اغتيال خامنئي الشيخ ليصعد خامنئي الشاب
الجزيرة.نت -

في ظروف عادية، كان يمكن للسيد مجتبى خامنئي، أن يكون مرشحا من بين آخرين لخلافة والده، وربما ليس أكثرهم حظا وحظوة، فأمامه على مسافة بعيدة، كوكبة من رجالات الدين والسياسة، ممن يفوقونه علما شرعيا، وخبرة سياسية، وانخراطا في مفاصل الحكم والسلطة.

لكن الحرب التي شنتها واشنطن وتل أبيب على إيران، باغتيال والده المرشد الأعلى، خامنئي الأب، عززت حظوظ خامنئي الابن، ليصبح سيد الحلبة بلا منازع ولا منافس، لا سيما بعد إعلان ترمب رفضه له بالاسم، وتوعده بالقضاء عليه، وإصراره الساذج على أن يكون هو شخصيا، صاحب الكلمة العليا في اختيار المرشد الجديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ولعل هذا ما يفسر "شبه الإجماع" الذي ساد مجلس الخبراء على اختياره خلفا لوالده، مرشدا أعلى ثالثا، وامتناع عضو واحد فقط عن التصويت، من أصل 88 عضوا يتكون منهم المجلس.

بمعنى من المعاني، يمكن القول إنه كان لترمب ما أراد، فقد ساهم من حيث لا يريد ولا يقصد، بل على الضد مما كان يريد ويرغب، في انتخاب مرشد جديد، شاب، ينتمي للتيار الثوري المحافظ، وهو أقرب إخوانه إلى أبيهم شكلا وروحا، وبصورة تتفرغ معها عملية الاغتيال من أي معنى، إن لم نقل إنها جاءت بنقيضها، إذ جاءت بمرشد ثالث، ينتمي إلى مدرسة أبيه، ويعد استمرارا لها، أقله في المدى المنظور، وبدل أن تُسهم عملية الاغتيال في القضاء على نظام الجيل الأول الشائخ، جاءت النتيجة "تشبيب" هذا النظام، ومدّه بزخم وعزيمة "الجيل الثاني" من أبناء الثورة.

منذ اغتيال خامنئي الأب، جرت عدة محاولات كما يتسرب من مصادر إيرانية وإسرائيلية، لاغتيال خامنئي الابن، وكلما كانت حظوظ الأخير تتعاظم لخلافة والده، كانت تلك المحاولات تشتد خطورة، وتعكس تصميما على منع انتقال السلطة.

وفي ظني أن نجاح مجلس الخبراء، و"المؤسسة" الإيرانية، في إتمام عملية نقل السلطة، سيعزز المحاولات الأمريكية- الإسرائيلية لاستهداف المرشد الجديد، وسيجعلها أكثر خطورة، والمؤكد أن تعبير ترمب عن "عدم سعادته" باختيار خامنئي الابن مرشدا ثالثا، سينظر له في الدوائر الأكثر تطرفا في تل أبيب وواشنطن، على أنه ضوء أخضر لتجريب محاولات استهداف جديدة.

إعلان

فالوصول إلى المرشد، يخدم "غرور" ترمب ويستجيب لـ"نزعته الاستعراضية"، وهو مهم أمريكيا وإسرائيليا في سياقات الحرب الجارية بضراوة على إيران، خاصة في شقها النفسي والمعنوي، وسيكون بمثابة محاولة لقطع الطريق على "استمرارية" النظام وديمومة نهجه.

المرشد الثالث

يتولى آية الله مجتبى خامنئي مقاليد الولاية الثالثة، فيما إيران تواجه أصعب مرحلة وأدق ظرف منذ انتصار ثورتها الإسلامية في العام 1979، فما هو مطروح على بساط البحث بين واشنطن وتل أبيب، ليس مستقبل النظام ولا مصير الثورة، بل بقاء إيران ومصير وحدتها الترابية والمجتمعية.

يندر أن تجد ما يشفي غليلك المعرفي وأنت تبحث في سجل الرجل وتجربته وتعليمه، عمّا يمكن أن يساعدك على التنبؤ بقادمات الأيام، وإلى أين ستتجه إيران تحت قيادته وكيف، وما الذي يحمله الرجل في جعبته من إجابات على تحديات الداخل والخارج، التي تعصف بإيران حاليا.

