الجزيرة.نت - 3/19/2026 1:34:00 AM - GMT (+3 )
أدى استهداف إسرائيل منشآت مرتبطة بحقل بارس الجنوبي في إيران إلى دفع المواجهة نحو مستوى أكثر حساسية في أسواق الطاقة، إذ لم يعد الخطر مقتصرا على الملاحة أو الناقلات أو مرافق التخزين، بل بات يقترب من قلب منظومة إنتاج الغاز في الخليج.
وتزداد خطورة هذا التطور في ظل ما يمثله الحقل الإيراني من امتداد لحقل الشمال في قطر، أكبر مركز منفرد للغاز الطبيعي في العالم، مما دفع الدوحة إلى وصف الاستهداف بأنه "خطوة خطرة وغير مسؤولة" وتهديد لأمن الطاقة العالمي.
وجاءت استجابة الأسواق سريعة، إذ قفز خام برنت إلى مشارف 110 دولارات للبرميل، بينما ارتفع المؤشر الأوروبي المرجعي للغاز بنحو 6% إلى 8%، في دلالة على أن المتعاملين لم يسعروا فقط حجم الضرر المباشر، بل أيضا احتمالات اتساع الهجمات إلى بنية تحتية أوسع في الخليج، بما يشمل منشآت إنتاج ومعالجة وتسييل وشحن.
صدمة تسعيرلا يتجلى أثر استهداف منشآت مرتبطة بحقل بارس الجنوبي في الأسواق العالمية من خلال فقدان إمدادات إيرانية كبيرة من الغاز المسال، نظرا لأن إيران ليست من اللاعبين الرئيسيين في تجارة الغاز العالمية مقارنة بقطر، بل يظهر أساسا عبر ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية.
فإيران تستهلك معظم إنتاجها محليا، فيما يشكل الحقل نفسه ركيزة أساسية في منظومة الطاقة الإيرانية، مع إنتاج قياسي بلغ نحو 730 مليون متر مكعب يوميا في عام 2025. ومن ثم فإن خطورة الاستهداف لا ترتبط بحجم الصادرات الإيرانية بقدر ما تنبع من كونه يفتح المجال أمام اتساع نطاق الضربات لتشمل منشآت وحقولا خليجية ذات تأثير أكبر في توازنات السوق العالمية.
وتقول خبيرة شؤون الطاقة لوري هايتايان إن المعطيات المتاحة حتى الآن تشير إلى أن الضربة لم تصب الحقل نفسه، بل منشآت على البر الإيراني مرتبطة به، لكنها تضيف أن خطورة الحدث تكمن في أن حقل بارس الجنوبي يمثل نحو 80% من إنتاج الغاز الإيراني.
إعلان
وتشير هايتايان في حديث للجزيرة نت إلى أن الأثر الفوري في الأسعار جاء بالأساس من الخوف من الرد الإيراني أكثر من كونه ناتجا عن تعطل واسع في الإمدادات، خاصة باعتبار إيران ليست مصدرا عالميا رئيسيا للغاز مثل قطر، لكن الانتقال إلى استهداف مصادر الإنتاج نفسها يمثل مرحلة جديدة من التصعيد.
اتساع المخاوفلم تتعامل الأسواق مع التطور بوصفه فقدانا فوريا لإمدادات كبيرة من الغاز، بقدر ما قرأته مؤشرا على انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر خطورة، خاصة مع اتساع نطاق التهديدات الإيرانية لتشمل منشآت طاقة في قطر والسعودية والإمارات، من بينها رأس لفان ومسيعيد والجبيل وحقل الحصن.
وقد انعكس ذلك في ارتفاع علاوة المخاطر في أسواق النفط والغاز، إلى جانب اتساع الفجوة بين خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط، بما يعكس تزايد تسعير المخاطر المرتبطة بالإمدادات البحرية العابرة للخليج ومضيق هرمز.
وفي هذا السياق، قال إد كوكس، رئيس قسم الغاز الطبيعي المسال العالمي في شركة"ICIS"، إن المؤشر الأوروبي (TTF) ارتفع 6% إلى 55 يورو لكل ميغاواط/ساعة بفعل المخاوف من تصعيد الهجمات على البنية التحتية للطاقة، مضيفا أن السوق الآسيوية ستتفاعل للحفاظ على علاوة سعرية فوق أوروبا.
ويشير في حديث للجزيرة نت إلى أن السؤال الحاسم لا يقتصر على تداعيات الضربة الحالية، بل يرتبط باحتمال امتداد الأضرار إلى حقل الشمال في قطر أو استمرار تعطل منشآت الغاز الطبيعي المسال فترة أطول، موضحا أن الأسعار قد تتجه إلى مستويات أعلى بكثير إذا امتد الانقطاع إلى الربع الثاني من العام.
لماذا يظل الغاز القطري هو العامل الحاسم؟تكمن حساسية هذا التطور في أن الحقل المشترك بين إيران وقطر لا يحمل الوزن ذاته للطرفين في السوق العالمية. فإيران توظفه بالأساس لتلبية الطلب المحلي ولتغذية صادرات محدودة عبر الأنابيب إلى دول مجاورة مثل العراق وتركيا، في حين تمثل قطر ركنا محوريا في تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، بعد أن صدرت نحو 81 مليون طن متري في 2025، بما يعادل قرابة 20% من الإمدادات العالمية، يتجه أكثر من 80% منها إلى الأسواق الآسيوية.
