الجزيرة.نت - 3/14/2026 5:36:57 PM - GMT (+3 )
الحروب هي أوقات عصيبة. في مثل هذه الظروف، يصبح اتخاذ القرارات الصائبة والقيام بالاختيارات الصحيحة أمرا صعبا. وأعلم أن هذا الأمر يكون أكثر تعقيدا تحت وطأة الموت والدمار والمعاناة.
تمر إيران اليوم بمرحلة ستحدد مستقبلها، وتتخذ قراراتها في وقت تتعرض فيه لهجمات أمريكية إسرائيلية، وفي ظل مقتل عدد من قياداتها الدينية والسياسية. في هذا السياق، يفضل أن تفكر بهدوء وأن تصغي إلى أصوات مختلفة.
استهداف الجيران سيضر بإيران على المدى الطويل
كما هو الحال في العالم العربي، تُعد الهجمات الإيرانية القضية الأولى التي تشغل الرأي العام في تركيا أيضا. بينما تم التنديد بالهجوم الذي شنته إسرائيل- التي دمرت غزة وأحرقت لبنان، وهاجمت سوريا، وقطر- على إيران بالاشتراك مع الولايات المتحدة، فإن إطلاق وابل من الصواريخ على جميع دول المنطقة نقل النقاش فجأة إلى مربع آخر.
بذلت تركيا، وقطر، وعُمان جهودا كبيرة لمنع اندلاع الحرب، وكانت السعودية تضغط على الولايات المتحدة لعدم تنفيذ الهجوم، لكن إطلاق إيران صواريخها على هذه الدول خلق تناقضات كبيرة.
عقب سقوط صاروخين في المجال الجوي للبلاد، بدأ الرأي العام في تركيا يتذكر ما قامت به إيران في سوريا، وأنشطتها الاستخباراتية داخل تركيا، ووجه انتقادات شديدة لإيران.
ربما أرادت إيران عبر إطلاق الصواريخ على دول الخليج وتهديد إمدادات النفط والطاقة أن تفرض ضغطا على الولايات المتحدة في المدى القصير، غير أنها ستتضرر من هذا القرار على المدى الطويل. لن ينسى الرأي العام في الدول الإسلامية، وكذلك صانعو السياسات وقادة الرأي، هذه الردود الانتقامية الإيرانية.
من المرجح أن تجعل دولا كثيرة في المنطقة تعيد بناء إستراتيجيتها الأمنية بعد هذا الاستهداف الخطير.
غضب تركي
رغم أن الرئيس التركي ووزيري الخارجية والدفاع أكدوا أن هذه الحرب اندلعت بتحريض إسرائيلي ولا تستند إلى أساس قانوني، فإن إطلاق الصواريخ الإيرانية أثار غضبا شديدا في تركيا.
إعلان
كان ينبغي لإيران، وهي في حالة عزلة، أن تسعى إلى كسب المزيد من التأييد، لكنها عمقت عزلتها عبر استهداف جيرانها مثل أذربيجان، وتركيا، والعراق.
أبدى الرئيس التركي ووزيرا الخارجية والدفاع ورؤساء أجهزة الاستخبارات، في اجتماعات مغلقة، ردود فعل غاضبة تجاه إيران. وقد أكدوا أن الهجمات الانتقامية التي استهدفت دول الجوار، وفي مقدمتها أذربيجان، من شأنها أن تقلب موازين القوى في المنطقة، وطالبوا بوقفها.
غير أن إيران لم تعترف بإطلاق الصواريخ التي استهدفت تركيا وأذربيجان، لكنها أطلقت صاروخا آخر تجاه تركيا.
عقب هذه الهجمات، أجرت الأجهزة الأمنية التركية مشاورات مع حلف شمال الأطلسي، وتم نشر المزيد من أنظمة الدفاع الجوي التابعة للحلف، إلى جانب تعزيز منظومات الدفاع الجوي المحلية.
ورغم وجود دعوات للقيام برد محدود في حال وقوع هجمات إيرانية جديدة، فإن الرأي الغالب داخل مؤسسات الدولة يميل في هذه المرحلة إلى الرد عبر المسار الدبلوماسي. ومع توقع حصول المزيد من الاستفزازات، فإن الموقف الذي ستتخذه تركيا يعتمد إلى حد كبير على سلوك إيران في المرحلة المقبلة.
كيف تخطط إيران لمستقبلها مع دول المنطقة؟
صحيح أن إيران تتعرض لأشد الهجمات في تاريخها، في ظل إدانات عالمية واسعة لهذا الهجوم غير القانوني، وهي ترد باستخدام كل الوسائل المتاحة رغبة في البقاء، لكن عليها أن تُفكر في العواقب.
بعد انتهاء هذه الحرب سيكون على إيران أن تتعايش مع جيرانها الذين تشترك معهم في أطول الحدود، أي تركيا، والعراق، وأذربيجان.
كما ستواصل تقاسم المياه والمجال الجوي مع دول الخليج، وسوف تحتاج إلى القيام بمبادلات تجارية مع هذه الدول.
كيف يمكن لإيران أن تبني علاقة ثقة مع الدول التي أطلقت عليها صواريخها؟ بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل بالفعل بالترويج لفكرة أن إيران "قد تضربكم في أي لحظة"، لتدفع دول المنطقة إلى مزيد من التسلح، ومنح المزيد من القواعد العسكرية.
سوف تنتهي هذه الحرب، وتنسحب الولايات المتحدة، وتستمر دول هذه المنطقة في العيش جنبا إلى جنب. لا ينبغي لإيران، التي تعتقد أنها حققت مكسبا على المدى القصير، أن تُعرض علاقاتها مع دول المنطقة للخطر على المدى البعيد.
ينبغي لها من الآن فصاعدا أن تتوقف عن شن هجمات انتقامية جديدة ضد أراضي الدول الأخرى.
وقت المحاسبة
نحن نعيش جميعا تبعات فوضى النظام العالمي، وأخشى أن يشهد العالم أياما أسوأ. فقد بدأ صدى ذلك التداعي في العديد من دول المنطقة بالتنبيه إلى تلك المخاطر المحدقة ووجوب الاستعداد لها، وحتى في تركيا، يؤكد الخبراء العسكريون والسياسيون أننا بحاجة إلى محاسبة أنفسنا.
ما لم نتمكن من إنتاج أنظمة دفاع وقوة جوية بشكل مستقل، فلن نكون في مأمن. عدوانية إسرائيل تجعل هذا الأمر ضروريا.
وللأسف، بدأنا الآن ندرك أن إيران قد تطلق هي الأخرى صواريخها باتجاهنا.
كشفت هذه الحرب مرة أخرى أنه من الضروري أن تنشئ دول المنطقة بنية أمنية مشتركة. يجب أن ننجز ذلك بحكمة وحزم وكفاءة.
من دون ذلك سيكون من الصعب جدا أن نصمد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إعلان
إقرأ المزيد


