الجزيرة.نت - 3/3/2026 12:35:02 PM - GMT (+3 )
Published On 3/3/2026
شارِكْ
لم يعد الصراع بين طهران وتل أبيب مقتصرا على المواجهات بالوكالة أو التهديدات الصاروخية العابرة للحدود، بل انتقل خلال الأعوام من 2024 وحتى مطلع 2026 إلى "الحدود الرقمية" ليصبح جزءا لا يتجزأ من مفهوم الحرب الهجينة الشاملة.
ووفقا لتقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية " سي أس آي أس" (CSIS)، تحولت هذه الفترة إلى ذروة "الاشتباك الرقمي المباشر"، حيث اندمجت الهجمات السيبرانية مع العمليات العسكرية الميدانية بشكل غير مسبوق، مما جعل "البت" و"البايت" أسلحة لا تقل فتكا عن الصواريخ والمسيرات.
استهداف البنية التحتية والحروب النفسيةبدأ عام 2024 بتحول استراتيجي في الهجمات الإيرانية، حيث ركزت المجموعات الموالية لطهران على زعزعة استقرار الحياة اليومية داخل إسرائيل، وكان ذلك عن طريق اختراق "إنترنت الأشياء" (IoT)، حيث وثقت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية "سي آي أس آيه" (CISA) قيام مجموعة "سايبر أفينجرز" (CyberAv3ngers) باختراق أجهزة التحكم المنطقي المبرمج " بي أل سي أس" (PLCs) التابعة لشركة "يونترونيكس" (Unitronics) الإسرائيلية، مما أدى إلى اضطرابات في أنظمة ضخ المياه في عدة مناطق حيث استغل المهاجمون ثغرات في كلمات المرور الافتراضية للوصول إلى واجهات التحكم الحساسة.
كما أشار تقرير "مايكروسوفت ثريت إنتليجنس" (Microsoft Threat Intelligence) إلى نشاط مكثف لمجموعة "كوتن ساندستورم" (Cotton Sandstorm) في اختراق لوحات الإعلانات الذكية وبث رسائل تهديد مصورة، وهي عمليات اعتمدت على اختراق خوادم إدارة المحتوى "سي أم أس" (CMS) لضرب الروح المعنوية للجبهة الداخلية الإسرائيلية.
2025.. "المسح التدميري" والشلل المالييجمع المحللون في شركة "رادوير" (Radware) ومرصد "مانديانت" (Mandiant) على أن عام 2025 كان الأكثر تدميرا، خاصة خلال المواجهة العسكرية في يونيو/حزيران.
فبدأ ذلك العام بهجوم "العصفور المفترس" (Predatory Sparrow)، حيث نفذت هذه المجموعة هجوما "تطهيريا" ضد بنك "سبه" الإيراني، مستخدمة برمجيات من نوع "وايبر" (Wiper) القادرة على مسح البيانات بشكل لا يمكن استرداده. وأدى هذا الهجوم إلى شلل كامل في المعاملات المالية المرتبطة بالقوات المسلحة الإيرانية، مما مثل ضربة قاصمة للعصب الاقتصادي العسكري.
إعلان
فيما كشف تقرير "رادوير" (Radware) لعام 2026 أن إسرائيل استحوذت في عام 2025 على 12.2% من إجمالي الهجمات السيبرانية ذات الدوافع السياسية في العالم، حيث تعرضت لأكثر من 1800 هجومِ حجب خدمة " دي دي أو أس" (DDoS) فريد استهدف تعطيل الخدمات الحكومية والطبية أثناء فترات التوتر الأمني.
مع دخول عام 2026، انتقل الصراع إلى مرحلة "الذكاء الجراحي" السيبراني، تزامنا مع عمليات عسكرية كبرى، فبحسب تقارير "شيرتوف غروب" (The Chertoff Group)، فإن عملية "إيبيك فيوري" (Epic Fury) التي سبقت الضربات الجوية في فبراير/شباط الماضي شكلت موجة من الهجمات السيبرانية الاستباقية التي شلت رادارات الدفاع الجوي الإيراني، مما أثبت فاعلية "التمهيد السيبراني" في الحروب الحديثة.
إضافة لذلك كشفت شركة "سنتينل وان" (SentinelOne) في فبراير/شباط الماضي عن استخدام مجموعة "مودي ووتر" (MuddyWater) الإيرانية لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتطوير حملات "تصيد احتيالي" (Spear-Phishing) بالغة الدقة، استهدفت اختراق الحسابات الشخصية لمسؤولين وأكاديميين إسرائيليين لجمع معلومات استخباراتية حساسة.
كما وثق مرصد "نت بلوكس" (NetBlocks) في مارس/آذار الحالي وصول نسبة الاتصال بالإنترنت في إيران إلى 1% فقط، نتيجة هجمات استهدفت بوابات النفاذ الدولية، مما عزز العزلة الرقمية لطهران.
ويذلك، يمكن القول أن الفترة الممتدة بين 2024 و2026 لم تكن مجرد جولة أخرى من الصراع، بل كانت الإعلان الرسمي عن ميلاد عصر "الحروب السيبرانية المتكاملة"، فلقد أثبتت أحداث هذه الأعوام أن السيادة الوطنية في القرن 21 لم تعد تحرس بالدبابات والطائرات فحسب، بل تبنى خلف جدران حماية برمجية معقدة.
فبينما سعت إيران لإنهاك الخصم عبر "الكم الرقمي" والحروب النفسية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، ردت إسرائيل باستراتيجية "الضربات الجراحية" التي استهدفت شل المفاصل الحيوية للدولة الإيرانية.
إن هذا الصراع المحموم يضع العالم أمام حقيقة جديدة، وهي أن الحدود الرقمية باتت أكثر نفاذية وأشد خطورة من الحدود الجغرافية، ومع تحول الفضاء السيبراني إلى ساحة مفتوحة لاستعراض القوة الاستراتيجية، يبقى السؤال القائم لعام 2026 وما بعده، هل ستنجح تكنولوجيا "الردع الرقمي" في كبح جماح المواجهة العسكرية الشاملة، أم أن الانفجار القادم سيكون شرارته مجرد سطر برمجي خبيث ينهي قواعد اللعبة التقليدية للأبد؟
إقرأ المزيد


