الجزيرة.نت - 3/13/2026 10:10:58 PM - GMT (+3 )
تعكس صدمة توقف الغاز القطري هشاشة التوازن القائم في سوق الغاز الطبيعي المسال، إذ يتعلق الأمر بتعطل أحد الأعمدة التي تستند إليها تجارة الغاز العالمية خلال السنوات الأخيرة، في لحظة لا تزال فيها الأسواق تتعافى من آثار تقليص الإمدادات الروسية إلى أوروبا، وتواجه في الوقت نفسه اختناقات لوجستية ومخاطر جيوسياسية متصاعدة.
ومع إعلان قطر للطاقة وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد الهجمات التي طالت منشآت في رأس لفان ومسيعيد، قفزت أسعار الغاز في أوروبا وآسيا بوتيرة حادة، في استجابة مباشرة لفقدان السوق مصدرا يمثل وحده نحو خمس تجارة الغاز المسال في العالم.
ويأتي ذلك في وقت كشفت فيه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن ارتفاع أسعار الغاز بنسبة 50% وأسعار النفط بنسبة 27% في أوروبا منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مضيفة أن 10 أيام من الحرب كلفت دافعي الضرائب الأوروبيين نحو 3 مليارات يورو (نحو 3.5 مليارات دولار) إضافية من واردات الوقود الأحفوري.
ولم تكن الصدمة مرتبطة فقط بحجم الإمدادات المفقودة، بل أيضا بموقع قطر داخل منظومة العقود طويلة الأجل، ففي عام 2025، شحنت قطر للطاقة ما يقارب 81 مليون طن متري من الغاز الطبيعي المسال. وساهمت هذه الكميات في تحقيق التوازن في الأسواق، لا سيما في آسيا وأوروبا.
ويتم تصدير أكثر من 80% من إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الآسيوية، بما في ذلك الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية، كما تعد أوروبا مشتريا رئيسيا بموجب عقود طويلة الأجل.
ورغم أن هذا التوقف لا يعني خروجا دائما للغاز القطري من السوق، فإن مجرد انقطاعه أسابيع يكفي لدفع الأسعار إلى مستويات مضطربة، وإعادة فتح سؤال أكثر إلحاحا: هل يملك العالم فعليا بديلا للغاز القطري؟
تكمن صعوبة تعويض الغاز القطري في أن السوق العالمية لا تتعامل مع فائض كبير يمكن استدعاؤه فورا عند الطوارئ، بل مع منظومة تعمل بالأساس تحت ضغط طلب مرتفع، وبقدرات تسييل وشحن وتوريد مرتبطة بعقود طويلة الأمد. ولهذا فإن خروج قطر، ولو مؤقتا، لا يخلق مجرد نقص كمي، بل يربك آلية التوازن نفسها بين المنتجين والمشترين.
إعلان
ويؤكد إد كوكس، رئيس قسم الغاز الطبيعي المسال العالمي في شركة "ICIS" المستقلة لتوفير بيانات السلع الأساسية، أن السوق العالمية لا تستطيع التوازن من دون الغاز القطري، موضحا أن قطر وحدها توفر قرابة 80 مليون طن من أصل نحو 440 مليون طن من المعروض السنوي العالمي، وهو ما يفسر القفزات السريعة والتقلبات الحادة في الأسعار الأوروبية والآسيوية منذ أصبح مضيق هرمز مغلقا فعليا أمام التدفقات الطبيعية.
ويشير كوكس في حديث للجزيرة نت إلى أن قطر توفر 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، ولذلك فإن أي اضطراب ممتد في المنطقة لا يضغط على الأسعار فقط، بل يضرب أساس الاستقرار في السوق، خاصة مع حرص البائعين والمشترين على استئناف التدفقات بأسرع وقت ممكن، مما يعني أن الجميع يدرك حجم الكلفة المترتبة على استمرار الانقطاع.
من جهته، قال تشارلز كوستروس، كبير محللي الغاز الطبيعي المسال في شركة كيبلر، إن المنشأتين القطريتين اللتين تعرضتا لهجوم إيراني كانتا تملكان مخزونا كافيا لمواصلة التصدير مدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أيام.
وأضاف في تصريح لموقع "بوليتيكو" الأمريكي أن توقف الإنتاج أسبوعيا سيؤدي إلى خسارة ما بين 1.6 مليون و1.8 مليون طن من صادرات الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية.
وتزداد أهمية هذه الفجوة إذا ما أُخذ في الاعتبار أن كثيرا من المشترين، خاصة في آسيا، بنوا أمنهم الطاقي على افتراض استمرار التدفقات القطرية وفق عقود مستقرة وطويلة الأمد، لا على أساس الاعتماد على السوق الفورية، لذلك فإن البديل هنا ليس مجرد شحنة إضافية من منتج آخر، بل إعادة تشكيل مكلفة ومعقدة لتدفقات تجارية وعقود تم بناؤها على مدى سنوات.
آسيا قلب الصدمةوترى خبيرة شؤون الطاقة لوري هايتايان أن توقف الغاز القطري يعني عمليا فقدان 20% من احتياجات الأسواق العالمية من الغاز المسال، وهو رقم كاف بحد ذاته لدفع العقود المستقبلية إلى الارتفاع تحسبا لتضييق واسع في السوق. وتوضح أن آسيا ستكون المنطقة الأكثر تأثرا، لأن قطر تميل أساسا إلى العقود الثابتة وطويلة الأمد مع شركائها، ولا سيما في الأسواق الآسيوية.
وتضيف هايتايان في حديث للجزيرة نت أن الدول الآسيوية ليست في وضع واحد؛ فاليابان والصين وكوريا الجنوبية لها قدرات مالية تمكنها، إلى حد ما، من شراء البدائل عندما ترتفع الأسعار، سواء من الولايات المتحدة أو أستراليا أو من موردين آخرين. لكن المشكلة الحقيقية تظهر في الدول التي تعتمد على الغاز القطري بدرجة كبيرة ولا تستطيع تحمل القفزات السعرية، مثل باكستان وبنغلاديش، وربما بدرجات مختلفة الهند، إذ إن وجود البديل في السوق لا يعني بالضرورة القدرة على شرائه.
وتستحضر هايتايان تجربة أزمة الغاز بعد الحرب الروسية الأوكرانية، حين تمكن الاتحاد الأوروبي من شراء الغاز المسال بأسعار مرتفعة، بينما وجدت دول أخرى نفسها عاجزة عن المنافسة، مما تسبب في انقطاعات كهربائية وضغوط واسعة على اقتصاداتها. ومن هذا المنظور، فإن استمرار توقف الغاز القطري لا يعني فقط ارتفاع الأسعار، بل احتمال خروج بعض المشترين الأضعف من السوق فعليا، أو اضطرارهم للتحول إلى الفحم والفيول لتغطية الطلب المحلي.
بدائل غير كافيةمن الناحية النظرية، تبدو الولايات المتحدة المرشح الأول لالتقاط جزء من الفجوة، بحكم توسعها المستمر في صادرات الغاز المسال ومرونتها التجارية الأعلى مقارنة بكثير من المنتجين الآخرين. غير أن هذا المسار يصطدم بحدود فنية وزمنية واضحة، في ظل صعوبة استدعاء كميات ضخمة إضافية في غضون أيام أو أسابيع لتعويض انقطاع بهذا الحجم.
إعلان
ويشير إد كوكس إلى أن السوق تتوقع دخول نحو 30 مليون طن إضافية من الإمدادات العالمية هذا العام، يأتي معظمها من الولايات المتحدة، لكن هذه الكميات تبقى غير كافية لتعويض فقدان الغاز القطري إذا استمر التوقف أكثر من بضعة أسابيع. كما يؤكد أن نطاق الزيادة الممكنة في الصادرات الأسترالية محدود جدا، وهو ما يقلص خيارات التعويض السريع من المنتجين الكبار خارج الولايات المتحدة.
