الجزيرة.نت - 3/5/2026 2:27:20 AM - GMT (+3 )
تستعرض أطراف هذا الصراع الثلاثة- الولايات المتحدة وذراعها الاستعمارية إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى- قوى تدميرية هائلة في مواجهة بعضها البعض؛ بيد أن الحقيقة الجلية تؤكد أنها جميعا أوهن بكثير مما تبدو عليه.
إذ تعاني الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترمب من انقسام سحيق وتشرذم بادٍ للعيان؛ حيث يسعى وكلاء إسرائيل جاهدين لتغليب مصالح المستعمرة الاستيطانية، بينما تنبري منصات دعائية، كـ"نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال"، لرسم صورة زائفة لجبهة موحدة، وتضليل الرأي العام لدفع البلاد نحو أتون حرب مع إيران نيابة عن إسرائيل.
بيد أنه كلما أمعنت هذه الأطراف في تزييف الواقع، تهافتت حججها وتآكلت مصداقيتها؛ فاستطلاعات الرأي المتواترة لا تفتأ تؤكد أن السواد الأعظم من الأمريكيين يأبون الانخراط في هذه الحرب.
والأدهى من ذلك، أن قاعدة "ماغا" (لنجعل أمريكا عظيمة مجددا) المؤيدة للرئيس ترمب قد بدأت تفقد تماسكها وتتجه نحو التفكك؛ كما أن تصاعد سطوة أصوات مثل تاكر كارلسون، ومارغوري تايلور غرين، ونيك فوينتس، وكانداس أوين، بما يحشدونه من جماهير غفيرة، يكشف أن شعار "أمريكا أولا" قد استحال الآن إلى شعار "إسرائيل أولا"، وذلك على حساب المصالح الوطنية الأمريكية العليا.
إن هذا الانقسام الماثل سيكبد الجمهوريين وترمب أثمانا باهظة في الانتخابات النصفية المقبلة.
أما هشاشة إسرائيل، فلا تقل جلاء ووضوحا؛ فبالرغم من امتلاكها آلة دعائية ضخمة على ضفتي الأطلسي لترويج صورة القوة والمنعة والقدرة على الصمود، فإن الهجرة العكسية المتفاقمة، وتزايد أعداد الإسرائيليين الذين يغادرون المستعمرة الاستيطانية، يظلان حقيقة دامغة وسياقا مستمرا لا ينقطع.
"لقد قامت إسرائيل في جوهر تكوينها وطبيعة نشأتها على كونها مستعمرة استيطانية، ترتهن ارتهانا كليا لرعاتها الأوروبيين والأمريكيين؛ بيد أن حرب الإبادة الجماعية التي شنتها في غزة، وحروبها المتواترة في لبنان، وسوريا، واليمن وصولا إلى إيران، قد استهلكت كينونتها وحولتها إلى "ثكنة عسكرية" محضة، يستوي فيها الترهيب والحروب الشاملة والاغتيالات الممنهجة ومساعي تقويض الأنظمة كأركان وجودية لا ينفك عنها بقاؤها.
إعلان
وإذا كان لا شيء استطاع كسر شوكة الصهيونية قديما، فإن الصهيونية اليوم هي من ألحقت الهزيمة بذاتها.
وعلى ضفة أخرى، تشهد القارتان الأوروبية والأمريكية تحولا جذريا في عقيدة دعم إسرائيل وحمايتها؛ فقد استنفدت الصهيونية كمشروع استعماري كافة ركائزها البنيوية في تلك الدول.
وتأتي هذه الحرب المسعورة ضد إيران لتكون القشة التي قصمت ظهر البعير؛ إذ يدرك الصهاينة أن دونالد ترمب يمثل فرصتهم الأخيرة واليتيمة لبلوغ غايتهم بعيدة المدى في فرض "سلام مهين" يكرس هيمنتهم المطلقة على المنطقة.
بيد أن مساعيهم تلك مآلها الخيبة المحققة؛ فقد غدت حركة التحرير الوطني الفلسطيني اليوم أشد مراسا وأصلب عودا من أي وقت مضى.
وتبدو إيران على القدر ذاته من الهشاشة بفعل كوامن الشرعية الداخلية؛ إذ أخفق النظام الحاكم على مدار عقود في استيعاب الأطياف الواسعة من المجتمع المدني الحيوي ضمن مؤسسات الدولة.
