الجزيرة.نت - 3/16/2026 9:30:50 AM - GMT (+3 )
باريس- مع اتساع رقعة التوتُّر العسكري على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية وتصاعد المخاوف من تحوُّل المواجهة إلى حرب مفتوحة، عادت فرنسا لتطرح مبادرة دبلوماسية جديدة تهدف إلى احتواء التصعيد.
غير أن المبادرة التي بدأت ملامحها تظهر مطلع الشهر الجاري لا تقتصر على وقف التصعيد العسكري فحسب، وفق ما أعلنته باريس، بل تمتد إلى إعادة ترتيب الوضع السياسي والأمني في لبنان.
وبينما تتحدث الدبلوماسية الفرنسية رسميا عن "جهود لمنع الانزلاق إلى الحرب"، يرى خبراء ومحللون أن المبادرة تحمل أبعادا أوسع على المستوى السياسي والإستراتيجي، تتخطى كواليسها ما تظهره فعليا التصريحات العلنية.
تجنُّبا للفوضىواقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس الأول السبت، استضافة محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في باريس بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
وعقب حديثه مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، صرّح ماكرون قائلا "يجب بذل كل ما في وسعنا لمنع لبنان من الانزلاق إلى الفوضى". كما أكد في تغريدة نشرها عبر حسابه على منصة "إكس" أن "على إسرائيل اغتنام هذه الفرصة لبدء مناقشات وقف لإطلاق النار، وإيجاد حل دائم وتمكين السلطات اللبنانية من الوفاء بالتزاماتها تجاه سيادة لبنان".
وبحسب مصادر دبلوماسية أوروبية، تتضمن المبادرة الفرنسية تعزيز انتشار الجيش اللبناني في الجنوب وتوسيع دور قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، في محاولة لإبعاد المواجهة المباشرة بين حزب الله وإسرائيل.
وفي منشورة باللغتين العربية والفرنسية، انتقد ماكرون تحديدا تصرفات حزب الله، الحليف المعلن لإيران، داعيا إسرائيل في الوقت ذاته إلى "التخلي عن هجومها واسع النطاق ووقف غاراتها الجوية المكثفة، نظرا لنزوح مئات الآلاف من الأشخاص جراء القصف".
من جانبه، اعتقد الممثل الشخصي للرئيس الفرنسي في لبنان، جان إيف لودريان، أن تدخُّل حزب الله في حرب الشرق الأوسط "وضع مصالح إيران في مواجهة مصالح اللبنانيين".
إعلان
وأكد لودريان في مقابلة على إذاعة "فرانس أنتر" أن "الرد الإسرائيلي كان مفرطا منذ تلك اللحظة"، معتبرا أن "المسؤولية الأساسية عما يحدث في لبنان تقع على عاتق حزب الله".
وأمام حجم الأزمة في بيروت، أعلنت باريس عبر وزير الخارجية جان نويل بارو، إرسال 60 طنا من المساعدات الإنسانية للاجئين الفارّين من جنوب لبنان. كما تستعد فرنسا لتزويد القوات المسلحة اللبنانية بعشرات ناقلات الجنود المدرعة، حسب بارو.
تفاوض أم تطبيع؟ويبدو أن ما يظهر في الإعلام والتصريحات الرسمية لا يعكس تماما كل ما يجري في الكواليس. فوفق أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في باريس زياد ماجد، تعد هذه المبادرة "غير رسمية" حتى الآن وهناك تسريبات تكشف ما لا يُقال بشكل علني.
ورأى ماجد، في حديث للجزيرة نت، أن الهدف الأول يتمثل في وقف إطلاق النار، ثم الدفع نحو نزع سلاح حزب الله من قبل الأجهزة الأمنية اللبنانية، لاسيما الجيش، مع إعطاء ضمانات لإسرائيل، حيث تتم عمليات نزع السلاح وفق مراقبة دولية تشارك فيها فرنسا والولايات المتحدة.
أما الهدف الثالث، فيرتبط بإيجاد إطار تفاوضي جديد قد يُمهّد مستقبلا لتفاهمات أوسع بين لبنان وإسرائيل، أي إلى نوع من التطبيع. على سبيل المثال، من خلال التفاوض على المنطقة الحدودية لاتخاذ قرار ما إذا كانت إسرائيل ستنسحب مباشرة منها أم أنها ستكون منطقة عازلة من دون سكان.
وقد أكدت وزارة الخارجية الفرنسية أنه "لا توجد خطة فرنسية" لإنهاء الصراع بين حزب الله وإسرائيل في لبنان. ويأتي هذا البيان عقب نشر موقع "أكسيوس" الأمريكي تقريرا ادعى فيه وضع فرنسا مقترحا لإنهاء الحرب يتضمن اعتراف لبنان بدولة إسرائيل.
وقالت الوزارة "لقد دعمت فرنسا انفتاح السلطات اللبنانية على إجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، وعرضت تسهيلها. وسيكون للأطراف، وحدها، تحديد جدول أعمال هذه المحادثات".
وقد أثار النفي الدبلوماسي الفرنسي رد فعل من الموقع الأمريكي، حيث كتب الصحفي والمراسل في "أكسيوس"، باراك رافيد على منصة "إكس": "هناك خطة فرنسية وعنوان الوثيقة يشير إلى ذلك بوضوح. وزارة الخارجية الفرنسية تكذب".
عقبات وتحدياتومع إدراكها مدى أهمية لبنان الإستراتيجية في المنطقة، لا تخفي باريس أن أي مواجهة عسكرية طويلة الأمد قد تؤدي إلى انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة اللبنانية، وهو سيناريو سيفتح الباب أمام فوضى أمنية وسياسية يصعب احتواؤها.
وفي السياق، رأى الباحث والمحلل السياسي، جيرالد أوليفيه، أن باريس تسعى إلى منع تحوَّل لبنان إلى ساحة حرب إقليمية قد تمتد تداعياتها إلى البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، خصوصا في ظل المخاوف المتزايدة بشأن تعطيل طرق التجارة والطاقة.
وأكد أوليفيه للجزيرة نت أن لدى فرنسا رغبة واضحة في استعادة دورها التقليدي في الملف اللبناني بعد سنوات من تراجع نفوذها لصالح قوى إقليمية أخرى، غير مستبعد تطبيع العلاقات مع إسرائيل -ولو بصورة غير مباشرة- ضمن ترتيبات إقليمية كبرى.
ورغم هذا التحرُّك الدبلوماسي الفرنسي، لا يزال نجاح المبادرة غير مضمون؛ فالواقع السياسي اللبناني المعقد وتشابك الحسابات الإقليمية، قد يجعل من المستحيل ترجمة المقترح الفرنسي إلى اتفاق فعلي على الأرض.
وبحسب الأكاديمي زياد ماجد، فإن ما قد يؤخر المبادرة هو إرادة فرنسا التأكد من مشاركة شيعية في الوفد اللبناني -وهو ما تريده أي سلطة في لبنان- لكي يبدو القرار وطنيا، موضحا أن التركيز الفرنسي يستند إلى الاتصالات مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري ليوافق على المشاركة، ليس شخصيا بل عبر ممثلين، لتشكيل ما يشبه الإجماع الوطني حول التفاوض.
إعلان
كما أشار إلى عدم وجود أي ضمانات على قبول إسرائيل بانسحابها من الجنوب اللبناني، لأنها ترفض وقف إطلاق النار قبل التفاوض، متوقعا اشتراط إسرائيل الكثير من الأمور لتعرقل أي اتفاق، إلا إذا كان إذعانا أو ضمن خطوط أمريكية تفرض سلاما وتعاونا اقتصاديا في المنطقة الحدودية.
وفي منطقة اعتادت أن تتحول فيها المبادرات السياسية إلى مسارات طويلة من التفاوض والتجاذب، يبقى السؤال مفتوحا: هل تنجح فرنسا دبلوماسيا في احتواء التصعيد، أم أن مبادرتها ستبقى مجرد محاولة لتأجيل مواجهة أوسع؟
إقرأ المزيد


