فيديو.. صائمون يفطرون على حواجز وبوابات الاحتلال بالضفة
الجزيرة.نت -

جنين- بوجه شاحب، وجسد متعب، وعيون متراخية، تجلس الستينية أم عدنان في مركبة نجلها منذ وقت ليس بالقصير، في انتظار وصولها إلى نقطة التفتيش الإسرائيلية، على حاجز دير شرف غربي مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، فيما يصطف سرب طويل من المركبات بانتظار إشارة الجندي للتقدم والتفتيش وتدقيق الهويات.

رحلة أم عدنان لعبور الحاجز بدأت مع ساعات صباح 22 رمضان، قادمة من بلدتها عتيل في محافظة طولكرم، إلى مستشفى النجاح الجامعي في نابلس، بعد تعرضها لانخفاض كبير في مستوى السكر في الدم كاد يدخلها في "غيبوبة سكر"، مما اضطر أولادها لنقلها بشكل عاجل لتلقي العلاج.

لكن الرحلة التي كان من المفترض أن تستغرق نصف ساعة من المستشفى إلى المنزل، تحولت لانتظار استمر أكثر من ساعتين على الحاجز بعد إغلاقه من قبل جنود الاحتلال وفرض تفتيش دقيق للمركبات والشاحنات التي تمر من خلاله.

حواجز الاحتلال وبواباته العسكرية تستنزف أوقات الفلسطينيين يوميا (الجزيرة)
فريسة الحاجز

بصعوبة كبيرة تحدثت المسنة الفلسطينية للجزيرة نت عن لحظات الانتظار؛ حيث "يمر وقت طويل حتى تتحرك عجلات السيارة خطوة واحدة، الوقت لا يمضي على الحاجز، كأنني مكثت يوماً كاملاً هنا، يستلذ جنود الاحتلال في تعذيبنا".

تنهدت أم عدنان قبل أن تكمل وصف حالتها "أنا مريضة بالسكري، وخرجت من المستشفى لأرتاح في منزلي لكني عالقة هنا منذ ساعات".

ومع بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، سارع جيش الاحتلال إلى إغلاق الضفة الغربية بشكل كامل، وقطع الطرق الرابطة بين المدن الرئيسية من جهة، وبين المدن وقراها من جهة أخرى، وذلك بإغلاق قرابة 1000 حاجز وبوابة عسكرية موجودة مسبقا، وفق بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، كما أن تصوير الحواجز أصبح تهمة حتى بالنسبة للصحفيين.

متطوعو الهلال الأحمر يوزعون المياه والتمور على الصائمين في شارع جنين-نابلس (الجزيرة)
طوابير سيارات مع موعد الإفطار

على حاجز دير شرف، أحد أشهر حواجز الضفة وأكثرها صعوبة، كانت أعداد المركبات الفلسطينية تزداد مع اقتراب موعد الإفطار، في حين تتعمد قوات الاحتلال تشديد الإجراءات.

إعلان

وبعد سماع الأذان من مكبرات أقرب مسجد في بلدة دير شرف، بدأ الفلسطينيون كسر صيامهم بما توفر معهم من الماء أو العصير، فيما استطاع عدد منهم شراء "وجبات الحمص أو الفول والفلافل" من البسطات القريبة.

عن مشاهداته يقول شاهر يامين وهو من نابلس، ويوزع عصير "التمر الهندي" على حاجز دير شرف منذ بداية الشهر الفضيل: "الناس تفطر بشكل يومي هنا على الحاجز. الأوضاع صعبة جداً، إغلاق بوابة دير شرف يسبب أزمة خانقة. أحياناً يعتدي الجنود على أصحاب السيارات، وفي أحيان أخرى يتم احتجازهم لساعات".

ويلاحظ يامين أن الجنود الموجودين بالقرب من البوابة يفتحونها بشكل مفاجئ قبل الخمس دقائق الأخيرة من موعد الأذان، ثم يعيدون إغلاقها فوراً، وهو ما يضاعف معاناة الناس الذين يحاولون التدافع للمرور.

أين يحدث هذا في العالم؟

"أين تجد في كل العالم صائماً محتجزاً وراء بوابة عسكرية يفطر مجبراً في الشارع؟ هذا يحدث هنا فقط نحن نختلف عن كل دول العالم"، يصف التاجر محمد دويك لحظات انتظاره على الحاجز حيث يضطر للإفطار مرة على الأقل أسبوعياً عند الحاجز ذاته في طريق عودته إلى منزله.

ودويك تاجر من الخليل يزور مدينة نابلس باستمرار بحكم عمله، لكنه يرى أن إجراءات الاحتلال زادت بشكل كبير خلال شهر رمضان، حيث تُغلق الحواجز بشكل متعمد في أوقات حساسة كموعد الإفطار.

