الجزيرة.نت - 3/3/2026 1:33:05 PM - GMT (+3 )
في عالم يتسم بسرعة انتقال الأفكار والمعلومات، لم تعد مقاطع الفيديو القصيرة "ريلز" على وسائل التواصل الاجتماعي، مجرد وسائل ترفيه، بل أصبحت محركات قوية تشكل سلوكيات وتفاعلات ملايين المراهقين.
فبعد انتقال العدوى الرقمية من الشاشة إلى الواقع، وجدت شرطة لندن نفسها في حالة تأهب بعد رواج منشورات على مواقع التواصل تدعو إلى ما سُمي بـ"حروب المدارس" (School Wars) بين طلاب من أحياء مختلفة في العاصمة البريطانية.
"الترند" الذي بدأ تحت عنوان "كرويدون وار" (Croydon War) سرعان ما تطور إلى موجة أوسع عرفت باسم "الأحمر ضد الأزرق" (Red vs Blue).
دعوات رقمية لمواجهات جماعيةظهرت أولى المنشورات تقريبا في 11 فبراير/شباط قبيل عطلة نصف الفصل الدراسي، وحملت دعوات مباشرة لطلاب من الصف السابع حتى الحادي عشر، للانخراط في "جولات" من الاشتباكات الجماعية تمتد لأسبوع، مع تواريخ محددة للعراك في الفترة من 27 فبراير/شباط حتى 6 مارس/آذار.
اللافت أن هذه الدعوات لم تكتف بالتحريض اللفظي، بل تضمنت إرشادات بحمل أدوات مدرسية مثل البرجل والمقصات والمشط المعدني والمسطرة.
واستلهمت بعض الملصقات الرقمية رموزها من عصابات لوس أنجلوس الشهيرة، فظهرت أقنعة حمراء وزرقاء، في محاكاة بصرية تعزز فكرة الانقسام إلى فريقين متصارعين، بحسب ما نشره موقع "ساوث لندن" الإخباري. وسرعان ما انتشرت هذه المواد عبر منصات تيك توك وسناب شات وإنستغرام.
وجرى تداول قوائم بأسماء مدارس مصنفة ضمن "الفريق الأحمر" أو "الفريق الأزرق"، في مشهد أقرب إلى لعبة إلكترونية منه إلى واقع تعليمي.
من "كرويدون" إلى لندن بأكملهاونشر موقع "الإندبندنت" أن الفكرة تبدو في ظاهرها نوعا من "التحدي الترفيهي" عبر تقسيم المدارس إلى مجموعتين متنافستين، لكن التفاصيل المثيرة للقلق ظهرت سريعا، إذ تضمنت الفيديوهات تعليمات غريبة تشبه ألعاب الفيديو، مثل ربح "نقاط" عندما يتمكن الطالب من توثيق ضرب أو مواجهة طالب آخر من المدرسة المنافسة، وإرسال مقطع الفيديو الذي يظهر ذلك ومشاركته على مواقع التواصل الاجتماعي.
إعلان
وما بدأ في مدينة "كرويدون" لم يبق محليا، ففي خلال أيام انتشرت النسخ المشابهة في أحياء عدة من لندن، منها هاكني وإزلنغتون وكامدن وريدبريدج ونيوهام وهارو وإيلينغ ومدن أخرى.
كيف يصنع الخوف من العزلة أبطالا؟قد يتساءل البعض "لماذا ينساق طلاب المدارس وراء فكرة تبدو غير عملية، بل وخطيرة؟". الجواب يكمن في ضغط الأقران، ذلك العامل النفسي الذي لا يمكن تجاهله في بيئة المراهقين.
وفق ما نشره موقع "بب ميد" (PubMed) الطبي، فإن الدراسات النفسية التي تبحث في قرارات المراهق تشير إلى أن وجود الأقران معه، يمكن أن يزيد من ميوله لاتخاذ سلوكيات أكثر خطورة مقارنة بسلوكياته عندما يكون بمفرده، مما يوضح كيف يمكن لضغط المجموعة أن يدفع المراهقين للمخاطرة من أجل القبول الاجتماعي أو تجنب العزلة.
