الجزيرة.نت - 3/8/2026 5:18:40 AM - GMT (+3 )
خيّم اليوم التاسع للعدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران؛ ففي انتهاك سافر لسلامة الأراضي الإيرانية وسيادتها الوطنية، أقدمت هذه القوى منذ يوم السبت 28 فبراير/شباط على شن عمل عدواني يفتقر لأي مبرر أو مسوغ شرعي ضد بلادي.
وقد استهلوا هذا البغي باستهداف مقر القائد الأعلى في قلب العاصمة طهران، ما أفضى إلى اغتياله وهو الفقيه الديني الذي يحظى بمكانة سامية في المنطقة والعالم- رفقة كوكبة من أفراد أسرته، بينهم حفيدته الرضيعة ذات الأربعة عشر شهرا، وذلك في العاشر من شهر رمضان المبارك.
وبالتوازي مع ذلك، شُنت هجمات جوية وصاروخية شعواء طالت شتى البقاع الإيرانية، مستهدفة البنى التحتية العسكرية والمدنية على حد سواء.
وفي واقعة يندى لها الجبين، استُهدفت مدرسة ابتدائية في مدينة "ميناب" جنوب غربي البلاد، حيث أُزهقت أرواح 165 تلميذة بريئة، و26 معلمة في مجزرة وحشية بدم بارد.
لقد غدا من الجلي أن استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل هذه المدرسة لم يكن محض صدفة، بل عملا مدبرا ومخططا له بعناية؛ إذ كشف تقرير استقصائي مستفيض- عوّل على صور الأقمار الصناعية وأنماط القصف وتحليل المواقع- أن الهجوم ضرب المبنى التعليمي مباشرة خلال ساعات الدراسة، بهدف إرباك القوات المسلحة وقدرات الاستجابة الطارئة، تأهبا لضرب مواقع إستراتيجية أخرى. ولا يزال هذا العدوان مستعرا، مخلفا خسائر فادحة في الأنفس، وتدميرا واسعا للمنشآت المدنية.
لقد فُرض هذا العدوان المبيت على الأمة الإيرانية في وقت كانت فيه طهران وواشنطن منخرطتين في مسار دبلوماسي، حيث كان وزير خارجية عُمان، بصفته وسيطا، قد أعلن عن إحراز "تقدم جوهري" في جولة المفاوضات الأخيرة المنعقدة يوم الخميس 26 فبراير/شباط في جنيف.
يمثل هذا الهجوم نكوصا جديدا وخيانة للدبلوماسية، ويوضح جليا أن الولايات المتحدة لا تعير أدنى احترام للأعراف الدولية. ورغم إدراك إيران المسبق للنوايا العدائية لواشنطن ونظام الفصل العنصري في إسرائيل، فإنها آثرت خوض غمار التفاوض مجددا لقطع دابر الشك أمام المجتمع الدولي، وإرساء شرعية قضية الشعب الإيراني، ودحض كافة الذرائع الواهية. إن هذه الأحداث تبرهن أن الولايات المتحدة لا تؤمن بالخيار الدبلوماسي، بل تنشد فرض إرادتها القسرية على الأمم.
إعلان
إن الأمة الإيرانية، بصلابتها وشموخها، قد أثبتت أنها لا تستكين للوعيد أو التدخلات الأجنبية؛ فالتاريخ الحضاري الممتد لآلاف السنين يشهد أن الإيرانيين لم ينحنوا يوما لعدوان أو هيمنة.
فعلى سبيل المثال، يروي "فريد الدين العطار" في كتابه "تذكرة الأولياء" قبل تسعة قرون، أن "بايزيد البسطامي" حين نطق بعبارته الوجدانية: "سبحاني، ما أعظم شأني"، هاجمه البعض بتهمة الهرطقة، غير أنه مع كل طعنة كانت دماء المعتدين هي التي تسيل لا دمه.
إيران في هذا المقام كالبسطامي؛ فالتاريخ يؤكد أنه رغم كل ضربة تتلقاها، فإن المعتدين- حاملي السكاكين- هم من يؤولون إلى زوال، بينما تبقى إيران صامدة مستمرة.
وهذا ما نطلق عليه "نظرية استمرارية إيران" في خضم الأزمات الوجودية، وهو نمط تكرر في مواجهة كافة الغزوات التي دُحرت على أعتاب هذه الأرض عبر القرون.