أما على المدى الأبعد، فيشير كوكس إلى أن السوق قد تستقبل نحو 250 مليون طن من الإمدادات الجديدة بحلول 2032، منها 64 مليون طن يفترض أن تأتي من التوسعات القطرية نفسها. لكن هذه المشاريع قد تتعرض للتأخير بسبب التطورات الأمنية، في حين أن الجزء الأكبر من الزيادة العالمية المرتقبة سيأتي من الولايات المتحدة، وبداية تأثيره الواسع لن تكون قبل أواخر 2027، مما يعني أن الحلول الهيكلية ليست متاحة لتخفيف صدمة آنية في 2026.
وتذهب هايتايان في الاتجاه نفسه، إذ ترى أن الولايات المتحدة تملك قدرة أكبر من أستراليا على تلبية احتياجات السوق مستقبلا، وأن ما يحدث قد يشكل حافزا للشركات الأميركية لتسريع الاستثمارات في قطاع الغاز المسال. كما قد يدفع أستراليا إلى توسيع إنتاجها. لكن هذا التحفيز الاستثماري لا يحل المشكلة الراهنة، لأن تطوير الحقول والتسييل وزيادة الطاقة التصديرية يحتاج إلى وقت، بينما تعمل السوق حاليا تحت ضغط نقص فوري وليس أمامها رفاهية انتظار سنوات.
الصعوبة الأخرى في تعويض الغاز القطري ترتبط بطبيعة سوق الغاز المسال نفسها، فهي ليست سوقا إقليمية مغلقة يمكن فيها عزل الأثر الجغرافي، بل هي سوق عالمية مترابطة تتفاعل فيها أوروبا وآسيا وأميركا مع بعضها بصورة مباشرة. لذلك فإن الضرر لا يقتصر على المستوردين المباشرين من قطر، بل يمتد إلى جميع المشترين تقريبا عبر الأسعار وتكاليف إعادة التوجيه والتنافس على الشحنات الفورية.
ويؤكد كوكس أن جميع مشتري الغاز المسال، باستثناء بعض الأسواق المحدودة، سيتأثرون بتوقف الغاز القطري، لأن التدفقات التجارية مترابطة على مستوى العالم. فحين ترتفع الأسعار في آسيا، تنجذب الشحنات المتجهة إلى أوروبا نحو الأسواق الأعلى سعرا، وحين تحاول أوروبا إعادة ملء مخزوناتها، تتزايد المنافسة على كل شحنة متاحة، مما يخلق سلسلة متواصلة من الضغوط تمتد تدريجيا كلما طال بقاء الإمدادات القطرية خارج السوق.
ولهذا لا تبدو المسألة مجرد تعطل في الإمدادات، بل إعادة تسعير شاملة للمخاطر في سوق لم تستكمل بعد تعافيها من آثار الأزمة الأوروبية السابقة. فالسوق ما زالت، بحسب كوكس، تحاول تجاوز تداعيات ارتفاع الأسعار الذي سببته التخفيضات الكبيرة في الغاز الروسي إلى أوروبا، وجاء توقف الغاز القطري ليضيف إليها طبقة جديدة من الهشاشة وعدم اليقين.
ولا يقف أثر توقف الغاز القطري عند حدود الأسعار الآنية، بل يمتد إلى حسابات العقود طويلة الأجل وخطط التوسع والاستثمار. فقطر ليست منتجا هامشيا يبيع معظم صادراته في السوق الفورية، بل أحد أهم الموردين الذين اعتمدوا نموذج العقود المستقرة مع المشترين، وهو ما جعلها جزءا من معادلة الأمن الطاقي في آسيا وأوروبا على السواء.
ومن هنا، فإن أي انقطاع طويل الأمد لا يعيد فقط توزيع الشحنات، بل يثير أيضا تساؤلات أوسع حول المخاطر الجيوسياسية الكامنة في الاعتماد على نقاط اختناق بحرية ومنشآت مركزة بهذا الحجم. كما أن احتمال تأجيل بعض توسعات قطر المستقبلية، كما أشارت هايتايان، يعني أن الاضطراب الراهن قد يترك بصمة تتجاوز 2026 إلى السنوات التالية، خاصة إذا أدت التطورات الأمنية إلى مراجعة الجداول الزمنية لمشاريع التوسعة الكبرى.
إعلان
إقرأ المزيد


