4 سيناريوهات للرد الإيراني على القصف الإسرائيلي لحقل بارس
الجزيرة.نت -

يمثّل الهجوم الذي نفذته إسرائيل واستهدف حقل "بارس" الجنوبي للغاز في إيران نقطة تحوّل في مسار الحرب الجارية، إذ ينقل الصراع من دائرة تهديد ممرات النقل، وفي مقدمتها مضيق هرمز، إلى مرحلة أكثر تعقيدا تقوم على استهداف البنية التحتية للإنتاج. ويؤكد هذا التحول أن أسواق الطاقة لم تعد تتعامل فقط مع مخاطر التعطّل اللوجستي، بل مع احتمالي تعطّل المنظومة الإنتاجية بكاملها.

ويغذّي حقل "بارس" الجزء الأكبر من منظومة الغاز الإيرانية، إذ يزوّد محطات الكهرباء والصناعات الثقيلة والقطاع البتروكيميائي، مما يجعل أي خلل فيه يمتد مباشرة إلى قلب الاقتصاد الإيراني.

وتفيد تقارير لوكالة رويترز بأن الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف منشآت المعالجة في عسلوية دفع أسعار خام برنت إلى حدود 108 إلى 109 دولارات للبرميل، بالتوازي مع ارتفاع أسعار الغاز الأوروبية، مما يعكس حساسية الأسواق الفورية لأي تطور يمس هذا الحقل.

غير أن الأثر الحقيقي لا يكمن في حجم الإمدادات الإيرانية المفقودة بحد ذاتها، بل في الإشارة الإستراتيجية التي يبعثها الهجوم الإسرائيلي، إذ يفتح الباب أمام تسعير مخاطر تمتد إلى كامل البنية الطاقوية في الخليج، ولا سيما الحقل المشترك مع قطر، المعروف باسم "حقل الشمال"، الذي يعد العمود الفقري لإمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميا.

ويشير محللون في وكالة الطاقة الدولية إلى أن الأسواق دخلت بالفعل مرحلة اضطراب حاد نتيجة تراجع تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، غير أن الضربة الإسرائيلية على "بارس" تضيف طبقة جديدة من المخاطر عبر إدخال عنصر "تعطّل الإنتاج" إلى معادلة كانت تقتصر سابقا على "تعطّل النقل".

تأثير محلي بارتدادات عالمية

وتستهلك إيران نحو 90% إلى 95% من إنتاجها من الغاز محليا، مما يعني أن تأثير الضربة المباشر على الإمدادات العالمية يظل محدودا من الناحية الكمية، غير أن هذا التوصيف الكمي لا يعكس الأثر الحقيقي، إذ تنشأ الصدمة الأساسية من إعادة تقييم المخاطر المحيطة بالمنظومة الغازية في الخليج.

إعلان

ويرتبط "بارس" جيولوجيا بحقل الشمال القطري، مما يجعل أي تصعيد في محيطه عامل تهديد غير مباشر لأكبر مصدر للغاز المسال في العالم.

ويؤكد خبراء في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن الأسواق لا تنتظر حدوث انقطاع فعلي، بل تسعّر "قابلية الانقطاع"، وهو ما يفسّر الارتفاع الفوري في أسعار الغاز رغم محدودية الصادرات الإيرانية.

ويعني ذلك أن الضربة لا تعيد تشكيل سوق الغاز الإيراني فقط، بل تعيد رسم منحنى المخاطر في سوق الغاز العالمية بأكملها، خاصة في ظل اعتماد أوروبا وآسيا على الإمدادات القطرية.

سيناريوهات الرد.. بين الضبط والتصعيد

يفرض الهجوم الإسرائيلي على حقل "بارس" على إيران معادلة دقيقة بين الردع والتصعيد، إذ تسعى إلى توجيه رد مؤلم دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة. وتشير تقديرات خبراء في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية إلى أن طهران تمتلك طيفا واسعا من أدوات الرد، يتراوح بين التصعيد المحدود والضغط الاقتصادي غير المباشر، مما يجعل مسار المواجهة مفتوحا على سيناريوهات متعددة.

