من بيده إعلان نهاية الحرب.. ترمب أم مجتبي؟!
الجزيرة.نت -

ستتوقف الحرب يوما ما، فلا حرب تستمر إلى الأبد، ولكن السؤال الأصعب، هو متى؟ وما إذا كان اتفاقا أم نزولا عند شروط يمليها طرف على آخر.

بيد أن الحروب غالبا ما تطول أمدا أطول من المتوقع، ولا يسير أي صراع وفق جدول زمني محدد مسبقا. فضلا عن أن طول الزمن الذي تستغرقه ليس دليلا على الفشل، بل هو دليل على الواقع. وهي واحدة من معضلات الحرب المحتدمة الآن والتي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران.

ليس بوسع إيران ـ بوصفها الطرف الأضعف ـ أن تحدد متى ستنتهي الحرب، ومع ذلك فإن ما تعلنه الإدارة الأمريكية عن وقت لإنهاء العمليات العسكرية، فضفاض ومطاطي؛ لأن الواقع الميداني هو الذي يحدد، لا القرارات الصادرة عن البيت الأبيض، أو طهران.

أضف إلى ذلك أن الحروب تنتهي عندما تتحقق المصالح التي أشعلتها، وهذه أيضا تتسم بالسيولة عند الأطراف الثلاثة المشاركة في الحرب، ويجري عليها التعديل يوميا، ما يجعل أية مقاربات لهذه النهاية المحتملة، تتسم بالشكوك وغياب اليقين.

فبعد دخول الحملة العسكرية أسبوعها الثالث، قدم الرئيس ترمب ومسؤولوه مؤشرات متضاربة حول المدة التي تنوي الولايات المتحدة أن تستمر فيها الأعمال الحربية.

يقول وزير الدفاع بيت هيغسيث إن ترمب وحده هو من يستطيع الحكم على ما إذا كانت الحرب في "بدايتها أو منتصفها أو نهايتها". وكأن رئيسه هو الوحيد المتحكم في الواقع الميداني، وسط حرب إقليمية مستعرة.

يوم الثلاثاء، 10 مارس/آذار الجاري سئلت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت عن معنى مطالبة ترمب باستسلام إيران غير المشروط. قالت: "عندما يقول الرئيس ترمب إن إيران في وضع استسلام غير مشروط، فهو لا يدّعي أن النظام الإيراني سيعلن ذلك بنفسه. ما يقصده الرئيس هو أن تهديدات إيران لن تكون مدعومة بعد الآن بترسانة صواريخ باليستية".

إعلان

وتابعت: "سيحدد الرئيس ترمب متى تكون إيران في وضع الاستسلام غير المشروط. وهذا عندما يرى أنها لا تشكل تهديدا جديا ومباشرا للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها".

وفي مقابلة حديثة مع موقع "أكسيوس"، قال ترمب إن الحرب ستنتهي قريبا، مضيفا: "متى أردت أن تنتهي، ستنتهي". بيد أن بعض التقديرات ترى أن مزاعمه بشأن نهاية سريعة قد تكون أقرب إلى المناورة السياسية، منها إلى تقييم واقعي للوضع العسكري.

فإعلانات النصر السريعة قد تسهم في تهدئة الأسواق المالية وطمأنة الرأي العام المحلي، لكنها لا تحل بالضرورة الأسباب الجذرية للصراع. فالتصعيد العسكري، والردود الإقليمية، والأهداف الإستراتيجية غير المحسومة غالبا ما تدوم أطول من الإعلانات السياسية.

وتشير التجارب إلى أن معظم الحروب بين الدول قصيرة نسبيا. أما الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الرابع، فقد طالت خلافا لما هو سائد. تظهر بيانات مشروع "مؤشرات الحرب" أن الكثير من الصراعات خلال القرنين الماضيين لم تتجاوز مدتها أربعة إلى خمسة أشهر.

وقد كانت هناك صراعات أخرى أقصر بكثير، منها حرب الـ12 يوما في يونيو/حزيران 2025 بمشاركة أمريكا وإسرائيل ضد إيران.

لكنّ هناك أيضا حروبا طويلة الأمد: فالحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي استمرت ثماني سنوات، وأودت بحياة مليون شخص وفق بعض التقديرات.

ثمة بعد آخر، يعطي للعمر الافتراضي للحملة العسكرية، مدة لا سقف لها، وعادة ما تنتهي بـ"كوارث عسكرية" للطرف الأقوى تقنيا وتسليحا.

وفي السياق يذكِّر ستيفن كولينسون مراسل أول لـ"سي إن إن"، الإدارة الأمريكية بدروس التاريخ، ويعتقد أنه إذا كانت الولايات المتحدة تعتمد عادة على قوة نارية هائلة، وبراعة أسلحتها عالية التقنية، وقدرتها على إلحاق دمار واسع بدقة متناهية عبر ساحة معركة شاسعة، وهي في أغلب الأحيان تواجه خصوما أضعف منها بكثير، إلا أنهم أربكوا واشنطن بقدرتهم على الصمود، أو بتكتيكات التمرد، أو باستغلال الظروف المحلية أو التضاريس أو الثقافة التي لا تفهمها الولايات المتحدة.

