الجزيرة.نت - 3/14/2026 6:53:47 PM - GMT (+3 )
مراسلو الجزيرة نت
Published On 14/3/2026
شارِكْ
طهران- مشاهد صادمة، ومجمعات سكنية كاملة تحولت إلى أنقاض، وأصوات فرق الإنقاذ ما زالت تتعالى في المكان المستهدّف، هكذا بدا المشهد قرب ساحة "رسالت" شرق العاصمة الإيرانية طهران، بعد يوم من القصف الأمريكي الإسرائيلي المشترك على المنطقة المجاورة لشارع "الشهيد باقري" القريب من الدوار.
وبعد الوصول عصرا إلى الحي المنكوب، تجولت الجزيرة نت في الشوارع المحيطة بالمباني المدمرة وبين ركام المنازل التي كانت تؤوي عائلات عديدة حتى ظهر يوم أمس. لم يَبقَ منها اليوم سوى أكوام من الحجارة المتناثرة، وأغراض شخصية ممزقة، وسيارات دُمرت تحت الأنقاض وأخرى هُشمت في الشوارع المجاورة جرّاء موجات الانفجارات الناتجة عن الغارات.
الفقد وألمهوبينما كنا نحرص على توثيق كل زاوية، وليس فقط حجم الدمار المادي، لاحظنا أن صمت الموت أمسى يخيّم على المكان الذي كان نابضا بالحياة، وهناك كان يقف المواطن حسني (68 عاما) أمام ما تبقى من شقته السكنية، ويقول معبّرا عن المأساة "انهارت جدرانها بالكامل وفاضت معها روح رفيقة العمر".
وبينما كان يحاول العبور بين الركام، ربما للبحث عن شيء ثمين تبقى من ذكريات الـ43 عاما من حياته المشتركة مع رفيقة عمره التي يصف استشهادها بـ"خسارة كبرى"، يصمت فجأة ويتمتم بكلمات غير مفهومة، لكن لغة جسده المنهك كانت كفيلة برواية قصة الفقد والحزن الكبيرة التي يعيشها.
وفي حين نرصد حال حسني ومأساته، اقترب منا رجل خمسيني، وقال إنه يعرف حسني منذ عقود، فهو صاحب مصنع ولديه ثلاث بنات وولد واحد، ويعيش هو وزوجته وحدهما في الطابق الأخير من المنزل المُدمر بعد زواج أولادهما.
وبعد لحظة صمت، أضاف الرجل للجزيرة نت شارحا ما يعيشه حسني من حزن بعد فقد زوجته "تكاد تفيض روحه بعدما أخبرناه عصر أمس بأن منزله قُصف، وفور عودته تمكنت فرق الإنقاذ من انتشال جثة عقيلته، فاحتضنها ثم أغمي عليه".
إعلان
ولم تكن هنا معسكرات ولا مقار أمنية، يؤكد الرجل متابعا أن "الحي سكني بامتياز، والمشهد كما توثق الكاميرات ما تبقى من المباني المدمرة واضح أنه بقايا عمارات مكتظة، ومساكن متعددة الطوابق"، لافتا إلى أنه لم يعرف بعد بماذا قُصفت هذه المنطقة؟ ربما بقذائف صاروخية، وقد تكون المقاتلات ألقت عليها قنابل ثقيلة.
قال أحد المارة "لم تعتد طهران على مثل هذه المشاهد منذ عقود"، مشيرا إلى أن الحي المستهدَف يقع قرب طريق رئيسي تسببت الانفجارات في تدمير العشرات من المركبات بينما كانت تسير فيه. ليرد عليه الرجل الخمسيني أن "المشهد هنا يعيد إلى الأذهان صور الدمار في حروب أخرى، لكنه هذه المرة يحدث في شرق طهران الذي يُعَد من المناطق الأكثر كثافة سكانية".
وبينما يكسر صوت جرافة -كانت تزيل الركام- الصمت الذي ساد فجأة، قال الرجل "طهران التي كانت تضم أكثر من 15 مليون نسمة، تكاد تخلو من سكانها لأنها تعيش هذه الأيام تحت وطأة غارات متواصلة، لم تسلم منها حتى المستشفيات والمدارس والأحياء السكنية".
وعلى غرار المواطن حسني الذي غادرنا لمعاينة شقته وما حل بها جرّاء القصف، دنت منا امرأة مُسنة تحاول العودة إلى بيتها المُدمر، وقالت بصوت خافت يختلط بالبكاء "لم نفعل شيئا، ولم نكن نملك سلاحا. كنا نعد الطعام في بيوتنا بانتظار موعد الإفطار. لماذا؟ لمن هذه الحرب؟"، كلماتها البسيطة تختصر مأساة آلاف العائلات التي وجدت نفسها فجأة في قلب عاصفة لم تخلقها.
وخلال جولة ميدانية للجزيرة نت في الحي المستهدَف، تكاد تكون المشاهد خيالية، حيث تختلط بقايا أثاث المنازل وديكورات محترقة بغبار الرخام الأبيض المتطاير، فيتحول الركام إلى مسرح لحرب استثنائية لم تترك بُعدا من أبعاد الحياة في شارع جاجرودي إلا وطالته.
وخلال جولتنا شهدنا أبراجا سكنية شاهقة بالقرب من حي رسالت كانت مدمرة من المنتصف، وكأنها قُطعت بسكين عملاقة، في حين تبدو الأنقاض لا تزال تنضح بالحياة المدنية: ألعاب أطفال، وثلاجات مقلوبة، وصور عائلية متناثرة، تواصل فرق الإنقاذ الحفر قربها بين الركام.
ومع اقترابنا من مقار حكومية وأخرى عسكرية، بدا الدمار فيها هائلا وقاتلا، جرّاء تعرُّضها لموجات متتالية من القصف، مما يشير إلى استخدام ذخائر أكثر فتكا من نظيراتها المستخدَمة في الأحياء السكنية والمرافق الخدمية.
وبينما يظهر جليا أن آثار الانفجارات في الشوارع متفاوتة بين دمار واسع وحفر عميقة وأخری ضيقة، بما يوحي باستخدام ذخائر متنوعة لأهداف محددة، يُرجع مراقبون سبب العنف المستخدَم في طهران إلى رغبة التحالف الأمريكي والإسرائيلي بشل قدرة الدولة وزعزعة استقرار المجتمع لدفعه إلى ثورة من الداخل على النظام الحاكم.
وعند مغادرتنا المكان قال السائق إن هذه المشاهد لا تدل على صراع عسكري بين جيوش بل وثيقة عن حرب على المدينة بوصفها كائنا حيا، وواصل بعد أن تنفس الصعداء "عندما يُستهدف المنزل والمستشفى والمدرسة، فإن المعنى الوحيد هو أن سكان المدينة بكل ما يحملون من ذكريات وأحلام هم الهدف الحقيقي".
إعلان
وبعد جولة استمرت نحو ساعتين في عدد من الأحياء الشرقية بالعاصمة طهران، غادرنا المنطقة، لكن صورة الركام تبقی عالقة في الذاكرة، فحي رسالت لم يعد مجرد موقع جغرافي على خريطة طهران، بل أمسى اسما آخر لمعاناة المدنيين في حروب الشرق الأوسط المتواصلة منذ عقود. ومن بين الأنقاض يراودني سؤال: متى تعود الحياة إلى هذه الأحياء التي سُلبت منها فجأة؟
إقرأ المزيد


