المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وإدراك أن توسيع دائرة الحرب واستهداف جيرانهم العرب- الذين طالما سعوا سعيا حثيثا صادقا في إبعاد شبح الحرب عن إيران والمنطقة- هي إستراتيجية خاطئة ستؤدي إلى فقدان تعاطف الشارع العربي، وربما عجل ذلك بنهاية النظام أسرع مما يتوقعون.
ولذلك ستكون القرارات الإيرانية القادمة مهمة جدا في تحديد إستراتيجيات الرد، وهل تملك إيران حقا القوة العسكرية الهائلة لمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل لفترة زمنية طويلة وإيقاع الخسائر بهما؟ أم إن عليها الإقرار بالهزيمة مبكرا والبحث عن مخرج يحافظ على ما تبقى من بقايا النظام؟
لقد تحلّت الدول الخليجية بالحكمة السياسية العالية في سياسة ضبط النفس، ورفض الانجرار وراء توسيع دائرة الحرب نسبة لرغبتها الصادقة في تجنيب المنطقة ويلات الحروب والحماقات السياسية التي طالما دفع ثمنها شعوب المنطقة تشريدا وقتلا وتدميرا.
على قادة إيران الجدد إدراك أهمية الإبقاء على حسن الجوار العربي قائما لما فيه مصلحتهم الإستراتيجية الكبرى، وبعدهم الأمني القومي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