وحتى الطلاب الذين لا يودون المشاركة في مواجهات فعلية قد يشعرون بأنهم ملزمون بالانخراط في المحادثات أو مشاركة المحتوى فقط للحفاظ على صورتهم الاجتماعية، مما يزيد من انتشار الترند ويمنحه "شرعية" أكبر بين صفوف الطلاب.
رسائل طمأنة وتحذيروسرعان ما تحركت إدارات المدارس على مستوى لندن، ففي أكاديمية "هاريس" في مدينة بيكنهام أرسلت نائبة المدير جيما غولدز رسالة إلى أولياء الأمور تحذر من خطورة ما يتداول على الإنترنت تحت مسمى "حرب كرويدون".
وأكدت أن الرسائل تحرض على العنف وتشكل خطرا حقيقيا على سلامة الطلاب، كما شددت على أن إعادة نشر هذه الرسائل قد تعد تحريضا قانونيا، بحسب ما جاء في موقع "ذا ستاندرد" الإخباري.
من جهتها، أكدت نائبة مدير مدرسة "لانغلي بارك" للبنين والتي تقع في نفس المدينة، سوزان مونداي، في رسالة مماثلة، أن المدرسة لا ترغب في تضخيم الأمر لكنها ملتزمة بإبقاء الأسر على اطلاع بأي قضايا تتعلق بسلامة الطلاب.
وأوضحت أنه لا توجد أدلة على أن الدعوات انطلقت من مجتمع المدرسة، ولا معلومات موثوقة عن نشاط محدد يخص طلابها، إلا أن الإدارة تتعامل مع الأمر بجدية كاملة.
وكإجراء احترازي، عززت المدارس الوجود الإداري في أوقات الدخول والخروج للطلاب، وذكّرت الطلاب بسياسات السلوك والاستخدام المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي، مع تأكيد أن أي تصرف يشجع المواجهة أو يسيء لسمعة المدرسة، سيعالج وفق اللوائح التأديبية.
كما أعلنت شرطة العاصمة البريطانية أنها تراقب عن كثب النشاط المرتبط بالترند المنتشر على الإنترنت، وتنسق مع المدارس في عدة أحياء لتقديم الطمأنة والدعم.
وصرح متحدث باسم شرطة العاصمة البريطانية لصحيفة "ديلي ميل"، أن الشرطة على علم بالمنشورات المتداولة عبر المنصات، وأنها على تواصل وثيق مع المدارس في عدد من أحياء لندن بهدف طمأنة الطلاب وأسرهم.
وأكد أن عناصر الشرطة سيكونون حاضرين بشكل واضح في محيط المدارس المذكورة، خصوصا في أوقات الحضور والانصراف، مشددا على أن أي بلاغات تتعلق بأعمال عنف أو اضطرابات ستقابل بإجراءات حازمة.
وفي السياق ذاته، أفادت تقارير بأن تيك توك حذفت المنشورات المعنية بعد أن أبلغتها الشرطة، وذلك لمخالفتها إرشادات المجتمع الخاصة بالمنصة. كما لجأ أولياء الأمور إلى موقع فيسبوك لتحذير الآخرين من هذه المنشورات، عبر مجموعات المجتمع المحلي الخاصة بهم.
إعلان
رغم الضجة الواسعة، تؤكد الشرطة البريطانية أنه لا توجد حتى الآن أدلة على تنظيم أحداث كبيرة فعلية وفق ما روج له عبر الإنترنت، إلا أن السلطات تتعامل مع المسألة باعتبارها خطرا حقيقيا، لأن الشائعات في العصر الرقمي قادرة على خلق واقع مواز يدفع بعض الشباب إلى التصرف بناء على توقعات أو مخاوف.
القلق لا ينبع فقط من احتمال وقوع اشتباكات، بل من ثقافة "التصوير والنشر" التي تحيط بهذه الدعوات، إذ يشجع بعض المنشورات الطلاب على تصوير المواجهات، وهو ما يحول العنف إلى محتوى قابل للمشاركة والحصد السريع للمشاهدات.
في النهاية، الرسالة التي تكررت على لسان الشرطة والمدارس والمجالس المحلية واحدة: "لا تشارك، لا تنشر، لا تحضر".
إقرأ المزيد


