"نقض الغزل".. كيف يحذرنا القرآن من إبطال العمل بعد إتقانه
الجزيرة.نت -

رصدت سورة النحل صورةً بلاغية بالغة الدلالة، ضرب فيها الله مثلاً بامرأة أفنت وقتها في نسج غزلها ثم نقضته بيدها دون مسوّغ، في تصوير قرآني لافت لآفة الغدر وانتهاك المواثيق بعد توثيقها.

وتتجاوز هذه الصورة حدود السرد التاريخي لتُؤسّس قاعدة أخلاقية وسلوكية جامعة، تُلزم الفرد والمجتمع بالحفاظ على العهود والوفاء بها، وتنهى عن إبطال العمل بعد إتقانه سواء في علاقة الإنسان بربه أو في معاملاته مع الناس.

ويستعرض برنامج "دون اسم" في حلقة (2026/3/12) وهذا رابطها القصة القرآنية، فيكشف عن هوية المرأة التي ذُكرت في الآية الكريمة، ويوضح البرنامج أن بعض المفسرين يرون أنها ريطة بنت عمرو المعروفة بـ"الخرقاء" أو "جعرة"، وهي امرأة عُرفت في مكة بعادة غريبة إذ كانت تغزل خيطها بإتقان طوال النهار، ثم تعود في نهايته فتنقضه كله بعد أن اشتد وقوي.

ويتناول البرنامج تفسير هذه الآية فيذكر أن الفعل هنا هو العبرة الأساسية، سواء كانت المرأة حقيقية أم مجرد مثال.

فالمشهد القرآني للغزل والنقض يستخدم للتحذير من 3 فئات: أولئك الذين يبرمون العهود والمواثيق ثم ينقضونها بعد توكيدها، والذين يقسمون الأيمان المؤكدة ثم يستهينون بها ويخونونها، والمنافقين الذين يظهرون الإيمان فإذا رأوا مصلحة مع الكافرين مالوا إليهم.

وفي السياق ذاته، يربط البرنامج هذا المثل القرآني بواقع المجتمعات الجاهلية التي كانت تعقد العهود مع قبيلة فإذا ظهرت قبيلة أقوى نقضوا عهدهم الأول ومالوا إلى الجديدة، ويشير إلى أن المفسر مجاهد أكد هذا المعنى، مما يجعل الآية تحذيراً صريحاً من سلوك المنافقين الذين يتقلبون مع المصالح.

نقض العهود

ويتطرق البرنامج إلى كلمة "أنكاثاً" التي تعني أن العمل ينفرط بسرعة، فيلفت الانتباه إلى سهولة إضاعة الجهد المبذول، ويؤكد البرنامج أن الله يختبر عباده بهذا الأمر، فليس المطلوب فقط إبرام العهود بل الوفاء بها وعدم نقضها لمصلحة دنيوية عابرة.

ويشير البرنامج إلى بعد آخر في فهم الآية من خلال كلام الحسن البصري الذي يرى أنها تشير إلى المنافقين الذين يظهرون شيئاً ويؤكدونه فيصدقهم الناس ثم ينقضونه، وهذا يؤدي إلى زوال الثقة التي لا تعود بسهولة، سواء في العلاقة مع الله أو مع البشر، خصوصاً إذا كان العهد كتابة وتوقيعاً أو أيماناً موثقة.

كما يتناول المضمون أيضاً العلاقة مع الله في شهر رمضان، فيحذر من أن يكون المسلم كتلك المرأة التي تجتهد في العبادة خلال الشهر الفضيل ثم تعود بعد انتهائه فتنقض غزلها وتهمل العبادة وكأن الدين في رمضان فقط.

ويخلص البرنامج إلى أن العبرة من قصة المرأة التي نقضت غزلها تمتد لتشمل كل من يبطل عمله بيده بعد إتقانه، سواء في العلاقة مع الله أو مع الناس، فالآية تدعو إلى الصدق في الأقوال والأفعال، وتحذر من استعمال الأيمان وسيلة للغش والتلبيس.

Published On 12/3/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد