الجزيرة.نت - 3/12/2026 3:49:53 PM - GMT (+3 )
لم يكن من السهل تاريخيا أن تجد الرواية الفلسطينية طريقها إلى الشاشة العالمية، خصوصا داخل هوليوود التي ظلت لعقود طويلة فضاء صعب الاختراق أمام السينما القادمة من الشرق الأوسط.
لكن موسم الجوائز الذي يسبق حفل الأوسكار الـ98 بدا مختلفا بشكل غير مسبوق، إذ وصلت ثلاثة أفلام تحمل الرواية الفلسطينية بصورة مباشرة إلى القائمة المختصرة للأوسكار. وهو ما يدفع الكثيرين في الوسط السينمائي إلى طرح السؤال الأهم حول بداية كسر الحصار الثقافي الذي طالما أحاط بسردية فلسطين في السينما العالمية.
كان تاريخ حضور السينما الفلسطينية في الأوسكار طويلا ومتقطعا، ففي عام 2003 شاركت فلسطين لأول مرة بفيلم "يد إلهية" للمخرج إيليا سليمان، لكن الفيلم لم يصل إلى الترشيح النهائي.
وبعد ثلاث سنوات جاء فيلم "الجنة الآن" للمخرج هاني أبو أسعد ليحقق أول ترشيح فلسطيني في فئة أفضل فيلم أجنبي عام 2006، رغم الضغوط التي مورست حينها على الأكاديمية لتغيير توصيف الدولة في الترشيح. وفي عام 2014 عاد أبو أسعد مجددا بفيلم "عمر" ليحصد الترشيح الفلسطيني الثاني. بعدها ظل الطريق إلى الأوسكار صعبا حتى جاء عام 2025 حين حقق الفيلم الوثائقي "لا أرض أخرى" أول فوز فلسطيني في تاريخ الجائزة.
واليوم، في موسم 2026، تظهر لحظة جديدة حين تجتمع ثلاثة أفلام تدور حول فلسطين أو تستند إلى تاريخها وقصصها المعاصرة.
"صوت هند رجب".. مأساة تتحول إلى شهادة سينمائيةأبرز هذه الأفلام هو "صوت هند رجب" للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، المرشح رسميا لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي. ويستند الفيلم إلى حادثة واقعية حدثت في 28 يناير/كانون الثاني 2024، عندما أجرت طفلة فلسطينية تبلغ ست سنوات مكالمتها الأخيرة مع الهلال الأحمر الفلسطيني.
يعتمد فيلم "صوت هند رجب" بشكل أساسي على التسجيلات الصوتية الحقيقية لاستغاثتها ومكالماتها مع طواقم الهلال الأحمر، محولا هذه الذاكرة الصوتية المؤلمة إلى شهادة سينمائية عالمية تدين العنف وتنتصر للإنسان.
إعلان
وتعيد كوثر بن هنية بناء الدقائق الأخيرة من حياة الطفلة هند رجب عبر تسجيلات صوتية أصلية ومواد أرشيفية، في تجربة سينمائية تجمع بين التحقيق الوثائقي والتجربة السمعية البصرية.
وحظي الفيلم باستقبال استثنائي في مهرجان فينيسيا، حيث وقف الجمهور مصفقا له لمدة 23 دقيقة، وهي مدة قيل إنها من أطول فترات التصفيق في تاريخ المهرجان.
تقول بن هنية إن الترشيح للأوسكار لا يتعلق بها شخصيا بقدر ما يتعلق بالطفلة التي أصبحت رمزا إنسانيا للقصة التي يرويها الفيلم. فبحسب تصريحاتها، حاول العمل أن يجعل الجمهور لا يكتفي بمعرفة ما حدث، بل أن يشعر به أيضا.
وأثار الفيلم اهتماما عالميا بسبب الجدل الذي صاحب مسيرة مخرجته، خصوصا عندما رفضت استلام جائزة "سينما من أجل السلام" (Cinema for Peace) في برلين احتجاجا على عدم العدالة تجاه الفلسطينيين.
"فلسطين 36".. التاريخ يعود إلى الشاشةالفيلم الثاني هو "فلسطين 36" للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، الذي وصل إلى القائمة القصيرة للأوسكار أيضا. يستعيد الفيلم فترة تاريخية مهمة من تاريخ فلسطين، إذ تدور أحداثه حول الثورة الفلسطينية ضد الانتداب البريطاني بين عامي 1936 و1939. ويبرز العمل كواحد من أضخم الإنتاجات السينمائية الفلسطينية، مصورا دور الحقبة الاستعمارية في صياغة واقع المنطقة المعاصر.
عملت المخرجة آن ماري جاسر على المشروع لسنوات، حيث بنت قرية كاملة تعود إلى تلك الفترة وصممت الأزياء والمركبات الخاصة بها، لكن اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 أجبر فريق العمل على نقل التصوير من الضفة الغربية إلى الأردن.
فيلم "فلسطين 36″، الذي يقوم ببطولته هيام عباس وصالح بكري وجيريمي آيرونز وليام كانينغهام، يقدم قراءة درامية للتاريخ الفلسطيني من خلال شخصيات تعيش في قلب تلك الثورة.
وحظي الفيلم باستقبال حار في مهرجانات دولية، منها مهرجان تورنتو السينمائي حيث تلقى تصفيقا استمر عشرين دقيقة.
لكن "فلسطين 36" أثار أيضا جدلا سياسيا عندما داهمت الشرطة الإسرائيلية عرضا له في "مركز يابوس الثقافي" بالقدس الشرقية، وفرضت حظرا على عروضه، بحجة أنه يروّج لمنظمة إرهابية، وهو اتهام رفضته المخرجة بشدة.
"اللي باقي منك".. حكاية ثلاثة أجيالالفيلم الثالث الذي يطرح الرواية الفلسطينية في هذا الموسم هو "اللي باقي منك"، أو (كل ما تبقى منك)، للمخرجة الأردنية الأمريكية شيرين دعبيس. يتتبع الفيلم قصة ثلاثة أجيال من الفلسطينيين تمتد من عام 1948 وحتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، في ملحمة إنسانية تستكشف كيف تنتقل الذاكرة الجماعية من جيل إلى آخر.
اضطرت شيرين إلى نقل تصوير الفيلم من فلسطين إلى عدة دول منها قبرص والأردن واليونان بسبب الحرب، كما شاركت بنفسها في التمثيل إلى جانب إخراج العمل.
ويقدم الفيلم قراءة درامية لمسار عائلة فلسطينية عبر عقود، حيث تتقاطع قصص الحب والهجرة والذاكرة مع التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة. وقد اعتبرت شيرين أن وصول أفلام فلسطينية متعددة إلى موسم الجوائز يعكس أخيرا اعترافا متأخرا بأهمية هذه القصص في السينما العالمية.
إعلان
لم يكن التحدي الأكبر أمام هذه الأفلام، فقط، في التواصل مع المهرجانات أو الترشيحات، بل في الوصول إلى الجمهور الأمريكي نفسه. فكثير من شركات التوزيع الكبرى في هوليوود فضلت الابتعاد عن هذه الأعمال، ما دفع صناعها إلى التعاون مع شركات صغيرة مستقلة.
فقد انتهى توزيع "صوت هند رجب" مثلا مع شركة "ويللا" (Willa)، بينما حصل فيلم "فلسطين 36" على توزيع شركة "ووترميلون بيكتشرز" (Watermelon Pictures).
وتعكس تلك الصعوبات معركة أكبر تخوضها السينما الفلسطينية في السوق الأمريكية، حيث يمكن للأفلام أن تحقق حضورا نقديا كبيرا في المهرجانات لكنها تواجه عراقيل عند محاولة الوصول إلى دور العرض أو المنصات الرقمية.
وقد أثيرت هذه القضية بقوة عندما أزيلت عشرات الأفلام الفلسطينية من مكتبة منصة نيتفليكس (Netflix) عام 2024، في خطوة اعتبرها كثيرون مثالا على هشاشة حضور هذه السينما في المنصات العالمية.
نجوم يرفعون الصوتفي مواجهة هذه الصعوبات، ظهرت حملات تضامن واسعة من نجوم السينما العالمية لدعم هذه الأفلام. فقد شارك عدد من الممثلين والمخرجين في حملة "توكينغ باليستاين 36″، (Talking Palestine 36)، التي دعت إلى دعم الفيلم الفلسطيني وإتاحة عرضه عالميا.
ومن بين الأسماء التي دعمت الحملة: مارك روفالو وسوزان ساراندون وريز أحمد ودييغو لونا وآفا دوفيرناي وميرا نير، وهي أسماء بارزة في صناعة السينما العالمية.
هذا الدعم يعكس تحولا في النقاش داخل هوليوود، حيث أصبح الفنانون أكثر استعدادا للتحدث علنا عن القضايا السياسية والإنسانية المرتبطة بالشرق الأوسط، وهو أمر كان نادرا في الماضي.
لحظة تاريخية بالأرقامتكشف الأرقام المرتبطة بهذا الموسم السينمائي عن تحول واضح. فوجود ثلاثة أفلام فلسطينية في القائمة المختصرة للأوسكار في عام واحد يمثل رقما غير مسبوق في تاريخ الجائزة. ويعد ترشيح كوثر بن هنية للأوسكار حدثا لافتا، إذ يعد الأول من نوعه لمخرجة عربية.
قد لا يكون وصول هذه الأفلام إلى الأوسكار نهاية الطريق، لكنه بالتأكيد لحظة مفصلية في مسار السينما الفلسطينية والعربية. فالحصار الثقافي الذي طالما اشتكى منه صناع هذه الأفلام لا ينكسر عادة بضربة واحدة، بل عبر تراكم طويل من الأعمال والنجاحات والجوائز.
وتختصر لغة الأرقام الحكاية كلها؛ فبينما سجلت السينما الفلسطينية حضورا متفرقا على مدار عقدين (منذ 2003 وحتى 2024) تمثّل في ترشيحين وفوز يتيم بالجائزة، يأتي موسم 2026 ليحدث خرقا غير مسبوق؛ إذ تتنافس ثلاثة أفلام فلسطينية دفعة واحدة في القائمة المختصرة للأوسكار.
ويمثل الحدث الفلسطيني السينمائي تطورا سينمائيا، ويعلن بوضوح أن الرواية الفلسطينية لم تعد مجرد "استثناء" عابر، بل أصبحت صوتا أصيلا وراسخا في قلب المشهد السينمائي العالمي.
وعندما تُوزع جوائز الأوسكار في مسرح دولبي بهوليوود، قد يكون الترشيح نفسه أهم من النتيجة. فمجرد وصول هذه الأفلام إلى هذا المنبر العالمي يعني أن القصص التي ظلت لسنوات طويلة على هامش السينما العالمية بدأت تجد طريقها أخيرا إلى مركزها.
إقرأ المزيد