إن ما يترنح اليوم على محك هذه المواجهة هو مستقبل المنطقة برمتها، من ضفاف البحر الأبيض المتوسط وصولا إلى شبه القارة الهندية؛ إذ لن تكتفي إسرائيل بتقويض أركان إيران وتفتيتها، بل باتت أطماعها تضع تركيا، وباكستان في دائرة استهدافها
وقد تعرضت قوى المعارضة المشروعة وأجنداتها الإصلاحية للتشويه والقمع الممنهج، لدرجة مكنت "البهلوية"- المسنودة صهيونيا والمفتقرة لأي قاعدة شعبية حقيقية في الداخل- من اكتساب زخم لافت على منصات التواصل الاجتماعي.
بيد أن ضجيج "البهلوية" ليس سوى فقاعة جوفاء، ولن يبلغوا سدة الحكم أبدا؛ إذ ثمة قوى معارضة أصيلة ومستحقة داخل إيران.
وسيظل خزي الرقص على قبور الأطفال الأبرياء، الذين فتكت بهم الآلة العسكرية الإسرائيلية والأمريكية في إيران، وصمة تطاردهم وتتعقب تلك الزمرة من المثقفين المتواطئين الذين هرعوا للارتماء في أحضان رضا بهلوي.
يملك النظام الحاكم في إيران القدرة على خوض غمار حرب غير متكافئة في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي؛ بيد أن هذه المقاومة كانت لتعود أكثر رسوخا ومشروعية لو أن الدولة التي تخوض غمارها استثمرت، على نحو أعمق، في الموارد الهائلة لمجتمعها المدني، وهو الأمر الذي لم تفعله قط.
إن ما يترنح اليوم على محك هذه المواجهة هو مستقبل المنطقة برمتها، من ضفاف البحر الأبيض المتوسط وصولا إلى شبه القارة الهندية؛ إذ لن تكتفي إسرائيل بتقويض أركان إيران وتفتيتها، بل باتت أطماعها اليوم تمتد لتضع تركيا، وباكستان في دائرة استهدافها.
إن الغاية التي تنشدها إسرائيل ووكلاؤها في الولايات المتحدة هي إخضاع العالم العربي برمته، ليقف إما موقف المتفرج الواجم، أو المتواطئ الذي يمالئ إسرائيل ويؤازرها في فتكها بعشرات الآلاف من الفلسطينيين.
بيد أن ثمة مقاومة ذات ثقل سياسي وازن تتشكل داخل الولايات المتحدة لمجابهة هذا المشروع؛ إذ لم تعد مناهضة إسرائيل والنزعة الصهيونية لإذكاء الحروب محصورة في تيار دون آخر، بل أضحت تمتد اليوم من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.
وقد أخفق الحزبان الحاكمان، الجمهوري والديمقراطي، تاريخيا في استيعاب هذه المتغيرات أو الاستجابة لضروراتها. ومع أن منظمة "أيباك" والطابور الخامس الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة يستنفرون كافة جهودهم لقلب هذا الواقع، إلا أن حقبة الدعم المطلق وغير المشروط لإسرائيل في أمريكا قد آذنت بالزوال.
إعلان
وخير برهان على هذه الحقيقة هو انتخاب زهران ممداني مؤخرا عمدة لمدينة نيويورك؛ إذ خاض ممداني غمار حملته الانتخابية مرتكزا على برنامج يناصر الحق الفلسطيني بقوة، ويوجه انتقادات جلية وصريحة لإسرائيل، ليحقق فوزا مؤزرا وبفارق شاسع في مدينة كان الصهاينة يتوهمون أنهم يبسطون سيطرتهم المطلقة عليها.
وقد أحدث فوز ممداني صدى واسعا تردد في سائر الولايات الأمريكية والقارة الأوروبية.
إن قضية التحرير الفلسطيني النبيلة، بل وانعتاق العالم العربي والإسلامي بأسره من أغلال التبعية والارتهان لإسرائيل ورعاتها الغربيين، يفرضان اليوم اتخاذ موقف مبدئي راسخ ومشاركة فاعلة من كافة الأطراف في العالمين العربي والإسلامي.
ومع هذا الغزو الأمريكي الإسرائيلي، تعود إيران مجددا لتعتلي مسرح الأحداث العالمية؛ إذ لطالما كانت قوى المعارضة الأصيلة في الداخل الإيراني على عهد التضامن مع الحق الفلسطيني.
أما ما نشهده اليوم من نزعات "بهلوية" مشتتة على منصات التواصل الاجتماعي، بعضها ذات مسحة متطرفة، وجزء منها صنيعة إسرائيل ووكلائها في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، ولا جذور لها في التربة الإيرانية أو بين الأطياف التقدمية في أي مكان آخر.
إننا أمام لحظة تاريخية فارقة، تحتاج فيه المنطقة العربية الإسلامية بكل دولها ومكوناتها إلى لم الشمل لإعادة رسم معالم تاريخهم المشترك.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