وبذلك، فإن انتقال الاستهداف من الجانب الإيراني إلى منشآت قطرية، أو إلى مرافق رئيسية مثل رأس لفان، لن يبقى ضمن نطاق إقليمي، بل قد يتحول مباشرة إلى صدمة واسعة في أسواق الطاقة العالمية.
وتشير هايتايان إلى هذه النقطة بوضوح، معتبرة أن محدودية الارتدادات العالمية حتى الآن تعود إلى كون إيران ليست من كبار مصدري الغاز مقارنة بقطر، غير أن الخطر الحقيقي يبدأ مع احتمال امتداد الرد أو التصعيد إلى منشآت الغاز في الخليج، ولا سيما في قطر، إذ قد يقود ذلك إلى ارتفاعات أكبر في الأسعار وزيادة ملموسة في علاوة المخاطر.
ثلاثة سيناريوهاتوتشير قراءة تفاعلات الأسواق وتقديرات خبراء الطاقة، إلى ثلاثة مسارات محتملة لأسعار الغاز والطاقة في الفترة المقبلة.
السيناريو الأول يتمثل في بقاء الضربة ضمن نطاقها المحدود، من دون انتقالها إلى منشآت إنتاج أو تسييل أو تصدير أخرى في الخليج. وفي هذا الإطار ترجح هايتايان أن يظل الأثر العالمي محصورا نسبيا، نظرا لكون إيران ليست من كبار مصدري الغاز المسال، مما يعني أن القفزة الحالية في الأسعار قد تبقى ضمن إطار علاوة المخاطر المؤقتة، مع استمرار التقلبات دون تحولها إلى أزمة إمدادات فعلية.
إعلان
أما السيناريو الثاني، فيقوم على تكرار الهجمات على منشآت مرتبطة ببارس الجنوبي أو مواقع طاقة أخرى في الخليج، دون تعطيل شامل للإنتاج.
وهنا تشير تقديرات السوق التي يعكسها تحليل إد كوكس إلى أن الأسعار ستظل تحت ضغط تصاعدي، مع ارتفاع تكلفة التأمين والشحن، واتساع الفجوة بين الأسواق، خاصة مع سعي المشترين الآسيويين إلى الحفاظ على علاوة سعرية أعلى لتأمين الإمدادات.
في حين يتمثل السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، في توسع الاستهداف ليشمل منشآت رئيسية في الخليج، وعلى رأسها منشآت قطر المرتبطة بحقل الشمال.
وفي هذا السياق، يحذر كل من كوكس وخبير الطاقة نهاد إسماعيل من أن أي تعطّل في الإمدادات القطرية أو البنية التحتية الكبرى لن يبقى ضمن حدود التقلبات السعرية، بل قد يتحول إلى صدمة عرض حقيقية في الأسواق العالمية، في ظل غياب فائض إنتاجي سريع التعويض، وهو ما قد يدفع أسعار الغاز والنفط إلى مستويات أعلى بكثير ويعيد رسم توازنات السوق.
لم يظهر الأثر الفوري الأكثر وضوحا في أوروبا أو آسيا أولا، بل برز سريعا في العراق، الذي يعتمد بشكل كبير على الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء. وأدى توقف الإمدادات بحسب وكالة الأناضول إلى خروج نحو 3100 ميغاواط من الشبكة، في وقت تزود فيه إيران العراق بنحو 50 مليون متر مكعب يوميا، تغطي قرابة ثلث احتياجاته الغازية وتدعم إنتاج نحو 6000 ميغاواط من الكهرباء.
ويعكس ذلك أن تداعيات الضربة، رغم محدودية أثرها العالمي المباشر حتى الآن، قد تكون حادة وسريعة على الدول المرتبطة بالغاز الإيراني عبر خطوط الأنابيب.
وتؤكد هايتايان أن العراق هو أول من شعر بتداعيات التطور، مع احتمال امتداد الأثر أيضا إلى تركيا بدرجات متفاوتة، لكنها تشدد على أن الخطر العالمي يظل أقل من سيناريو المساس بالغاز القطري، لأن قطر هي التي تشكل ثقلا رئيسيا في التجارة العالمية للغاز المسال.
تحدي أوروبي آسيويإذا طال أمد التصعيد أو اتسعت الضربات، فإن الدول المستوردة للغاز، خاصة في أوروبا وآسيا، ستواجه مزيجا من الضغوط:
- ارتفاع فاتورة الواردات.
- زيادة أسعار الكهرباء.
- تصاعد الضغوط التضخمية.
- وتزايد العبء على الموازنات الحكومية، خاصة في الدول التي تدعم الطاقة محليا.
كما أن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والأسمدة، ستكون بين الأكثر تضررا، في وقت قد تضطر فيه بعض الأسواق إلى زيادة الاعتماد على الفحم أو الوقود السائل لتفادي انقطاعات الكهرباء.
وفي هذا السياق، يقول إد كوكس إننا قد نشهد مزيدا من "إدارة الطلب" في جنوب وجنوب شرق آسيا ومصر، مع تحول أكبر نحو الفحم في أجزاء من أوروبا وآسيا، إلى جانب أضرار أوضح في الصناعات التحويلية كثيفة الاستهلاك للطاقة، وزيادة محتملة في الاستثمار في بعض مصادر الطاقة البديلة، خاصة الطاقة الشمسية.
إقرأ المزيد