ففي فيتنام، اندمج مقاتلو الفيت كونغ الشيوعيون وجيش فيتنام الشمالية في الأدغال الكثيفة، حيث تفوقوا على القوات الأمريكية. وفي العراق، أدى انهيار الدولة العراقية إلى صعود حركات التمرد والمليشيات الطائفية التي خلقت ساحات قتل للقوات الأمريكية.

وفي أفغانستان، انتظرت حركة طالبان قرابة عقدين من الزمن حتى انسحبت أمريكا، مقتفية سبيل أسلافها الذين صمدوا في وجه الإمبراطوريتين السوفياتية، والبريطانية.

وبغض النظر عن الجدول الزمني الذي يفضله ترمب، فإن الظروف التي تفضي عادة إلى حروب قصيرة – وهي التفوق العسكري الحاسم، ووجود خصم مستعد للتفاوض، ونهاية سياسية واضحة – غائبة بشكل ملحوظ في هذا الصراع.

وقد أشار القادة العسكريون والسياسيون الإسرائيليون إلى تقييم أقل تفاؤلا بكثير للجدول الزمني، وألمحوا إلى أن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية سيتطلب عمليات متواصلة.

فمن وجهة النظر الإسرائيلية، يتمثل الهدف العسكري في الحد من التهديدات الإستراتيجية طويلة المدى من إيران. ويضيف التباين بين الرسائل السياسية لواشنطن والتوقعات العملياتية لإسرائيل طبقة أخرى من عدم اليقين إلى مسار الصراع.

إعلان

وتتواتر التوقعات الأكثر رصانة أنه من غير المرجح أن ينهار النظام الإيراني قريبا. فهو شبكة واسعة وراسخة، مدعومة بعائدات النفط وعلاقات اقتصادية وسياسية متينة بنيت على مدى عقود.

لم يسقط النظام في 28 فبراير/شباط بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في غارة جوية أمريكية إسرائيلية. بل سار بخطى حثيثة وفق المسار الدستوري للانتقال إلى قيادة مؤقتة، واختار، في تحدٍّ واضح، ابن المرشد السابق، مجتبى خامنئي، مرشدا أعلى.

بالتزامن مع ذلك بدأت التداعيات الاقتصادية للحرب تزعزع استقرار العالم. ومع تحوّل مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية تقريبا، إلى نقطة اختناق رئيسية ومحور للحرب ، شهدت أسواق الطاقة تقلبات حادة، وارتفعت أسعار الخام رغم قيام المنتجين بضخ احتياطياتهم.

حتى مجرد الشعور باستمرار حالة عدم الاستقرار في الخليج قد يؤثر على سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما ينعكس على أسعار الوقود، وتوقعات التضخم، والأسواق المالية. ولا تزال إيران قادرة على فرض حالة من عدم اليقين على تدفقات الطاقة العالمية من خلال مواصلة إغلاق مضيق هرمز.

ويشكل البعد الاقتصادي حافزا إضافيا للولايات المتحدة لإظهار ضبط النفس مع مواصلة الضغط العسكري، كما قال بول بوست، وبيجاه بنيهاشمي في مجلة تايم الأمريكية في 13 مارس/آذار الجاري.

وعلى هذا الأساس، فقد تكون إيران على وعي بأنها في صراع وجودي، ولا يبدو ـ الآن ـ أنها مهتمة بإنهاء فوري للأزمة. فمن وجهة نظر طهران، لن يكون وقف إطلاق النار سوى هدنة مؤقتة، قبل أن تستأنف الولايات المتحدة أو إسرائيل الصراع بمجرد استعادة مخزونهما العسكري.

لذا، من المرجح ـ كما يقول نيت سوانسون الخبير الأمريكي البارز في المجلس الأطلسي "Atlantic Council"، أن تكون حرب استنزاف بطيئة ومطولة هي النتيجة التي تسعى إليها إيران. إذ يحسب القادة الإيرانيون أن بلادهم أكثر استعدادا لتحمل الخسائر والألم، من الولايات المتحدة أو حلفائها.

وبالتالي، إذا احتفظت طهران بقدرتها العسكريةـ بما في ذلك التهديدات غير المتكافئةـ لإلحاق الضرر بالولايات المتحدة وحلفائها، فضلا عن الحفاظ على ارتفاع أسعار الطاقة، فإنها ستكون الأقرب إلى تحديد نهاية الصراع من الولايات المتحدة.

وأيا ما كان الأمر، فإن هذا الغموض، يعقّد البحث عن نهاية واضحة للحرب. كل هذا يضع المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين أمام سؤال لا يمكنهم تجاهله إلى أجل غير مسمى: هل يستحق تحقيق أهدافهم الحربية، أيا كانت، تكلفة حرب طويلة الأمد ومدمرة؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد