الجزيرة.نت - 3/11/2026 8:25:10 AM - GMT (+3 )
Published On 11/3/2026
شارِكْ
في قراءة تحليلية لما آلت إليه الأوضاع، تُقدّم اثنتان من كبريات الصحف البريطانية قراءتين للمشهد العام، الأولى تحذر من "انتحار اقتصادي" وشيك، والثانية تدين ما تصفه بتبعية لندن "العمياء" لسياسات واشنطن التي تكرر أخطاء الماضي الكارثية.
وتحت عنوان "تكلفة حرب دونالد ترمب آخذة بالارتفاع، وبريطانيا تدفع الثمن بالفعل"، كتبت هيئة تحرير صحيفة إندبندنت في مقال افتتاحي أنه في الوقت الذي ينحدر فيه العالم نحو "هاوية مالية"، ينبغي على قادته أن يجدوا طريقة لإرغام الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على الانصياع لمعطيات السوق، إن كان يأبى الإنصات إليهم.
وفي المقابل، أشار كاتب العمود في صحيفة غارديان، أوين جونز، إلى أن بريطانيا من بين الدول التي بدأت تدفع ثمنها سريعا، معتبرا مشاركتها في هذه الحرب ضد إيران ستكون خطأ سياسيا وأخلاقيا فادحا يتجاهل دروس الماضي ويخالف مزاج الرأي العام البريطاني.
وتلفت إندبندنت في افتتاحيتها النظر إلى أن الأسواق العالمية تعيش حالة من التخبط، حيث تراجعت البورصات، وتقلصت قيمة المدخرات وصناديق المعاشات التقاعدية، في حين ارتفعت العوائد التي يطلبها المستثمرون لإقراض الحكومة البريطانية، وهو ما يعكس مخاوف متزايدة من التضخم وتدهور المالية العامة.
ووفق الصحيفة، فإن التوقعات السابقة بانخفاض أسعار الفائدة خلال العام الجاري تراجعت، مع ترجيح الأسواق الآن احتمال رفعها مجددا، وهو ما يدفع البنوك وشركات التمويل إلى إعادة تسعير قروض الرهن العقاري بزيادة، الأمر الذي قد يؤثر سلبا في سوق العقارات وثقة المستهلكين.
وترى هيئة تحرير إندبندنت أن التحذير الذي أطلقه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من احتمال تأثير الحرب على الاقتصاد البريطاني جاء متأخرا نسبيا، لأن المؤشرات الاقتصادية السلبية بدأت بالفعل في الظهور بعد أيام قليلة من الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
إعلان
وأوضحت أن أسعار النفط والغاز والكهرباء زادت في الأسواق العالمية، الأمر الذي ما لبث أن انعكس على ارتفاع تكاليف الوقود وفواتير الطاقة داخل بريطانيا.
وذكرت الصحيفة أنه في الوقت الذي يروِّج فيه الرئيس الأمريكي بأن ارتفاع أسعار النفط هو "ثمن زهيد مقابل الأمن والسلام"، تؤكد أنه ليس هو من سيدفع قيمة هذه الفاتورة، بل الشعوب التي ستواجه موجة جديدة من "الركود التضخمي" والتقشف.
وأضافت أن إغلاق مضيق هرمز لم يعطل تدفق الوقود فحسب، بل شل حركة تدفق مواد صناعية مهمة مثل اليوريا المستخدمة في الأسمدة وحمض الكبريتيك المستخدم في تنقية النحاس.
وطبقا لها، فإن كل ذلك ينذر بحدوث أزمة غذاء عالمية تفوق في حدتها صدمة النفط عام 1973، لتطال آثارها كل شيء، بدءا من تشغيل الأجهزة الطبية في المستشفيات وصولا إلى أسعار رغيف الخبز وتكاليف الشحن والتجارة والسفر.
هوس الحرب ودروس التاريخ المنسيةفي مقاله بصحيفة غارديان بعنوان "البريطانيون لا يريدون مشاطرة ترمب هوسه بالحرب"، وجّه الكاتب أوين جونز نقدا لاذعا لموقف بريطانيا، حيث يرى أن تورطها في الحرب على إيران ليس مجرد قرار سياسي "يحتمل الاختلاف"، بقدر ما هي "جريمة خطيرة" تعيد إنتاج مآسي العراق وأفغانستان وليبيا.
واستنكر جونز الضغوط التي يمارسها في بريطانيا رئيس الوزراء الأسبق توني بلير وزعيم حزب الإصلاح وزعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك، على ستارمر لدفعه نحو تقديم الدعم المطلق للولايات المتحدة، واصفا إياهم بـ"النخب التي لا تتعلم أبدا".
وأشار الكاتب إلى أن الحرب الحالية أسفرت بالفعل عن مقتل مئات المدنيين -بينهم عشرات الأطفال في هجوم استهدف مدرسة- وتدمير البنى التحتية الحيوية في إيران، بما في ذلك محطات تحلية المياه والمنشآت النفطية، مما تسبب في كارثة بيئية غطت سماء طهران بـ"الأمطار السوداء".
نحو 49% من البريطانيين يعارضون الحرب على إيران، بينما لا يؤيدها سوى أقل من خُمس السكان
وحذّر جونز من أن إيران، على عكس بعض الدول التي شهدت تدخلات غربية في الماضي، تمتلك القدرة على الرد عسكريا واقتصاديا، وهو ما يفسر الارتفاع الحاد في أسعار النفط وتأثيراته المحتملة على الاقتصاد العالمي.
وفي رأي الكاتب أن البريطانيين تعلموا من تجارب الحروب السابقة، مشيرا إلى استطلاع رأي أجرته مؤسسة "يوغوف" أظهر أن نحو 49% من البريطانيين يعارضون الحرب على إيران، بينما لا يؤيدها سوى أقل من خُمس السكان. وبحسب المقال، فإن هذا الموقف الشعبي يعكس إدراكا واسعا بأن تلك الحروب كانت مدمرة للدول المستهدفة وللمصالح البريطانية على حد سواء.
وقال جونز إن المواطنين العاديين ظلوا يعيشون كارثة تلو الأخرى، لكنهم استخلصوا منها استنتاجا واضحا وهو أن هذه الحروب جميعها كانت مدمرة للدول التي تعرضت للهجوم، ولبريطانيا نفسها، وللعالم ككل.
وأضاف أن أولئك المواطنين العاديين يدركون أن شن حرب "أقل تخطيطا، بقيادة رئيس أكثر تطرفا ضد عدو أكثر قدرة بكثير، سيكون جنونا محضا".
وشدد الكاتب على ضرورة وضع حد لهذه التصرفات، لافتا إلى أن النخبة الحاكمة في بريطانيا أصبحت "طائفة للموت"، حيث تضحي بأمن البلاد ومواردها المالية، التي قُدرت خسائرها في حروب سابقة بنحو 47 مليار جنيه إسترليني.
إعلان
وخلص إلى أن "تبعية" بريطانيا للولايات المتحدة تعني مجازر متكررة تدمر مجتمعات أخرى، وتزعزع استقرار العالم، و"تبدد مواردنا الخاصة، وتقتل وتشوه شبابنا من الطبقة العاملة وتجعلنا أقل أمانا". واختتم مقاله محذرا من أن بقاء تلك النخب محصنة ضد المنطق السليم للجمهور البريطاني لا يؤكد إلا على شيء واحد، وهو أنهم فقدوا حقهم في الحكم.
إقرأ المزيد


