رسائل متبادلة.. مزاد أمريكي لملاحقة قادة إيران وجواب طهران في الشارع
الجزيرة.نت -

Published On 14/3/2026

شارِكْ

لم يكن ظهور كبار المسؤولين الإيرانيين في شوارع طهران، وسط الحشود ورغم القصف، مجرد مشهد بروتوكولي عابر، بل بدا أقرب إلى رد سياسي مباشر على محاولة أمريكية إسرائيلية لكسر هيبة الدولة من الداخل.

ففي وقت حاولت فيه واشنطن فتح باب البلاغات والمكافآت ضد شخصيات إيرانية بارزة، اختارت طهران أن تدفع بأبرز وجوهها إلى العلن، في رسالة تقول إن القيادة لم تُدفع إلى الاختباء، وإن القصف لم ينجح في فصل السلطة عن جمهورها.

هذا هو المعنى الأعمق للمشهد الذي التُقط أمس الجمعة لفعاليات "يوم القدس" في طهران، حيث ظهر الرئيس مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وأمين عام مجلس الأمن القومي علي لاريجاني، ومسؤولون آخرون، بين الناس وتبادلوا الحديث معهم، فيما استمرت الهتافات المنددة بإسرائيل.

لم يكن ذلك فقط استعراض تحدٍّ، بل استعادة واعية للمجال العام، وكأن الدولة تقول لخصومها إذا كانت الحرب تريد دفعنا إلى الظل، فسنردّ بالظهور في قلب الشارع.

في المقابل، بدت الرسالة الأمريكية شديدة الوضوح في دلالتها، مركزة على أن ليس المطلوب فقط ملاحقة إيران عسكريا، بل اختراق بيئتها البشرية والسياسية.

فحساب برنامج "مكافآت من أجل العدالة" التابع لوزارة الخارجية الأمريكية دعا من يملك معلومات عن "قادة إيرانيين" إلى الإبلاغ عنهم، عارضا مكافآت مالية قيمتها 10 ملايين دولار وإمكانية إعادة التوطين.

وفي هذا الانتقال من القصف إلى الإغراء، يظهر وجه آخر من الحرب، يتمثل في محاولة تحويل المحيطين بالنظام إلى مصادر شك، وتحويل المعرفة الداخلية إلى سلعة، وتحويل النجاة الفردية إلى بديل عن الولاء.

بهذا المعنى، لا تبدو واشنطن وكأنها تطارد قادة طهران فقط، بل تسعى إلى شراء محيطهم.

إنها مقاربة تراهن على أن اختراق الثقة قد يكون أكثر فعالية من استهداف المواقع، وأن أي نظام، مهما بدا متماسكا، يمكن إنهاكه إذا بدأ الشك يتسلل إلى حلقاته الأقرب.

إعلان

لكن هذا النوع من الحروب يكشف أيضا حدود القوة الأمريكية نفسها. فعندما تلجأ دولة عظمى إلى إعلان مكافآت مقابل معلومات عن خصومها، فهي تعترف ضمنيا بأن إسقاط الخصم أو شلّه لا يتحقق من الجو وحده، وأن هناك حاجة دائمة إلى ثغرات بشرية داخلية لا تملكها القنابل.

ومن هنا تكتسب الصورة الإيرانية وزنا أكبر. فطهران لم ترد فقط بالإنكار أو بالشعارات، بل بصورة مضادة، حيث إن كبار المسؤولين في الشارع، لا في الملاجئ، بين الناس، لا خلف الجدران.

ولخّص علي لاريجاني هذه الرسالة بحدة عندما كتب على حسابه في إكس أن "قادتنا كانوا، وما زالوا، بين الناس، بينما قادتكم في جزيرة إبستين"، ردا على وزير الحرب الأمريكي الذي قال إن "قادة إيران يختبئون تحت الأرض وتفوقنا يتسع"، وفي تلخيص سياسي وإعلامي لمغزى المشهد كله.

وللمفارقة أن علي لاريجاني الذي وضعته الخارجية الأمريكية على قائمة العشرة ملايين هو نفسه شارك اليوم بالمسيرات في قلب العاصمة طهران.

في المحصلة، لا تدور هذه المواجهة حول من يملك الصواريخ والطائرات فقط، بل حول من ينجح في فرض روايته عن نفسه وعن خصمه.

وتحاول إيران أن تقول إن الدولة لا تزال متماسكة، وإن قيادتها لم تفقد ثقتها بنفسها أو بجمهورها. أما الولايات المتحدة، فتراهن على أن هذه الثقة نفسها قابلة للاختراق والشراء والتفكيك.

وبين الصورتين، يبدو أن طهران أرادت أن تجعل من الشارع جوابا مباشرا على حرب الاختراق، مؤكدة إذا كانت واشنطن تعرض المال لمن يشي برجال الدولة، فإن الدولة نفسها ستخرج إلى الناس لتقول إن شرعيتها لا تزال في العلن، لا في الغرف المغلقة.



إقرأ المزيد