الصين تطور "سيراميك" فائق التحمل للصواريخ الفرط صوتية
الجزيرة.نت -

مع تسارع التطور في مجالات الطيران الفرط صوتي وأنظمة الدفع المتقدمة والطاقة النووية من الجيل القادم، يقف علم المواد في مواجهة تحديات غير مسبوقة، تتمثل في تطوير مواد قادرة على العمل في بيئات تتجاوز فيها درجات الحرارة آلاف الدرجات المئوية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قوة ميكانيكية عالية ومقاومة للكسر.

في قلب هذا التحدي تقف فئة خاصة من المواد تعرف باسم السيراميك فائقة الحرارة، وهي مواد تتميز بدرجات انصهار استثنائية وقدرة على الحفاظ على استقرارها البنيوي في الظروف القصوى.

أفران انتاج السيراميك فائق الحرارة التقليدية (رويترز)
سيراميك من نوع خاص

ومن بين أبرز هذه المواد كربيد الزركونيوم، الذي يمتلك نقطة انصهار تقارب 3500 درجة مئوية، ما يجعله مرشحا مهما لتطبيقات تتراوح بين مفاعلات الطاقة النووية وأنظمة الطيران الفرط صوتي.

لكن رغم هذه الخصائص المذهلة، ظل استخدام كربيد الزركونيوم في التطبيقات العملية محدودا لسببين رئيسين. الأول هو أن تصنيع هذا السيراميك يتطلب درجات حرارة عالية للغاية قد تتجاوز 2000 درجة مئوية. أما المشكلة الثانية فهي الهشاشة البنيوية، وهي سمة شائعة في المواد السيراميكية، حيث يمكن أن يؤدي ظهور شق صغير إلى انهيار مفاجئ في المادة.

وقد حاول الباحثون على مدار عقود تجاوز هاتين المشكلتين عبر عدة استراتيجيات، مثل تكوين محاليل صلبة أو إضافة أطوار تقوية ثانية أو تصميم مواد مركبة، لكن معظم هذه المحاولات واجهت مفارقة صعبة، وهي أن تحسين الصلابة غالبا ما يأتي على حساب المتانة، والعكس صحيح.

في هذا السياق، طور فريق من علماء المواد بقيادة بوكسين وي من جامعة هاربين للعلوم والتكنولوجيا ويوجين وانغ من معهد هاربين للتكنولوجيا في الصين مقاربة جديدة تعتمد على تصميم بنية مجهرية متعددة المقاييس داخل سيراميك قائم على كربيد الزركونيوم.

إعلان

نشرت نتائج هذا العمل في دراسة بدورية "جورنال أوف أدفانسد سيراميكس" (Journal of Advanced Ceramics) في فبراير/شباط 2026، حيث وصف الباحثون طريقة تصنيع مبتكرة تستخدم عملية تسمى التلبيد بالبلازما الشرارية  مع تفاعلات كيميائية تحدث داخل المادة نفسها أثناء التصنيع.

في المفاعلات النووية المتقدمة، تحتاج مكونات البناء إلى مواد تتحمل درجات حرارة مرتفعة (موقع المفاعل النووي الحراري التجريبي الدولي)
سر التلبيد على مرحلتين

التلبيد هو عملية تسخين مسحوق المادة إلى درجات حرارة عالية ليلتحم ويتحول إلى جسم صلب متماسك دون أن يذوب بالكامل.

وتعتمد هذه الطريقة على استخدام ثلاثة مكونات أساسية، وهي كربيد الزركونيوم، وثنائي سيليد التيتانيوم، وكربيد البورون. وخلال عملية التلبيد تحدث سلسلة من التفاعلات الكيميائية المصممة بعناية لتكوين بنية داخلية معقدة من الأطوار المختلفة التي تعمل معا لتعزيز الخصائص الميكانيكية.

وقد صمم الفريق عملية التصنيع بحيث تحدث هذه التفاعلات على مرحلتين، والنتيجة كانت مادة سيراميكية ذات بنية دقيقة للغاية، إذ بلغ حجم الحبيبات أقل من 500 نانومتر، وهي قيمة صغيرة بشكل ملحوظ في هذا النوع من المواد.

