الجزيرة.نت - 3/14/2026 1:31:59 AM - GMT (+3 )
ناقشت حلقة “الشريعة والحياة في رمضان” معنى الذكر وآدابه وثمراته، وكيف يكون سبيلا للسكينة وترقية الإيمان، وحذّرت من الغفلة والانشغال بكل ما من شأنه أن يحرِم الإنسانَ لذة القرب من الله.
في زمن تتسارع فيه الإيقاعات اليومية وتزداد فيه مصادر التشتيت، يتجدد السؤال عن سر الطمأنينة التي يجدها المؤمن في ذكر الله، وكيف يمكن للإنسان أن يستعيد حضور قلبه في العبادة ويتغلب على الغفلة وشرود الذهن.
وفي حلقة من برنامج "الشريعة والحياة في رمضان" على منصة الجزيرة 360، تناول عضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الدكتور سالم الشيخي مفهوم الذكر وآدابه وثمراته، موضحا الطريق إلى لذة المناجاة الصادقة التي تُحيي القلوب وتمنح الإنسان سكينة روحية عميقة.
وأوضح الشيخي أن الذكر -بمعناه العام- هو استحضار العبد لربه في كل أحواله وحركاته وسكناته، مشيرا إلى أن جميع الطاعات التي شرعها الله تدخل ضمن هذا المعنى الشامل للذكر.
وأضاف أن التعليم والنصح والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلها صور من صور ذكر الله، لأن جوهر الذكر أن يكون الإنسان حاضرا مع ربه في أعماله وسلوكه ومسؤوليته تجاه الناس.
وبيّن أن الذكر -بالمعنى الخاص- يشمل ما يتعبد به المسلم بلسانه وقلبه من تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء وتلاوة للقرآن، مؤكدا أن القيمة الحقيقية لهذه العبادات لا تتحقق إلا إذا صاحبها حضور القلب.
وأشار إلى أن حركة اللسان قد يؤجر عليها الإنسان من فضل الله، لكن الذكر الذي يرفع الغفلة عن القلب هو ما اجتمع فيه اللسان مع استحضار المعاني وحضور القلب.
وتحدث عضو المجلس الأوروبي للإفتاء عن جملة من الآداب التي تعين المسلم على الانتفاع بالذكر، من أبرزها الاستعداد الظاهر بأن يكون المؤمن في أكمل حالاته عند ذكر الله، مثل الطهارة والتوجه إلى القبلة، لما في ذلك من استحضار للهيبة والشعور بالوقوف بين يدي الله.
كما لفت إلى أهمية الجلوس في حال من الوقار والسكينة بما يعكس الافتقار إلى الله، وهي هيئة تساعد القلب على التركيز والابتعاد عن التشتت.
الخلوة مع اللهوتوقف عند قيمة الخلوة مع الله، موضحا أن لحظات الانفراد بالذكر تمنح القلب صفاء خاصا، إلى جانب ما لمجالس العلم والذكر من فضل حين تقوم على الوقار والخشوع وتعظيم الله.
ومن العوامل المهمة لتحقيق حضور القلب أن ينتبه الإنسان لما يقطع عليه التدبر أثناء الذكر، لأن الشيطان قد يشغل الإنسان بأمور متعددة تصرفه عن صفاء العبادة.
وأوضح الشيخي أن من اللطائف التي ذكرها العلماء أن يبدأ المسلم ذكره بحمد الله والثناء عليه ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، قبل أن يسأل الله أن يرزقه حضور القلب والانتفاع بالذكر.
كما نصح بتخصيص أوقات ثابتة للذكر ومنع كل ما يشتت الانتباه خلالها، لأن الانشغال المتكرر بالهاتف أو بالمقاطعات المختلفة يبدد أثر الذكر ويمنع القلب من بلوغ حالة الصفاء.
وأشار إلى أهمية اختيار الأوقات الفاضلة للذكر، مثل ما بين الفجر وشروق الشمس، وما قبل الغروب وآخر الليل، ولو لدقائق معدودة، لما تحمله تلك اللحظات من سكينة وصفاء يعينان على حضور القلب.
وأكد أن كثيرا من العلماء والصالحين كانوا يعُدّون تلك الساعات من أثمن أوقات اليوم، لما يجدونه فيها من صفاء روحي وقرب من الله.
ثمرات الذكروفي حديثه عن ثمرات الذكر، أوضح الدكتور سالم الشيخي أن الناس غالبا ما ينظرون إليه باعتباره وسيلة لتحصيل الأجر الأخروي فقط، مع أن له آثارا واسعة في حياة الإنسان.
ومن أبرز هذه الثمرات الطمأنينة والسكينة التي وعد الله بها الذاكرين، إذ يجد الإنسان في الذكر ملجأ روحيا يبدد القلق والاضطراب ويمنحه الشعور بالقرب من الله.
وأشار إلى أن الذكر يسهم أيضا في ترقية الإنسان في مدارج الإيمان، لأن الطريق إلى مقام الإحسان يمر عبر تزكية القلب ومراقبة الله في السر والعلن.
وفي هذا السياق، بيّن أن السير إلى الله يمر بمراحل تبدأ بالتوبة والاستقامة، ثم التقوى والإخلاص، وصولا إلى مقام الإحسان الذي يقوم على مراقبة الله في كل الأحوال.
كما تحدث عن أهمية الأوراد أو الأذكار اليومية التي يلتزم بها المسلم، موضحا أنها بمثابة غذاء للروح وعلاج لحالات الضعف الروحي التي قد تصيب الإنسان.
وذكر الشيخي أن بعض الأوراد قد تكون علاجا لحالات معينة، مثل الإكثار من الاستغفار لمن يشعر بثقل الذنوب، أو كثرة الصلاة على النبي لمن أراد تقوية محبته لله ورسوله.
وتوقف عند أبرز المعوقات التي تمنع الإنسان من تذوق لذة الذكر، مشيرا إلى أن الانشغال المفرط بالشاشات ووسائل التواصل يستهلك أوقات الإنسان ويحرمه من لحظات الصفاء، كما أن الإصرار على المعصية يترك في القلب أثرا يحجب نور الطاعة.
وأشار أيضا إلى أن غياب الذكر في الحياة الأسرية يزيد من حالة الغفلة والفراغ الروحي، داعيا إلى إحياء لحظات التذكير بالله داخل الأسرة ولو بقراءة حديث أو معنى إيماني.
وفي ختام الحلقة، شدد عضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث على أن لذة الذكر ليست بعيدة المنال، لكنها تحتاج إلى مجاهدة النفس وتنظيم الوقت والابتعاد عن أسباب الغفلة، مؤكدا أن من داوم على الذكر وجد في قلبه نورا وسكينة وقربا من الله تعالى.
إقرأ المزيد


