معبر إسلام قلعة.. حين تضيق طرق الغذاء أمام الأسواق الأفغانية
الجزيرة.نت -

معبر إسلام- قبل الظهر بقليل، كان عبد الحكيم عليزي يقف قرب صف من الشاحنات المتوقفة على الجانب الأفغاني من معبر إسلام قلعة، يراقب الطريق الممتد نحو الحدود الإيرانية بقلق واضح. يعتمد عمله اليومي كتاجر خضروات في مدينة هرات على أمر واحد: وصول الشاحنات القادمة من إيران.

يقول عبد الحكيم عليزي للجزيرة نت: "العمل لم يتوقف، لكن شعور الناس تغيّر… كل شيء أصبح مرتبطا بوصول الشاحنات".

لسنوات طويلة، اعتاد التجار في غرب أفغانستان دخول الشاحنات الإيرانية يوميا عبر المعبر، محمّلة بالخضروات والفواكه والمواد الغذائية الأساسية، وهو ما ساهم في استقرار الأسواق المحلية رغم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي شهدتها البلاد، لكن المشهد اليوم يبدو مختلفا؛ فالحركة أبطأ، والانتظار أطول.

طرق تجارة تضيق

لم تبدأ الأزمة من إيران وحدها. فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2025 شهدت الحدود الأفغانية مع باكستان إغلاقا شبه كامل لحركة الشاحنات التجارية نتيجة توترات سياسية وأمنية متكررة، ما أدى إلى تعطل أحد أهم خطوط الإمداد الغذائي للبلاد.

أفغان يقفون أمام البضائع في سوق هرات (الجزيرة)

قبل هذا الإغلاق، كان معبر طورخم الحدودي يستقبل يوميا مئات الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية والخضروات والسلع الاستهلاكية. ومع توقف هذه الحركة، بدأت الأسواق الأفغانية، خصوصا في الغرب، تعتمد بشكل أكبر على التجارة القادمة من إيران.

ويقول أحد سائقي الشاحنات المنتظرين عند المعبر للجزيرة نت: "بعد إغلاق طرق باكستان أصبحنا نعتمد تقريبا على إيران وحدها…أي تأخير هنا نشعر به مباشرة في السوق".

إيران توقف الصادرات الغذائية

وسط هذا الاعتماد المتزايد، أعلنت إيران وقف تصدير المنتجات الغذائية والزراعية إلى الخارج حتى إشعار آخر، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، في خطوة تهدف إلى تأمين الاحتياجات الداخلية وضمان توفر السلع الأساسية للمواطنين الإيرانيين.

إعلان

وجاء القرار في ظل التصعيد العسكري المتسارع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ما دفع طهران إلى تقليص صادراتها الغذائية تحسبا لأي اضطرابات إقليمية أوسع قد تؤثر في الأسواق المحلية.

ويقول عبد الحكيم عليزي: "الطرق من باكستان كانت مغلقة أصلًا… والآن مع توقف التصدير من إيران أصبحنا نعيش على الانتظار".

معبر إسلام قلعة.. شريان الغذاء

يبعد معبر إسلام قلعة نحو ساعتين عن مدينة هرات، لكنه يمثل أحد أهم منافذ الإمدادات الغذائية إلى أفغانستان، خصوصًا لولايات الغرب.

قبل قرار وقف الصادرات، كانت تدخل عبر المعبر يوميا شحنات كبيرة من السلع الغذائية، من بينها الطماطم والفواكه الموسمية والبقوليات والزيوت الغذائية والبيض ومنتجات الألبان إضافة إلى المواد الغذائية المعلبة.

تاجر في معبر إسلام قلعة، يعرض الحبوب والزيوت وسط ارتفاع الأسعار وقلة التدفق التجاري من إيران (الجزيرة)

وقد أسهمت هذه التدفقات المنتظمة في الحفاظ على استقرار الأسواق المحلية، خاصة بعد تراجع الواردات عبر باكستان. أما اليوم، فلم تتوقف الحركة بشكل كامل، لكنها أصبحت أقل انتظاما، وهو ما انعكس سريعًا على الأسعار وتوقعات المستهلكين.