وقد حققت المادة الناتجة، التي أطلق عليها اسم "زد تي إس – 30 بي"، قوة انحناء بلغت نحو 824 ميغاباسكال ومقاومة للكسر بلغت 7.5 ميغاباسكال/متر، وهي قيم تفوق بكثير معظم المواد المعروفة القائمة على كربيد الزركونيوم.

عند سرعات تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت، يؤدي الاحتكاك الشديد مع الهواء إلى توليد درجات حرارة هائلة (رويترز)
آلية مختلفة

تكمن أهمية هذا الإنجاز في الآلية الفيزيائية التي تقف وراءه، والتي وصفها الباحثون بأنها تآزر متعدد المقاييس. فعلى المستوى الذري، يسبب خلط العناصر داخل البلورة اضطرابا صغيرا يجعل ظهور العيوب أصعب، فتزداد الصلابة. وعلى المستوى النانوي، تعمل الجسيمات الدقيقة كأنها مسامير صغيرة تمنع الحبيبات من التضخم، فتحافظ على البنية قوية. أما على المستوى الأكبر، فتجبر صفائح بوريد التيتانيوم الشقوق على الانحراف والتعرج بدل التمدد بسهولة، فتزداد مقاومة الكسر.

وعند مقارنة هذه الطريقة مع طرق التصنيع التقليدية ذات المرحلة الواحدة، وجد الباحثون أن التلبيد التقليدي يؤدي إلى حدوث التفاعلات الكيميائية عند درجات حرارة أعلى، ما يسرّع نمو الحبيبات البلورية عبر ظاهرة تعرف باسم نضج أوستفالد.

أما في الطريقة الجديدة، فإن معظم التفاعلات تكتمل في المرحلة الأولى، ما يسمح بالحفاظ على البنية الدقيقة للمادة خلال المرحلة الثانية.

تطبيقات واعدة

تتجاوز أهمية هذا التطور حدود علم المواد النظري، إذ يمكن أن يكون له أثر مباشر في عدة تقنيات استراتيجية. ففي المفاعلات النووية المتقدمة، تحتاج مكونات البناء إلى مواد تتحمل درجات حرارة مرتفعة وتدفقا مستمرا من النيوترونات دون أن تتدهور خواصها. وقد توفر هذه المواد الجديدة فرصة ممتازة لهذه التطبيقات، بفضل مقاومتها العالية للإشعاع والتآكل الحراري.

لكن ربما يكون المجال الأكثر إثارة للاهتمام هو الطيران والصواريخ فرط الصوتية. فعند سرعات تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت، يؤدي الاحتكاك الشديد مع الهواء إلى توليد درجات حرارة هائلة على مقدمة المركبة وعلى الحواف الأمامية للأجنحة قد تتجاوز 2000 درجة مئوية.

إعلان

هذه الحرارة يمكن أن تذيب معظم المعادن التقليدية أو تضعفها بسرعة. لذلك تعتمد المركبات فرط الصوتية على مواد فائقة المقاومة للحرارة في مناطق مثل مقدمة الصاروخ، والحواف الأمامية للأجنحة، ومداخل الهواء في محركات السكريمجيت.

في هذه التطبيقات، لا تكفي مقاومة الحرارة وحدها. فالمادة يجب أن تتحمل أيضا إجهادات ميكانيكية عالية وصدمات حرارية مفاجئة أثناء المناورات أو عند دخول طبقات الغلاف الجوي.

وإذا كانت المادة شديدة الهشاشة، فإن شقا صغيرا قد يؤدي إلى فشل كارثي في الهيكل. لهذا السبب يمثل الجمع بين القوة والمتانة في السيراميك فائق الحرارة تقدما بالغ الأهمية.

ومن هنا تظهر القيمة المحتملة لتصميم البنية متعددة المقاييس الذي طوره الباحثون الصينيون. فبدلا من الاعتماد على طور تقوية واحد، تعتمد المادة الجديدة على شبكة معقدة من الأطوار المختلفة التي تعمل معا على مستويات ذرية ونانوية ومجهرية.

هذا النوع من التصميم قد يسمح بتطوير جيل جديد من المواد القادرة على تحمل الظروف الحرارية والميكانيكية القاسية التي تواجهها المركبات فرط الصوتية.



إقرأ المزيد