توغل محدود أم احتلال طويل؟.. ماذا تخطط إسرائيل في جنوب لبنان؟
الجزيرة.نت -

تصاعدت المخاوف بين مئات آلاف اللبنانيين النازحين من جنوب لبنان، مع تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، التي بدا أنها تمهد لاحتلال طويل الأمد، في حين أعلن الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، توسيع عملياته البرية في جنوب لبنان، مع انضمام الفرقة 36 إلى جانب الفرقة 91، في إطار ما يسميه العملية العسكرية ضد حزب الله.

فقد زعم كاتس أن سكان جنوب لبنان الذين اضطروا للنزوح لن يتمكنوا من العودة إلى منازلهم حتى يتم "ضمان سلامة الإسرائيليين" قرب الحدود.

وزادت هذه التصريحات حالة عدم اليقين التي يعيشها عشرات الآلاف من المهجرين اللبنانيين، وأعادت للأذهان حقبة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب التي استمرت 18 عاما بين عامي 1982 و2000، وسط مخاوف من تكريس واقع عسكري جديد يحول دون عودة المدنيين إلى ديارهم في المدى المنظور.

وقال كاتس في بيان رسمي "لن يعود مئات الآلاف من سكان جنوب لبنان الشيعة الذين نزحوا إلى المناطق الواقعة جنوب خط الليطاني حتى يتم ضمان سلامة سكان الشمال"، مضيفا أن الجيش الإسرائيلي تلقى تعليمات لتدمير ما يسميه "البنية التحتية للإرهاب" في القرى الحدودية، على غرار العمليات التي نفذها في رفح وبيت حانون في قطاع غزة.

جريمة بلا حدود

وتثير هذه التصريحات أيضا قلق خبراء حقوق الإنسان، الذين رأوا فيها تهجيرا قسريا محتملا قد يشكل جريمة حرب، وفقا لخبير القانون الدولي الدكتور أنيس قاسم الذي أكد أن "تصريحات كاتس وما يقوم به الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان تشير إلى خطر تهجير المدنيين القسري، وهو أمر يُعتبر جريمة دولية بلا حدود بموجب القانون الدولي، وينتهك ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن خاصة عندما يصدر من دولة محتلة بشكل معلن".

وأضاف في حديثه للجزيرة نت أنه "سبق لمحكمة العدل الدولية أن أدانت مثل هذه العمليات ووصفتها بأنها شكل من أشكال التطهير العرقي الذي قد يرقى إلى مرتبة الإبادة"، لافتا بالقول "بغض النظر عن مدى محدودية العملية الإسرائيلية في جنوب لبنان، فإن إجبار السكان على النزوح القسري يضع المدنيين تحت تهديد جسيم ويقع ضمن الانتهاكات الكبرى للقانون الدولي الإنساني."

إعلان

ورغم خروقاتها المتكررة، كثفت إسرائيل مؤخرا عملياتها العسكرية في أعقاب إطلاق حزب الله صواريخ على أهداف إسرائيلية في 2 مارس/آذار، إلى جانب حملة إسرائيلية جوية وبرية على لبنان، أسفرت عن نزوح نحو مليون شخص ومقتل ما يزيد عن 800 مدني منذ اندلاع التصعيد الحالي.

ويعاني النازحون يوميا من صعوبات في تأمين الطعام والشراب والمأوى، ويصفون ظروفهم المعيشية والإنسانية بأنها مهينة وتقوض كرامتهم الإنسانية، معربين عن حرصهم على العودة إلى مدنهم ومنازلهم.

ووفقا لمراقبين، فإن إسرائيل تسعى من خلال تهجير السكان إلى فرض واقع ميداني جديد على الحدود الجنوبية للبنان، ويأتي هذا التصعيد ضمن إستراتيجية أوسع تهدف إلى استدراج لبنان إلى مفاوضات سلام بشروط تل أبيب الكاملة، التي قد تشمل التطبيع أو فرض وصاية أمنية وعسكرية على الجنوب، مما يضع لبنان في موقف دفاعي شديد الحساسية ويعيد رسم معالم السيطرة على الأرض.

وأصدر الجيش الإسرائيلي في 4 مارس/آذار أوامر لجميع سكان المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني بالانتقال "مؤقتا" شمالا، تمهيدا لغارات على أهداف تابعة لحزب الله، تلتها أوامر إضافية بالنزوح على نطاق واسع في مناطق مختلفة من الجنوب اللبناني، وفي الوقت نفسه، تصاعدت دعوات شخصيات اليمين المتطرف -داخل الائتلاف الحاكم الإسرائيلي- إلى اتخاذ إجراءات عسكرية أشد قسوة ضد حزب الله، بما في ذلك اقتراح إنشاء منطقة عازلة أمنية داخل جنوب لبنان.

يزداد الوضع الإنساني في جنوب لبنان سوءا مع استمرار النزوح وارتفاع المخاوف من التوغل الإسرائيلي (الأناضول)
التوغل البري

ميدانيا، تواجه إسرائيل معضلة عسكرية معقدة -وفق مراقبين- فالتوغل البري الموسع محفوف بالمخاطر بسبب تضاريس الجنوب اللبناني الجبلية ووجود شبكة أنفاق ومواقع محصنة تابعة لحزب الله، بالإضافة للقدرة العالية على الكمائن والاشتباك من مسافة صفر، فضلا عن امتلاك الحزب أسلحة متقدمة، من صواريخ مضادة للدبابات إلى الطائرات المسيرة وخبرة قتالية تراكمت عبر سنوات المواجهة.

وبحسب تحليل للإسرائيلي ياجيل ليفي من الجامعة المفتوحة في إسرائيل، فإن "العملية البرية في جنوب لبنان تمثل عقيدة أمنية جديدة لإسرائيل، تهدف إلى تهجير السكان وفرض السيطرة دون العودة إلى نموذج الاحتلال التقليدي بين 1982 و2000".

وتتبنى إسرائيل -وفقا لتقديرات الخبراء هناك- خيار "التوغل التكتيكي"، أي دخول محدود للجنوب اللبناني، للسيطرة على تلال وقرى إستراتيجية، مع قصف جوي دقيق واستنزاف قدرات حزب الله دون إعلان اجتياح شامل، وهو ما يتيح السيطرة العسكرية الجزئية، مع تجنب خسائر بشرية كبيرة وإدارة الصراع على المدى الطويل، خصوصا مع وجود جبهات أخرى لإسرائيل، بما فيها إيران وغزة والضفة الغربية.

على الأرض، يشير الإعلام الإسرائيلي إلى أن الجيش يستعد لإبعاد عناصر حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، وإقامة منطقة عازلة على طول الحدود، في حين يصر كاتس ونتنياهو على ألا يتم وقف إطلاق النار إلا بتحقيق هذا الهدف الإستراتيجي.

وبحسب خبراء، فإن أي عملية برية ستكون محدودة المدة والأهداف، لتجنب مواجهة طويلة ومكلفة، خصوصا مع احتمالات تدخل دولي للضغط على إسرائيل للانسحاب لاحقا.

إسرائيل تهدف من التوغل البري في جنوب لبنان إلى تحييد قدرات حزب الله العسكرية وضمان أمن حدودها (غيتي)
تكتيكات حزب الله

من منظور حزب الله، فإن أي توغل بري يمثل فرصة لإرباك الجيش الإسرائيلي، وتحويل التفوق التكنولوجي للعدو إلى عبء ميداني، باستخدام تكتيكات حرب العصابات والكمائن والصواريخ والطائرات المسيرة، وفي هذه الحالة تهدف المقاومة الإسلامية في لبنان إلى استنزاف القوات الإسرائيلية ورفع كلفتها البشرية، مع الحفاظ على القدرة على الضغط النفسي والسياسي على تل أبيب.

إعلان

على صعيد دولي، يعكس تصعيد المواجهة العسكرية بين حزب الله وإسرائيل ضعف دور القوات الدولية لحفظ السلام "اليونيفيل" في حماية المدنيين ووقف التصعيد، إذ تواجه القوة الأممية صعوبة في تنفيذ مهامها وسط العمليات الإسرائيلية المتصاعدة، مما يزيد من مخاوف السكان من أن أي توغل إسرائيلي قد يحدث دون رادع دولي فعال، ويعيد سيناريو النزوح الطويل الأمد إلى الواجهة.



إقرأ المزيد