لكننا نعرف ما يكفي للاعتقاد بأن الرجل وإن انتمى إلى تيار المحافظين، إلا أنه يحتفظ بعلاقات طيبة مع بقية الأطياف الأخرى، وأن طابعه المحافظ، لم يمنعه من تقديم إجابات مغايرة لنهج المحافظين إن في قضية الإصلاح ومحاربة الفساد، أو في القضية التي لطالما أثارت غضبا وتولدت عنها احتجاجات في الشارع: قضية الحجاب، فالرجل كما يُقال ويروى، كان من أنصار "الإقناع بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة"، وليس "الفرض بقوة القانون أو قانون القوة".

فهو من مدرسة- كما ينقل عنه- تسعى لإعادة صياغة علاقة الدولة بمواطنيها، بطريقة أكثر سلاسة وأقل تشنجا، وهو بهذا المعنى، سيجد مشتركات مع تيار إصلاحي، لطالما رفض "نظرية المؤامرة" في تفسير غضبات الشارع المتتالية، والتي تنفجر بصورة دورية، كل بضع سنوات مرة واحدة على الأقل، وعلى نطاق واسع.

إيران رمت بقفاز التحدي في وجه نتنياهو وترمب، وجاءت بمجتبى في رسالة تتخطى اختيار الرجل، إلى رفض السياسات والممارسات والعدوان الثنائي المزدوج عليها

وهو وإن لم يشغل من قبل منصبا رسميا، إلا أنه كان حاضرا بقوة "الأمر الواقع" في مختلف المواقع، ونجح في إدارة العلاقة بين مكتب أبيه وبقية مراكز السلطة والقرار، وبالأخص الحرس الثوري، والباسيج.

فالرجل ليس منعدم الخبرات- كما قد يُعتقد- فقد قضى ردحا من الزمن في قلب مطابخ القرار الإيراني. والآن يتعين أن يثبت أنه لن يبقى في جلباب أبيه، وأن "التوريث" لم يكن سوى عامل مساعد، وليس عاملا أساسيا، في تسلمه دفّة القيادة وتسنّمه الموقع الأول، لا في إيران فحسب، بل على مستوى "الطائفة".

لكن على الرغم من أهمية هذه القضايا التي شغلت بال الإيرانيين واهتمامهم طيلة سنوات عديدة خلت، فإن ما يلفت اهتمام الداخل والخارج، والعالم بأسره اليوم، هو كيف سيتصرف المرشد الثالث حيال ملفات الحرب والسلام مع واشنطن وتل أبيب؟، وكيف سيدير ملف هذه الحرب الضروس، وما يتولد عنها من نزاعات متناسلة مع دول الجوار القريب والبعيد على حد سواء؟

وأحسب أن كلمة واحدة فقط، تصلح لوصف سلوك المرشد الجديد وأدائه: الاستمرارية، فهي الرسالة الأهم التي بعث بها مجلس الخبراء، وبقية مؤسسات الحكم والسلطة والقرار في إيران.

إعلان

فاختيار المرشد، وإن كان من اختصاص مجلس واحد وفقا لدستور البلاد، إلا أن عملية الاختيار، بالذات في الظرف الراهن، لا شك شملت مختلف مؤسسات القرار، وأجهزة ومجالس صنع السياسة والتشريع والأمن وإستراتيجيات المواجهة.

أما الكلمة الثانية، التي لا تقل أهمية عن الأولى، في وصف ما جرى، فهي: التحدي. إيران رمت بقفاز التحدي في وجه نتنياهو وترمب، وجاءت بمجتبى في رسالة تتخطى اختيار الرجل، إلى رفض السياسات والممارسات والعدوان الثنائي المزدوج عليها، لكأنها تريد القول: ذهبتم بالمتشددين من شيوخنا، فجئناكم بالأكثر تشددا من شباننا، في واقعة تستدعي إلى الذاكرة الحية، ما فعلته حماس حين اغتالت إسرائيل زعميها "المعتدل/المفاوض" في طهران، فاختارت خلفا له، زعيما "مقاتلا أشد صرامة"، ليملأ فراغ قيادتها، والتشبيه مع الفارق في الظرف والسياق.

إسرائيل لم تمهل يحيى السنوار طويلا قبل أن تصل إليه يد الاغتيال التي أودت بإسماعيل هنية، والأرجح أن تفكيرها وتخطيطها يتركزان اليوم، على الوصول إلى المرشد الجديد، قبل أن يستتبّ له عرش الولاية الثالثة، ولا أحسب أن ثمة هدفا في إيران اليوم، أكثر أهمية- من وجهة النظر الإسرائيلية- من هدف اغتيال خامنئي الابن.