  • السيناريو الأول: رد محسوب داخل المسرح الإسرائيلي

يرجّح هذا السيناريو أن تحصر إيران ردّها داخل الساحة الإسرائيلية، سواء عبر ضربات مباشرة أو أدوات غير متناظرة، مع تجنّب استهداف منشآت الطاقة في الخليج في المرحلة الأولى، لأن ذلك يسمح لها بتثبيت الردع دون دفع الأسواق إلى تسعير صدمة عرض واسعة.

وتفيد "فايننشال تايمز" بأن الإشارات الإيرانية بعد ضربة "بارس" جاءت ضمن ردع تصاعدي محسوب، بالتوازي مع تحذيرات قطر من تداعيات استهداف الحقل المشترك على أمن الطاقة العالمي، مما يرفع كلفة نقل المواجهة مبكرا إلى البنية التحتية الخليجية.

اقتصاديا، يُبقي هذا المسار السوق في نطاق علاوة المخاطر المرتفعة دون فقدان مادي واسع للإمدادات، وهو ما تعكسه تحركات الأسعار الفورية؛ إذ أفادت رويترز بأن خام برنت استقر عند نحو 108 إلى 109 دولارات للبرميل، فيما أشارت "فايننشال تايمز" إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنحو 6.6%، مما يعكس توترا مرتفعا دون دخول السوق في اختلال هيكلي كامل.

وتتباين آثار هذا السيناريو قطاعيا؛ إذ تستفيد شركات التكرير من اتساع هوامش الربح مع صعود المنتجات النفطية، بينما تتحمل شركات الطيران الكلفة الأكبر. وذكرت رويترز أن أسعار وقود الطائرات تضاعفت في أيام، وهو ما دفع شركة "إس إيه إس" إلى إلغاء ألف رحلة. كما تظهر الضغوط في الاقتصادات المستوردة للطاقة، إذ نقلت رويترز أن فاتورة واردات الغاز في مصر قفزت من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار للكميات نفسها تقريبا.

وبذلك، لا ينتج عن هذا السيناريو انهيار في الإمدادات، بل يرسّخ نظام أسعار مرتفعة قائما على التوتر المزمن، يضغط على النمو والتضخم في الدول المستوردة، ويمنح بعض القطاعات مكاسب ظرفية، من دون إعادة تشكيل جذرية لتوازنات السوق.

  • السيناريو الثاني: استهداف منشآت الطاقة في الخليج

يدفع هذا السيناريو الأسواق إلى الانتقال من تسعير المخاطر إلى تسعير الخسائر الفعلية في الإمدادات، وهو تحول نوعي في سلوك السوق. فقد أفادت رويترز بتهديدات إيرانية صريحة باستهداف منشآت الطاقة في السعودية والإمارات وقطر، مما يعكس استعدادا نظريا لنقل المواجهة إلى قلب المنظومة النفطية الخليجية.

إعلان

اقتصاديا، يترجم هذا المسار إلى قفزة هيكلية في الأسعار، إذ يدفع النفط إلى تجاوز مستوى 120 دولارا للبرميل في حد أدنى إذا تعطلت منشآت رئيسية، مع احتمال تسجيل مستويات أعلى تبعا لحجم الفاقد الفعلي في الإمدادات. ويكتسب الغاز الطبيعي المسال حساسية أكبر في هذا السياق، ليس فقط بسبب أي انقطاع مباشر، بل نتيجة تركّز الإنتاج العالمي في عدد محدود من المرافق، وعلى رأسها المنظومة القطرية.

وتؤكد تحليلات فايننشال تايمز أن أسواق الغاز تُظهر استجابة غير خطية للصدمات، مما يعني أن مجرد تهديد البنية التحتية في قطر -أكبر مصدر للغاز المسال عالميا- كفيل بإحداث صدمة سعرية حادة حتى دون وقوع ضرر فعلي واسع.

ويمتد أثر هذا السيناريو بسرعة إلى الاقتصاد الحقيقي، إذ ترتفع تكاليف مدخلات الإنتاج في قطاعات البتروكيميائيات والأسمدة المعتمدة على الغاز، بالتوازي مع صعود أسعار الكهرباء والصناعة الثقيلة، مما يعزز انتقال الصدمة من أسواق الطاقة إلى سلاسل الإنتاج والتضخم العالمي.

  • السيناريو الثالث: التصعيد البحري غير المتكافئ في مضيق هرمز

تسعى إيران في هذا السيناريو إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز دون إعلان إغلاق رسمي، عبر استهداف السفن أو رفع تكاليف التأمين والشحن، بما يخلق تعطّلا فعليا للتدفقات دون تعطّل قانوني للممر. وتقدّر إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن نحو 20% من إمدادات النفط العالمية تمر عبر المضيق، مما يجعل أي اضطراب -ولو جزئي- كفيلا بإحداث صدمة فورية في توازن السوق.

اقتصاديا، يدفع هذا النمط من التصعيد الأسعار إلى مسار غير خطي؛ إذ تبدأ الأسواق بتسعير علاوة المخاطر، لكنها تنتقل سريعا إلى تسعير نقص الإمدادات الفعلي مع تراجع عدد الرحلات وارتفاع تكاليف النقل.

وتوضح رويترز أن أقساط التأمين الحربي قفزت من نحو 0.25% إلى ما يصل إلى 3% من قيمة السفينة، وهو ما يعني تكاليف بملايين الدولارات لكل رحلة، مما يدفع بعض الشركات إلى تجنّب المرور عبر المضيق حتى دون إغلاق رسمي.

تهديد منشآت الطاقة في الخليج يمثل أخطر سيناريو في إعادة تسعير النفط عالميا (رويترز)

ويخلق ذلك اختناقا مزدوجا في السوق، يجمع بين نقص الكميات وارتفاع تكلفة إيصالها، في وقت تبقى فيه قدرة الالتفاف عبر خطوط الأنابيب محدودة، كما تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن طاقات التجاوز لا تغطي سوى جزء محدود من التدفقات الطبيعية عبر المضيق.

وتتحمل الاقتصادات الآسيوية العبء الأكبر، بحكم اعتمادها العالي على نفط الخليج، إذ تواجه صدمة مركّبة تشمل ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات، مما يدفع الحكومات إلى التدخل عبر دعم الوقود أو خفض الضرائب، وهو ما يحوّل الأزمة من صدمة سوقية إلى ضغط مباشر على المالية العامة والتضخم.

  • السيناريو الرابع: صدمة داخلية إيرانية بامتدادات إقليمية

يركّز هذا السيناريو على انتقال الصدمة من الداخل الإيراني إلى الاقتصاد الإقليمي والعالمي، إذ يؤدي تعطّل حقل "بارس" إلى اختلال في توازن الغاز داخل إيران، مما يفرض تقنينا في الكهرباء ويضغط على الإنتاج الصناعي، خصوصا في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل البتروكيميائيات والأسمدة. وتشير رويترز إلى أن إيران تستهلك معظم إنتاجها للغاز محليا، مما يعني أن أي تعطّل في الحقل ينعكس سريعا على المنظومة الصناعية وليس فقط على الصادرات.

اقتصاديا، ينتقل الأثر عبر قناة المدخلات الصناعية، إذ يؤدي تراجع إنتاج البتروكيميائيات والأسمدة إلى تشديد الأسواق العالمية لهذه المواد، وهو ما يرفع تكاليف الإنتاج في قطاعات متعددة، من الصناعة الثقيلة إلى الزراعة. ويخلق ذلك موجة تضخمية غير مباشرة، مدفوعة بارتفاع أسعار المدخلات وليس فقط الطاقة.

إعلان

ويمتد التأثير إقليميا، إذ تتأثر دول تعتمد جزئيا على الغاز الإيراني، مثل العراق، باضطرابات في إمدادات الكهرباء، مما يضيف طبقة جديدة من عدم الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.

وتعكس هذه السلسلة من التأثيرات نمطا مختلفا من الصدمات، إذ لا يقوم على انقطاع مباشر في الصادرات العالمية، بل على تآكل تدريجي في القدرة الإنتاجية الصناعية، وهو ما قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو بيئة تضخمية مصحوبة بتباطؤ في النمو، وفق تقديرات نقلتها رويترز، في ما يشبه سيناريو "ركود تضخمي" مدفوع بصدمة طاقة غير مباشرة.

