الجزيرة.نت - 3/17/2026 5:00:50 PM - GMT (+3 )
كشف تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز عن موجة غير مسبوقة من المحتوى المضلل المصنوع بالذكاء الاصطناعي، اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الأولى من الحرب على إيران، محولة الفضاء الرقمي إلى ساحة صراع موازية.
وأضاف التقرير أن مئات الصور ومقاطع الفيديو المفبركة، التي تحاكي مشاهد الحرب بشكل واقعي، انتشرت على نطاق واسع، ما خلق حالة من الفوضى والارتباك لدى الجمهور، وأربك القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.
وأوضح أن الصحيفة رصدت أكثر من 110 مواد بصرية مزيفة خلال أسبوعين فقط، تنوعت بين مشاهد لانفجارات ضخمة لم تقع، ومدن مدمرة لم تتعرض لهجمات، وجنود ومظاهرات لا وجود لها في الواقع، في تغطية شملت مختلف أطراف الصراع.
وأشار التقرير إلى أن هذه المواد حصدت ملايين المشاهدات عبر منصات مثل "إكس" و"تيك توك" و"فيسبوك"، إضافة إلى انتشارها عبر تطبيقات المراسلة الخاصة، مما ساهم في تضخيم تأثيرها وتوسيع نطاق انتشارها.
تصنيف التضليل: حرب مزيفة متعددة الأوجهوبحسب تحليل الصحيفة، توزعت المواد المضللة إلى فئات متعددة، أبرزها:
- 37 مادة زعمت توثيق عمليات عسكرية جارية
- 5 مواد حول استعدادات مزعومة للحرب
- 8 مواد تظهر دمارا غير حقيقي
- 5 مواد لجنود يبكون في مشاهد مفبركة
- 43 مادة ساخرة أو دعائية باستخدام الذكاء الاصطناعي
- 13 مادة أخرى متفرقة
ولفت التقرير إلى أن التحقق من هذه المواد تم عبر مؤشرات بصرية واضحة مثل أخطاء في تفاصيل المباني والنصوص، وسلوكيات غير منطقية، إضافة إلى استخدام أدوات كشف المحتوى الاصطناعي والبحث عن العلامات المائية الرقمية.
سلاح دعائي منخفض التكلفةوأكدت نيويورك تايمز أن التطور السريع في أدوات الذكاء الاصطناعي جعل إنتاج هذا النوع من المحتوى متاحا لأي شخص تقريبا، وبتكلفة شبه معدومة، مما أدى إلى انفجار في حجم التضليل مقارنة بصراعات سابقة مثل الحرب الروسية الأوكرانية.
إعلان
ونقل التقرير عن الباحث في تحليل الإعلام "مارك أوين جونز" قوله إن حجم المحتوى المرتبط بالذكاء الاصطناعي في هذه الحرب "أكبر بكثير مما شهدناه سابقا"، في إشارة إلى التحول النوعي في طبيعة التضليل.
وأضاف أن تعدد جبهات الصراع ساهم في تسريع انتشار هذا المحتوى، حيث يجد المستخدمون أنفسهم أمام كم هائل من الروايات المتضاربة.
رواية بديلة للحربوأشار التقرير إلى أن جزءا كبيرا من هذا المحتوى يخدم روايات مؤيدة لإيران، إذ يستخدم لتضخيم قدراتها العسكرية، وإظهار حجم دمار مبالغ فيه في إسرائيل أو لدى حلفاء الولايات المتحدة.
وبيّن أن بعض الفيديوهات الأكثر انتشارا أظهرت، على سبيل المثال، قصفا مكثفا على تل أبيب مع ظهور رموز مثل العلم الإسرائيلي، وهو ما اعتبره خبراء مؤشرا على توليد الفيديو باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث تضيف هذه الأدوات عناصر نمطية تلقائيا.
كما استخدمت بعض المقاطع تقنيات سينمائية مبالغ فيها، مثل انفجارات هائلة وسحب دخان على شكل "فطر نووي"، في مشاهد أقرب إلى أفلام هوليود منها إلى الواقع.
وأوضح التقرير أن التحدي لا يقتصر على المحتوى المزيف بالكامل، بل يمتد إلى مقاطع حقيقية جرى تعديلها باستخدام الذكاء الاصطناعي لتضخيم شدة الانفجارات أو إضافة مؤثرات بصرية، مما يزيد من صعوبة التحقق.
وفي المقابل، أشار إلى أن المشاهد الحقيقية للحرب غالبا ما تكون أقل درامية، حيث تظهر الضربات من مسافات بعيدة وبصورة محدودة، مما يجعل المحتوى المزيف أكثر جاذبية وانتشارا.
تأثير مباشر على السرديات السياسيةوسلط التقرير الضوء على تأثير هذا المحتوى في النقاشات السياسية، مشيرا إلى حالة الجدل التي أثارتها مزاعم استهداف حاملة الطائرات الأمريكية "أبراهام لينكولن"، حيث انتشرت فيديوهات مزيفة تظهر السفينة وهي تحترق، قبل أن تنفي الولايات المتحدة تعرضها لأي ضرر.
كما أظهرت بعض المواد الدعائية قادة سياسيين في صور تمجدهم أو تشوه خصومهم، في استخدام مباشر للذكاء الاصطناعي كأداة للدعاية السياسية.
وانتقد التقرير بطء استجابة شركات التواصل الاجتماعي في مواجهة هذه الظاهرة، رغم إدخال بعض الإجراءات مثل معاقبة الحسابات التي تنشر محتوى مضللا دون الإشارة إليه.
وأشار إلى أن العلامات المائية التي تضعها بعض أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن إزالتها بسهولة، وأن عددا قليلا فقط من المواد التي تم رصدها كان يحمل إشارات واضحة تدل على كونه مفبركا.
وخلص التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل تحول إلى "سلاح معلوماتي" ضمن أدوات الحرب الحديثة، يستخدم للتأثير على الرأي العام، وبث الذعر، وتشكيل السرديات.
ونقل عن خبراء أن هذه الجبهة الرقمية تمثل فرصة لدول مثل إيران لاستثمارها ضمن إستراتيجياتها، في ظل سهولة إنتاج المحتوى وصعوبة ضبطه.
إعلان
وبذلك، لم تعد الحرب تقتصر على الميدان العسكري، بل امتدت إلى فضاء رقمي واسع، حيث تتنافس الروايات بقدر ما تتواجه الجيوش.
إقرأ المزيد


