الجزيرة.نت - 3/11/2026 11:03:42 AM - GMT (+3 )
مراكش- داخل ورشة صغيرة في أزقة المدينة القديمة بمراكش، تتناثر قطع قصدير لامعة وألواح زجاج ملوّن بأحجام مختلفة، بينما ينهمك صانع أربعيني في تشكيل قطعة معدنية صغيرة، يطرقها برفق ثم يضغطها بين أصابعه قبل أن يثبتها بدقة في هيكل فانوس لم يكتمل بعد.
تمتزج رائحة المعدن بعبق اللحام الخفيف، فيما ينبعث من مذياع قديم صوت تمثيلية رمضانية يعاد بثها كل عام، في مشهد يختلط فيه العمل اليدوي بذاكرة الشهر الكريم.
إلى جانب الصانع يقف عبد السلام، وهو تاجر متجول في بداية الثلاثينيات، يراقب خطوات العمل باهتمام. يمسك فانوسا صغيرا ويرفعه نحو الضوء ليفحص انعكاس الزجاج الملوّن على جوانبه.
ترتبط علاقة عبد السلام بهذه الورشة منذ نحو سبع سنوات، منذ أن بدأ يبيع الفوانيس للمقاهي والمطاعم خلال شهر رمضان. ومع مرور الوقت، أصبح يعرف تفاصيل هذه الحرفة كما يعرفها أصحابها.
"حين أرى الضوء يمر عبر الزجاج بهذه الطريقة أعرف أن القطعة نجحت. الزبائن غالباً يقررون الشراء بعد أن يروا الفانوس مضاء، فالضوء هو أفضل بائع"، يقول عبد السلام للجزيرة نت مبتسماً
بداية الحكايةلم يبدأ عبد السلام عمله بتجارة الفوانيس. فقد جرّب قبل ذلك بيع سلع مختلفة، قبل أن يكتشف عالم هذه الحرفة القائمة على المعدن والزجاج. ومع الوقت تعلّم كيف تتحول قطعة قصدير بسيطة إلى فانوس يبعث الضوء بألوان متعددة.
يقول عبد السلام -وهو يراقب الصانع يثبت قطعة جديدة في مكانها- "رمضان هو موسم الضوء، والناس تريد شيئا مختلفا عن بقية أيام السنة".
لكن صناعة الفانوس ليست عملية سريعة كما قد تبدو. تبدأ الرحلة بورقة معدنية رقيقة تُقص وفق قياسات دقيقة، ثم تُرسم عليها الزخارف قبل أن تبدأ عملية التخريم والتشكيل التي تنتج رسوما هندسية معقدة. بعد ذلك تُطلى القطع بمواد خاصة للحفاظ على بريقها، ثم يُثبّت الزجاج المعشق قطعة قطعة داخل الهيكل المعدني.
إعلان
وفي كل مرة يحاول عبد السلام أن يجرب هذه الخطوات بنفسه، واضعا لمساته الخاصة رغم أن إتقانها يحتاج إلى خبرة طويلة. ويقول وهو يقلب قطعة زجاج خضراء بين أصابعه: "التفاصيل الصغيرة هي التي تحدد جودة الفانوس وثمنه في السوق".
حسابات صغيرةيتحفظ الصانع الأربعيني عن ذكر عدد القطع التي ينجزها يوميا، مكتفياً بالقول: "كل يوم ورزقه"، فالإنتاج يختلف حسب حجم الفانوس وتعقيد زخرفته وطلبات الزبائن.
أما عبد السلام فيقول إنه يبيع عادة ما بين 5 و 10 قطع في الليلة الواحدة خلال موسم رمضان.
وتبدأ تكلفة القطعة الواحدة من نحو 25 درهماً مغربياً (2.5 دولارات)، وقد تصل إلى 500 درهم (50 دولارا) أو أكثر عندما يكون الفانوس أكبر حجما أو يحتوي على زخارف وزجاج أكثر تعقيداً. بعد ذلك يأتي هامش الربح الذي يتقاسمه الصانع والتاجر، ويتراوح غالباً بين 10% و50% بحسب مهارة التفاوض وحركة البيع في السوق.
ويقول عبد السلام وهو يرتب بعض القطع في حقيبته: "البيع يحتاج قليلاً من الحظ… وأحيانا كثيرا من الصبر".
بالنسبة للصانع، لا تُقاس قيمة الفانوس بالأرقام فقط. فكل قطعة تحمل ساعات طويلة من العمل اليدوي، تبدأ بالرسم والتخريم، ثم اللحام والتلميع. وحين تُشعل القطعة للمرة الأولى يشعر بأن الجهد كله تحوّل إلى نور.
الضوء يجذب السياحفي أحد الممرات السياحية داخل المدينة القديمة، يضع البائع عبد الواحد فوانيسه على الأرض ويشعل بعضها مع حلول المساء. وحين تمر مجموعات من السياح، يلفت الضوء الملوّن انتباههم سريعا.
يقول عبد الواحد للجزيرة نت: "السائح قد لا يعرف قصة الفانوس، لكنه ينجذب إلى الضوء وألوانه، وهذا يكفي أحياناً ليقرر الشراء".
ويضيف أن عرض الفوانيس بهذه الطريقة يفرض عليه إشعال عدد من الشموع قد تصل كلفتها إلى نحو 150 درهما يوميا (15 دولارا)، وهو ما يزيد من النفقات، لكن الأرباح تبقى مقبولة وتساعده على إعالة أسرته.
ولا يقتصر بيع الفوانيس على العرض المباشر في الأسواق، إذ يفضل الصانع عبد العالي العمل بنظام الطلبات المسبقة، حيث يصنع القطع وفق رغبات الزبائن.
ويثق عبد العالي كثيرا في جودة عمله، حتى إنه يقترح أحيانا اختبار تسرب الماء عبر مفاصل اللحام لإثبات إحكام الصنعة، ويقول "حين يطلب الزبون قطعة خاصة يشعر أنها صنعت له وحده، لذلك أفضل العمل على فانوس واحد كبير لعدة أيام بدل إنتاج قطع صغيرة كثيرة".
يرجّح بعض الحرفيين أن صناعة الفوانيس وصلت إلى المنطقة قبل قرون بتأثيرات شرقية، لكنها اكتسبت مع الزمن طابعاً محليا وأصبحت جزءا من الأجواء الرمضانية في المدن القديمة بالمغرب.
ورغم أن شهر رمضان يظل ذروة الموسم، فإن الطلب على الفوانيس لم يعد يقتصر عليه فقط، فمراكش تستقبل الزوار طوال العام، ويزداد الإقبال خلال المواسم السياحية ونهايات الأسبوع.
"رمضان يبقى الموسم الأقوى، لكن البيع لا يتوقف تماماً بعده، وهذا ما سمح لبعضنا بتحويل هذه التجارة من نشاط موسمي إلى عمل شبه دائم"، يقول عبد الواحد.
إعلان
وينهي عبد الواحد وعبد السلام عملهما بعد منتصف الليل. وفي اليوم التالي يكتفي عبد الواحد بإرسال تذكير بطلبات جديدة إلى الصانع، بينما يفضل عبد السلام العودة إلى الورشة في ساعات ما بعد الظهر ليشهد ميلاد فانوس جديد، يستعد بدوره لرحلة أخرى بين أزقة المدينة، حاملا معه شيئا من ضوء الورشة وروح حرفة تتجدد مع كل رمضان.
إقرأ المزيد