وحول نابلس، كبرى مدن شمال الضفة، ينصب الاحتلال الإسرائيلي 10 حواجز عسكرية ثابتة وأخرى متحركة، وما لا يقل عن 20 بوابة يعزل ويغلق بها عشرات القرى في المحافظة.

وتقول الأمم المتحدة إن البوابات العسكرية وغيرها من العوائق، مثل السواتر الترابية الكبيرة والكتل الخرسانية، تقيّد حرية حركة الفلسطينيين والوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم، وتمنع السيارات من المرور.

كما تجبر الحواجز العسكرية والبوابات السكان الفلسطينيين، البالغ عددهم 3 ملايين نسمة، على سلوك طرق بديلة طويلة، فأصبحت رحلة من 20 دقيقة تستغرق ساعات.

منذ مطلع رمضان يتعمد جيش الاحتلال إغلاق حاجز دير شرف قبيل وقت الإفطار (الجزيرة)
متطوعون في خدمة المنتظرين

وعلى الطريق الواصل بين مدينتي جنين ونابلس، وتحديداً عند مدخل بلدة بُرقة، وقفت مجموعة متطوعة من الهلال الأحمر الفلسطيني لتوزيع التمر والماء على الفلسطينيين العالقين.

ويقول المتطوع علاء بزاري -للجزيرة نت- إن مستوطناً حاول قبل يومين دهس عدد من المتطوعين أثناء عملهم على الطريق.

ويضيف " نحن هنا منذ عشرة أيام لتوزيع الماء والتمر على المارين الذين تقطعت بهم السبل بسبب إغلاق الحواجز. نشهد أيضاً إغلاقات للطريق من قبل المستوطنين وأعمال تهديد بشكل شبه يومي".

وبحسب بزاري، توزع المجموعة يومياً ما بين 200 و270 كوب ماء على السائقين والمركبات المارة على طريق جنين-نابلس.

حواجز تفسد أجواء رمضان

ويضطر سكان محافظة جنين، البالغ عددهم نحو 356 ألف نسمة بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، إلى المرور عبر 3 حواجز للوصول إلى مدينة نابلس، أكبر مركز اقتصادي وتعليمي بشمال الضفة، وهذه الحواجز هي: "حومش" و"شافي شمرون"، و"دير شرف".

ومنذ اندلاع المواجهة العسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، تغلق إسرائيل حاجز حومش بشكل كامل وتمنع مرور أي فلسطيني من خلاله، ما دفع الناس إلى سلوك طرق بديلة وعِرة وغير مؤهلة لتجاوز بضعة أمتار هي المسافة من نهاية بلدة سيلة الظهر جنوب جنين حتى بداية الشارع الرئيسي "جنين-نابلس".

إعلان

يقول محمد الصيفي من قرية الفندقومية جنوب مدينة جنين، الذي سلك طريقاً بديلا للخروج من جنين، إن معاناته اليومية للوصول إلى نابلس أقل من معاناة غيره من القادمين من رام الله مثلاً إلى منازلهم في جنين، وما يصادفونه من عدد كبير من الحواجز على الطريق.

الاحتلال يخنق مدن وقرى الضفة بنحو 1000 بوابة وحاجز عسكري (الجزيرة)
4 ساعات يوميا

ويعتبر الفلسطينيون شهر رمضان مناسبة للتجمعات العائلية وصلة الرحم وإقامة موائد الإفطار الجماعية وإحياء عادات وطقوس تراثية، غير أن الإغلاقات الإسرائيلية الأخيرة حدّت من هذه التجمعات.

يقول عبد الرحمن إبراهيم (34 عاماً) من مدينة رام الله للجزيرة نت، إنه لم يستطع الاجتماع مع أخواته الثلاث اللواتي يعشن في مدن مختلفة منذ بداية رمضان. مضيفا "رتبت دعوة عائلية على الإفطار مرتين منذ بداية الشهر، لكنني لم أصل في الموعد في أي مرة".

ويعمل عبد الرحمن في توريد البضائع إلى متاجر بيع الإطارات ومستلزمات السيارات، ويتنقل بين عدة مدن في الضفة الغربية، وقال "أخرج صباحا من رام الله إلى طولكرم وطوباس وأحيانا نابلس، لكنني أمضي يومياً ما لا يقل عن 4 ساعات على الحواجز فقط، غير وقت الطريق نفسه".

ويضيف أن حياة الفلسطينيين تحولت إلى ما يشبه السجن الكبير بسبب القيود المفروضة على الحركة، لكن لخصوصية الشهر الفضيل زادت المعاناة على الصائمين الذين يضيع يومهم على الحاجز أو في سلوك طرق التفافية صعبة وخطرة.

ويختتم قائلا "الحواجز سرقت منا حياتنا، وليس فقط وقتنا. إغلاق المدن والقرى بالبوابات الحديدية يعني تحويلها إلى معتقلات، وحرمان الفلسطينيين من التواصل مع بعضهم. البلدات أصبحت معزولة عن بعضها بكل معنى الكلمة".



إقرأ المزيد