تركّز إنتاج الغاز في عدد محدود من الدول يزيد من هشاشة النظام الطاقوي العالمي (شترستوك)
هيكل الأسعار: من علاوة المخاطر إلى الصدمة الهيكلية

تعكس حركة أسعار النفط والغاز في ظل الحرب الحالية انتقال السوق من تسعير احتمالات التصعيد إلى تسعير اضطراب فعلي في الإمدادات، ضمن مسار مرحلي تصاعدي يمكن تفكيكه على النحو التالي:

  • مرحلة الأساس (علاوة المخاطر):
    يستقر النفط فوق 100 دولار للبرميل مدفوعا بعلاوة المخاطر الجيوسياسية، دون حدوث نقص مادي كبير في الإمدادات. وتعبّر هذه المرحلة عن تسعير احتمالية التصعيد أكثر من وقوعه، مع بقاء السوق في حالة ترقّب.
  • مرحلة الاحتواء (تقلب مرتفع دون اختلال):
    تتحرك الأسعار ضمن نطاق مرتفع مع تقلبات حادة مرتبطة بالتطورات الميدانية والتصريحات السياسية، فيما يلعب العامل النفسي والمضاربات دورا بارزا في تضخيم الحركة، دون انتقال السوق بعد إلى أزمة عرض فعلية.
  • مرحلة التعطّل (تسعير النقص الجزئي):
    تتجاوز الأسعار مستوى 120 دولارا للبرميل مع بدء تعطل جزئي في الإمدادات أو سلاسل النقل، بالتوازي مع ارتفاع حاد في أسعار الغاز، نتيجة انتقال السوق من تسعير المخاطر إلى تسعير الفاقد الفعلي.
  • مرحلة الصدمة الهيكلية (اختلال شامل):
    تدخل السوق في حالة اضطراب واسع مع تعطل كبير في الإنتاج أو الممرات الحيوية، مما يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، ويعيد تشكيل التوازن بين العرض والطلب على مستوى عالمي.
  • تباين المؤشرات والأسعار الفعلية (تفكك السوق):
    يظهر تفاوت واضح بين المؤشرات العالمية والأسعار الفعلية في مناطق الإنتاج، إذ أفادت رويترز بأن خامي دبي وعُمان سجلا مستويات أعلى بكثير من خام برنت، نتيجة نقص الإمدادات الإقليمية وقيود التدفقات، وهو ما يعكس تحوّل السوق نحو "تسعير جغرافي" تصبح فيه القدرة على التسليم الفعلي العامل الحاسم.

انتقال الصدمة إلى الاقتصاد العالمي

تُظهر تطورات السوق أن صدمة الطاقة لا تبقى محصورة في قطاع النفط والغاز، بل تنتقل سريعا عبر قنوات متعددة إلى الاقتصاد الحقيقي والأسواق المالية، وفق مسار مترابط يشمل الإنتاج والتجارة والتضخم:

  • إعادة توزيع الإنتاج عالميا:
    تستفيد الدول المنتجة خارج الخليج من ارتفاع الأسعار، فتزيد الإنتاج لتعويض جزء من النقص، مما يعيد تشكيل خريطة العرض العالمية ويعزز حصة المنتجين الأقل تعرضا للمخاطر الجيوسياسية.
  • اختناقات في سلاسل الإمداد:
    تتعرض سلاسل النقل والشحن لضغوط متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين واضطراب المسارات، مما يؤدي إلى تأخير الشحنات وارتفاع كلفة إيصال الطاقة والمواد الخام.
  • ارتفاع تكاليف الإنتاج والسلع:
    تنتقل الصدمة عبر أسعار الطاقة إلى مدخلات الإنتاج، فتزداد كلفة المنتجات الصناعية والغذائية، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالبتروكيميائيات والأسمدة، ما يعزز الضغوط التضخمية عالميا.
  • تقلبات الأسواق المالية:
    ترتفع مستويات عدم اليقين في الأسواق، مما يدفع إلى زيادة التقلبات في أسواق الأسهم والسلع والعملات، ويعزز الطلب على أدوات التحوط، خاصة في قطاعات الطاقة والنقل.
  • تأثيرات كلية على النمو والتضخم:
    يقدّر اقتصاديون نقلت عنهم فايننشال تايمز أن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة قد يقتطع نحو 0.5 نقطة مئوية من النمو الاقتصادي في الاقتصادات الكبرى، مما يعكس انتقال الصدمة من سوق الطاقة إلى الأداء الاقتصادي الكلي.

ويقدّر اقتصاديون نقلت عنهم فايننشال تايمز أن استمرار الأسعار المرتفعة قد يقتطع نحو 0.5 نقطة مئوية من النمو الاقتصادي في الاقتصادات الكبرى.



إقرأ المزيد