تحديات وفرص

ثمة من يعتقد مُصيبا- على ما أعتقد- بأنك إن أردت صنع السلام، فعليك أن توكل المهمة للقادة الأكثر تشددا، ذلك أنهم الأقدر على إضفاء قدر من التوازن والعدالة على أية صفقة يجري إبرامها.

فهم وإن كانوا الأبعد عن الرضوخ للشروط والإملاءات المُذلّة، إلا أنهم الأقدر على تسويق هذا السلام وتسويغه لبقية الكيانات والمكونات، فإن كانت "صفقة سلام محتملة" مُرضية للتيار الثوري، فمن باب أولى أنها ستكون كذلك، للتيار المعتدل/الوسطي، كما أنهم الأقدر على الوفاء بالالتزامات وضمان ديمومة ما يتفق عليه، هذا إن توفرت الرغبة والإرادة عند الطرف المقابل للوصول إلى سلام متوازن واتفاق مستدام.

ومن أجل الوصول إلى "صفقة متوازنة وعادلة"، لم تتوفر شروطها بعد، فإن هذا التيار، الذي يقوده ويرمز إليه المرشد الثالث، هو الأصلب والأقوى لمواصلة الصمود والثبات والقتال.

والأرجح وفقا لمختلف التقديرات، أن هذه الحرب ستطول لأسابيع وأشهر، وما بات مستقرا في تفكير دوائر القرار الإستراتيجي الإسرائيلي والغربي، أن مهمة إسقاط النظام، ليست نزهة قصيرة، إن لم نقل إنها عصية على التحقق والنفاذ، وأن إيران ليست فنزويلا، بل وليست العراق، وليبيا، وأن من الأفضل اختزال أمد الحرب، لتقليل الكلف المتزايدة الناجمة عنها، بدل المضي في حرب عبثية، كانت وما زالت فائضة عن الحاجة، وغير ضرورية على الإطلاق، ومدفوعة بغرائز عدوانية وعقائد غيبية، أو بالأحرى غبية، كتلك التي تضع الصراع برمته، في سياق "هرمجدون" ونهاية العالم.

وتحت قيادة المرشد الجديد، ستقاتل إيران على نحو أشد ضراوة، وستفاوض على نحو أكثر صلابة، وسنرى تراجعا في حالة الإرباك التي تثيرها خلافات النخبة الإيرانية الحاكمة وانقسامها بين تيارات متنافسة، وسيكون بمقدور المرشد الشاب، أن يضبط إيقاع الخلافات الداخلية، حول جدية وجدوى احتفاظ إيران ببرنامجيها النووي والصاروخي.

وليس مستبعدا إن استمرت تل أبيب وواشنطن على مواقفهما العدوانية، أن يستعجل المرشد الجديد، ما بدأ هامسا وبطيئا، زمن المرشد الراحل: إعادة نظر في العقيدة النووية الإيرانية، وإسقاط مبدأ التحريم والتجريم عن "القنبلة".

بالطبع، لن تكون طريق مجتبى خامنئي لوضع بصماته الخاصة على سياسات إيران الداخلية والخارجية، وضبط إيقاع مؤسسات الحكم ومراكز صنع القرار وطبقاته، تحت قيادته المباشرة، بالطريق السالكة والمعبدة.

فالظروف المحيطة بعمله، بالغة الدقة والخطورة (أمنيا على الأقل)، وأمامه رجالات وأصحاب سلطة ونفوذ ومرجعيات، هيهات أن يقبلوا التسليم بها للعهد الجديد، وخطواته في الداخل والخارج، تجري تحت أضواء كاشفة من الجوار والمجتمع الدولي، ومهمة إعادة إعمار إيران بعد الحرب، لا تقل أهمية وخطورة، عن مهمة كسب الحرب والثبات والصمود في ميادينها.

إعلان

لكن مع ذلك، ورغم ذلك، يبدو أن للرجل نوافذ فرص، إن أجاد استخدامها، سيحفظ إيران أولا، وسيحفظ نظامها وجمهوريتها الإسلامية ثانيا، شريطة أن يتقن فن التخفي عن العيون والآذان الأمريكية- الإسرائيلية المتربصة، وأن يجيد فن السباحة في بحر إيران متلاطم الأمواج.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد