طال مدنيين.. ما خطورة استهداف باكستان لمستشفى أفغاني؟
الجزيرة.نت -

كابل- على بُعد أمتار من موقع الانفجار، كان عزيز أحمد، أحد المسعفين، يحاول بصعوبة إخراج مصاب من تحت أنقاض المستشفى الذي استهدفته -مساء أمس الاثنين- الغارات الباكستانية في العاصمة الأفغانية كابل، محدثة دمارا كبيرا ومُخلِّفة مئات القتلى.

ووصف عزيز للجزيرة نت المشهد بفعل القصف "وصلنا إلى المكان بعد دقائق من الغارة، كان كل شيء يحترق، والمرضى يصرخون طلبا للمساعدة".

وأضاف بصوت متعب "أخرجنا بعض المصابين، لكننا فقدنا آخرين أمام أعيننا، ولم نتمكن من الوصول إليهم في الوقت المناسب".

قوة أمنية تراقب المستشفى المستهدَف بينما يتصاعد الدخان من المبنى (الجزيرة)
قتلى ودمار

وفي واحدة من أعنف الضربات التي تشهدها العاصمة الأفغانية منذ أشهر، أعلنت السلطات في كابل مقتل ما لا يقل عن 400 شخص وإصابة نحو 250 آخرين، جرّاء غارة جوية استهدفت مستشفى مخصصا لعلاج مدمني المخدرات، في حصيلة أولية مرشحة للارتفاع مع استمرار عمليات البحث والإنقاذ.

وحوّل الهجوم مستشفى "أوميد" إلى كتل من الركام، بعدما طالت الضربة أجزاء واسعة من المبنى الذي كان يضم نحو 2000 سرير ويستقبل آلاف المرضى.

وفيما هرعت فرق الإنقاذ إلى الموقع وسط دخان كثيف وحرائق اندلعت في عدة أقسام، في محاولة لإخماد النيران وانتشال الضحايا، لا تزال جثث العشرات، بينهم أكثر من 50 شخصا، عالقة تحت الأنقاض، فيما يواجه المسعفون صعوبات كبيرة بسبب حجم الدمار.

مفتي عبد المتين قانع: الهجوم يمثل انتهاكا صارخا للقوانين الدولية (الجزيرة)

وفي حديثه للجزيرة نت، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية الأفغانية، مفتي عبد المتين قانع "تسبّبت الغارة الجوية التي استهدفت مستشفى أوميد بسقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين، معظمهم كانوا يتلقون العلاج داخل المنشأة".

وأضاف أن "الهجوم يمثل انتهاكا صارخا للقوانين الدولية، خاصة أنه استهدف مرفقا صحيا مدنيا"، مشيرا إلى أن فرق الإنقاذ تعمل بشكل متواصل، رغم التحديات الكبيرة الناجمة عن الدمار الواسع.

قلة الإمكانيات

من جهته، أكد مسؤول المستشفى، صبور ملكزي، للجزيرة نت أن "المستشفى كان يضم مئات المرضى الذين لا يملكون مكانا آخر يذهبون إليه"، وتابع أن "كثيرا من الضحايا كانوا في حالة علاج عندما وقع القصف".

إعلان

وبحسب مصادر طبية، تم نقل 24 مصابا، بينهم امرأة، إلى مستشفى الطوارئ في كابل، كما جرى نقل جثامين 3 من الضحايا إلى المرفق ذاته، وسط دعوات عاجلة للتبرع بالدم وتوفير الإمدادات الطبية.

المتحدث باسم وزارة الصحة الأفغانية: المستشفى المستهدف كان يقدّم خدمات علاجية لمئات المرضى (الجزيرة)

كما أوضح المتحدث باسم وزارة الصحة الأفغانية، شرافت زمان، للجزيرة نت أن "المستشفى المستهدَف كان يقدّم خدمات علاجية لمئات المرضى يوميا، معظمهم من الفئات الهشّة التي تحتاج إلى رعاية مستمرة".

وأدى القصف -حسب شرافت- إلى تدمير أقسام حيوية داخل المنشأة، ما فاقم صعوبة تقديم الإسعافات الأولية للمصابين، مضيفا أن "القطاع الصحي يواجه ضغطا غير مسبوق في التعامل مع هذا العدد الكبير من الجرحى".

وأوضح أن الكوادر الطبية تعمل في ظروف بالغة التعقيد، رغم نقص في المعدات والأدوية، "ما يستدعي تدخُّلا عاجلا من المنظمات الدولية لدعم المستشفيات في كابل".

ووصف شرافت الوضع الإنساني بالـ"صعب للغاية"، وأن "فرق الإنقاذ تبذل كل ما في وسعها لإجلاء المصابين وانتشال الضحايا"، داعيا المجتمع الدولي إلى تقديم دعم عاجل للقطاع الصحي في البلاد.

الدخان يتصاعد من المستشفى المستهدَف في كابل بالغارة الباكستانية (الجزيرة)
الحكومة ترد

من جهته، قال المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، ذبيح الله مجاهد للجزيرة نت "النظام العسكري الباكستاني انتهك مجددا المجال الجوي الأفغاني، مستهدفا مركزا لعلاج الإدمان في كابل، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين، معظمهم من المرضى الذين كانوا يتلقون العلاج".

وأضاف أن استهداف منشأة صحية مدنية "يُمثل انتهاكا صارخا للقوانين الإنسانية والسيادة الوطنية"، مؤكدا إدانة الحكومة لهذا الهجوم.

ويأتي هذا الهجوم في ظل تصاعد التوتُّر بين كابل وإسلام آباد، حيث تتهم السلطات الأفغانية باكستان بالوقوف وراء الغارة، في حين تنفي الأخيرة استهداف منشآت مدنية، مؤكدة أن عملياتها موجهة ضد "منشآت ‌عسكرية وبنية تحتية تدعم الإرهابيين".

تحوُّل في التصعيد

ورأى محللون أفغان أن هذا الهجوم يمثل تحوّلا لافتا في طبيعة التصعيد بين كابل وإسلام آباد، إذ لم يعد يقتصر على المناطق الحدودية، بل امتد إلى قلب العاصمة، مستهدفا منشأة مدنية حسّاسة.

وقال الباحث في الشؤون السياسية عبد الحكيم هلال، للجزيرة نت، إن "استهداف مرفق صحي داخل كابُل، إنْ ثبتت المسؤولية عنه، يعكس مستوى غير مسبوق من التصعيد، وقد يدفع الأمور نحو مواجهة مفتوحة بين الطرفين".

من جانبه، اعتبر المحلل الأمني زبير سادات أن "الهجوم يحمل رسائل سياسية وعسكرية في آن واحد، خاصة في ظل التوتُّرات المتصاعدة بين الجانبين خلال الأشهر الأخيرة"، مشيرا إلى أن "استمرار هذا النهج قد ينعكس سلبا على الاستقرار في المنطقة بأكملها".

وأضاف أن "المدنيين هم الحلقة الأضعف في هذا التصعيد، حيث تتحول المنشآت الحيوية إلى أهداف في ظل غياب التهدئة أو قنوات الحوار الفعّالة".

وبينما تتواصل عمليات البحث تحت الأنقاض، تبقى صور الدمار وشهادات الناجين شاهدة على ليلة دامية في كابل، تحوّل فيها مرفق للعلاج إلى مسرح لمأساة إنسانية واسعة.

سيارات الإطفاء تصل إلى مستشفى كابل لإخماد النيران بعد الغارة الجوية (الجزيرة)
مستشفى علاج مدمني المخدرات في كابل الذي استهدف بالغارة الجوية الباكستانية (الجزيرة)


إقرأ المزيد