إن الغارات الجوية التي شنها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة تمثل خرقا للمادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة، وتعد عملا عدوانيا مسلحا صارخا ضد الجمهورية الإسلامية. وقد أكد خبراء دوليون في 4 مارس/آذار أن هذا الفعل يفتقر للشرعية.
فضلا عن ذلك، فإن اغتيال القائد الأعلى ومسؤولين إيرانيين يعد انتهاكا جسيما لحصانة مسؤولي الدول وللاتفاقيات الدولية، بما فيها اتفاقية عام 1973 المتعلقة بحماية الأشخاص المتمتعين بحماية دولية.
إن الرد على هذا البغي هو حق مكفول ومشروع لإيران بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. وسوف تسخر القوات المسلحة الإيرانية كافة إمكاناتها لردع هذا العدوان الإجرامي وصد عدوانية العدو، وهو حق سيظل قائما حتى كف العدوان واضطلاع مجلس الأمن بمسؤولياته. وبوصفها دولة تمارس الدفاع عن النفس، فإن إيران هي من يحدد التدابير الضرورية والمتناسبة للرد على هذا الهجوم.
وفي سبيل ممارسة هذا الحق، لم تجد بدا من استهداف منشآت عسكرية أمريكية معينة في المنطقة. إن هذه العمليات الدفاعية ليست موجهة ضد الدول المضيفة، بل هي دفاع محض عن سيادة إيران، إذ استخدمت تلك المنشآت كمنطلقات لتجهيز وتنفيذ الهجمات ضدنا.
تحترم إيران تماما السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لجيرانها، وتتحمل كل دولة مسؤولية دولية بموجب مبدأ حسن الجوار بعدم السماح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي للاعتداء على إيران.
وكما أكدت السلطات الإيرانية مرارا، فإن أي نقطة انطلاق أو قاعدة تُستخدم للعدوان- أيا كانت الدولة التي تتواجد فيها- ستُعامل كهدف عسكري مشروع وفقا للمادة 3 (ف) من قرار الجمعية العامة 3314، وذلك ممارسة لحقنا الأصيل في الدفاع عن النفس. إننا نطالب بضمانات موضوعية وملموسة تحول دون انطلاق أي عدوان مستقبلي من القواعد الأمريكية في تلك الدول.
تؤكد إيران على المسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتق الأمم المتحدة ومجلس الأمن لاتخاذ إجراءات آنية حيال هذا الخرق للأمن والسلم الدوليين، وندعو الأمين العام ورئيس مجلس الأمن وأعضاءه للنهوض بمسؤولياتهم دون إبطاء.
يُنتظر من كافة الدول الأعضاء- ولا سيما دول المنطقة والعالم الإسلامي وأعضاء حركة عدم الانحياز- إدانة هذا العدوان واتخاذ تدابير جماعية عاجلة. إن على الدول توخي الحذر لئلا تُستدرج إلى مخططات المعتدين.
إعلان
رسالتنا واضحة: إن هذا العدوان والجرائم المروعة ينذران بتآكل غير مسبوق في النظام القانوني الدولي. إن التراخي أمام هذا السلوك المارق لن يشجع المعتدين فحسب، بل سيلحق دمارا لا يبرأ بأسس القانون الدولي.
يقف العالم اليوم في مفترق طرق حرج؛ فإما القبول بحكم الغطرسة والقوة الغاشمة، وإما إنقاذ سيادة القانون من التلاشي. ولن يكون هذا اللجوء غير القانوني للقوة هو الأخير ما لم يتحرك المجتمع الدولي بحزم.
يجب على الدول نبذ سياسات اللامبالاة والاسترضاء؛ فالفشل في صون مبادئ القانون الدولي هو تمهيد لدكتاتورية عالمية مظلمة تواري الثرى منظمة الأمم المتحدة وتنسف قيم الإنسانية.
إن المسؤولية تقع على عاتق كل أمة وكل فرد ذي ضمير للتحرك قبل فوات الأوان، لئلا تجدوا هذه الجرائم تطرق أبواب حدودكم.
إن الأمة الإيرانية تذود عن حياضها بكل ما أوتيت من قوة في وجه حرب ظالمة مفروضة من قبل نظامين مدججين بالسلاح النووي.
هي حرب ضد حضارة، وسيقف التاريخ شاهدا على الجميع؛ فمن انحاز للمعتدي أو ركن للصمت أمام هذا الجور، سيُسجل في عداد الشركاء.
اصطفوا في الجانب المشرق من التاريخ، وانبذوا هذه الحرب الجائرة والظالمة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