الأسواق تتحرك بقلق

داخل أسواق ولاية هرات تبدو الحركة طبيعية ظاهريا، لكن حديث التجار يكشف عن توتر متزايد بسبب حالة عدم اليقين بشأن تدفق الإمدادات.

تقول السيدة زينب أحمدي، وهي ربة منزل تقيم قرب الحدود الإيرانية الأفغانية، للجزيرة نت: "ما يحدث في إيران أثر علينا مباشرة… سعر الغاز والطماطم وأشياء أساسية في البيت ارتفع كثيرًا".

وتضيف أن العائلات بدأت تقلل مشترياتها اليومية خوفا من ارتفاعات أكبر في الأيام المقبلة.

وفي مديرية إنجيل التابعة لولاية هرات، يقول بائع الكتب أحمد فيضي إن الأسعار ارتفعت خلال أيام قليلة فقط: "علبة المربى كانت بـ80 أفغانيا وأصبحت 150، وسعر الغاز ارتفع أيضا… الناس تخشى أن تصبح الحياة أصعب".

وفي متجر صغير في مدينة هرات، يؤكد التاجر خيال محمد للجزيرة نت أن الأسعار بدأت تتحرك بسرعة: "سعر علبة الزيت ارتفع من 1800 إلى 2200 أفغاني، وكيس السكر من 2400 إلى 2900 أفغاني، وحتى البيض ارتفع سعره خلال أيام".

ويرى عدد من التجار أن المشكلة لا تتعلق بالأسعار فقط، بل بحالة عدم اليقين حول استمرار تدفق السلع خلال الفترة المقبلة.

سوق معبر إسلام قلعة الحدودي، حيث يلتقي التجار والمستهلكون وسط حركة محدودة للبضائع القادمة من إيران (الجزيرة)
مخاوف من نقص الإمدادات

يقول آذرخش حافظي، عضو مجلس إدارة غرفة التجارة والاستثمار الأفغانية، للجزيرة نت إن الاقتصاد الأفغاني يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات القادمة من إيران، خاصة في ما يتعلق بالوقود والمواد الغذائية.

ويضيف: "معظم المواد الأولية والوقود كانت تأتي من إيران. أي اضطراب في هذه الواردات يؤدي مباشرة إلى نقص البضائع وارتفاع الأسعار، والمخاوف الحقيقية تتعلق بإمكانية حدوث نقص واسع في الأسواق".

في المقابل، حاولت الحكومة الأفغانية طمأنة الأسواق، وقال المتحدث باسمها ذبيح الله مجاهد إن نقل البضائع عبر خط السكك الحديدية بين خواف الإيرانية وهرات الأفغانية مستمر بشكل طبيعي.

إعلان

وأشار إلى أن مئات عربات الشحن ما تزال في طريقها إلى أفغانستان، مؤكدا أن المعابر الحدودية مع إيران ما تزال مفتوحة أمام المسافرين والشاحنات، داعيا التجار إلى عدم رفع الأسعار دون مبرر.

أثر يتجاوز الحدود

على امتداد الطريق المؤدي إلى معبر إسلام قلعة، تتكرر مشاهد الانتظار: سائقون يتابعون الأخبار، وتجار يحسبون مخزونهم المتبقي، وعمال يراقبون الشاحنات القليلة التي تعبر الحدود.

ومع استمرار الحرب في إيران وتصاعد التوتر الإقليمي، لم تعد الأزمة بالنسبة لكثير من الأفغان مسألة سياسية بعيدة، بل تحولت إلى سؤال يومي يتردد في الأسواق والمنازل على حد سواء: متى تصل الشحنة التالية؟



إقرأ المزيد