الجزيرة.نت - 3/20/2026 3:00:45 PM - GMT (+3 )
لا ينبغي أن يفاجأ العالم بغرق الولايات المتحدة في الازدواجية والانفصام بين القول والفعل، فشعوب الأرض تابعت واشنطن، وهي تشن الحروب وتقود عمليات تغيير الأنظمة، الواحدة تلو الأخرى على مدار الأعوام الثمانين الماضية.
وكما اعترف الرئيس الأسبق جيمي كارتر في 2019، بعد تلقيه مكالمة هاتفية من دونالد ترمب يشكو فيها من بزوغ "القرن الصيني"، فإنه لم يكن يخشى الصينيين الذين لم يخوضوا حربا منذ عام 1979، بل كان يتخوف من وضع الولايات المتحدة التي تعيش حالة حرب دائمة.
وكان الرئيس الراحل يقدر أن الولايات المتحدة لم تنعم طوال تاريخها الممتد لـ 242 عاما حتى عام 2009، سوى بـ 16 عاما فقط من السلام، مما يجعلها "الأمة الأكثر ميلا لخوض الحروب في تاريخ العالم".
لكن هذا التاريخ القاتم لم يثنِ الولايات المتحدة عن التباهي بتفوقها الأخلاقي وإلقاء المواعظ على الدول الأخرى حول ضرورة الالتزام بما يسمى "النظام الدولي القائم على القواعد"، وهو النظام الذي أوجدته الولايات المتحدة بنفسها لكنها ترفض الانصياع له حين يتعارض مع "مصالحها" الخاصة.
وقد جسّد الرئيس الأمريكي الأسبق وودرو ويلسون هذا الغرور بأوضح صوره في أعقاب مؤتمر التسوية في فرساي إثر نهاية الحرب العالمية الأولى حين قال: "أخيرا عرف العالم الولايات المتحدة بصفتها منقذة العالم".
هذه اللازمة المتعجرفة – الشعور الأعمى بالتفوق الأخلاقي الذي يتجسد في فكرة "الاستثنائية الأمريكية"، أي الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ليست مختلفة عن سائر دول العالم فحسب، بل أفضل منها جميعا – ردده مرارا وتكرارا قادة أمريكيون يعتقدون أن هذا يمنحهم الحق في استخدام أي وسيلة ضرورية للحفاظ على هيمنتهم العالمية.
وكما قالت وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت، بعد فترة وجيزة من تبرير مقتل نصف مليون طفل عراقي بسبب العقوبات الأمريكية: "إذا اضطررنا لاستخدام القوة، فذلك لأننا أمريكا، نحن الأمة التي لا غنى عنها. نحن نقف بشموخ وننظر إلى المستقبل أبعد من أي دولة أخرى".
إعلان
بوجود قادة مثل ويلسون وترومان والأخوين دالاس وجونسون ونيكسون وكيسنجر وبريجنسكي وريغان وجورج دبليو بوش وآل كلينتون (خاصة هيلاري) وأولبرايت وبايدن، فقد استحقت الولايات المتحدة منذ زمن طويل جائزة نوبل في الازدواجية. والآن، مع عودة ترمب إلى السلطة، بلغت المراوغة والتلون الأمريكيان مستويات غير مسبوقة.
وما زاد الطين بلة، هو انضمام الولايات المتحدة إلى بنيامين نتنياهو ومستشاريه من اليمين المتطرف في حرب اختيارية بغرب آسيا، تستند – مثل الكثير من الحروب الأمريكية السابقة – إلى أكاذيب مفضوحة بشأن التهديدات الوشيكة التي تشكلها في هذه الحالة برامج إيران النووية والصاروخية، وهي الأكاذيب التي فندتها تماما الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأجهزة الاستخبارات الأمريكية.
إن شعور الولايات المتحدة- التي تمتلك أكثر من 5 آلاف رأس حربي نووي وتتحمل مسؤولية فريدة عن العصر النووي وبعض أسوأ جرائمه، وإسرائيل التي تمتلك ما بين 90 إلى 300 رأس نووي ضمن ترسانتها "غير المعلنة"- بأحقية تدمير إيران بذريعة أنها قد تسعى يوما لتطوير سلاح نووي، يرفع هذا مستوى ازدواجية المعايير والإفلات من العقاب إلى مستوى جديد تماما.
أفادت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أن إيران ألغت برنامجها للأسلحة النووية في عام 2003. وفي العام نفسه، أصدر آية الله خامنئي لأول مرة فتواه التي تحرم تطوير أو حيازة سلاح نووي، وهو حظر كان ساريا قبل الهجمات على إيران العام الماضي، وهذا العام.
وبموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، أو ما يعرف بالاتفاق النووي الإيراني، الذي توصل إليه أوباما في عام 2015 بعد مفاوضات شاقة، وبمساعدة روسيا ودول أخرى، كان من المقرر أن تلتزم إيران لمدة 15 عاما بتخصيب اليورانيوم عند مستوى 3.67%، وهو أقل بكثير من المستويات المطلوبة لتطوير سلاح نووي.
وعقب الاتفاق، خضعت إيران لأشد نظام تفتيش مكثف على الإطلاق، وفقا للوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن ترمب انسحب من الاتفاق في عام 2018، ممهدا الطريق لجولات العنف التي ميزت ولايته الثانية.
في يونيو/ حزيران الماضي، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة قصف استمرت 12 يوما، وزعم ترمب حينها "القضاء" على برنامج إيران النووي. والآن، تعود الولايات المتحدة وإسرائيل إلى قصف إيران مرة أخرى بقوة أكثر ضراوة.
انتهى زمن استهداف المواقع النووية، والذي كان ينذر بكارثة ذات أبعاد مختلفة. استبدلت هذه المواقع "الإستراتيجية" الآن بمدرسة للبنات، وما لا يقل عن 13 مستشفى، ومجمع رياضي، والعديد من الأهداف المدنية الأخرى.
بذلت إسرائيل كل ما في وسعها لمنع الولايات المتحدة من التوقيع على الاتفاق النووي لعام 2015، ثم حرضت ترمب على الانسحاب منه خلال ولايته الأولى.
والآن، نجح نتنياهو في جر الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران – وهو الأمر الذي حاول القيام به منذ عقود – لكن الرؤساء الأمريكيين السابقين كان لديهم ما يكفي من الحكمة لرفضه. نتنياهو هو من كان يحذر بانتظام منذ التسعينيات من أن إيران على بعد "أسابيع" من امتلاك سلاح نووي.
إعلان
بدأ ترمب ونتنياهو حملة القصف رغم إعلان وزير الخارجية العماني أن الجانبين حققا "تقدما ملموسا" وكانا على وشك التوصل إلى اتفاق. ووفقا للوزير بدر البوسعيدي، كانت إيران ستوافق على التخلص من اليورانيوم عالي التخصيب الذي يمكن استخدامه لصنع سلاح نووي، وعلى التراجع عن كافة جوانب برنامجها البحثي، التي قد تمثل تهديدا.
اعتقد ترمب ونتنياهو أن النصر العسكري سيظهر قوتهما أكثر من النصر الدبلوماسي، فاختارا تحويل النصر إلى هزيمة، وأشعلا فتيل هذه الحرب غير الأخلاقية وغير القانونية وغير الضرورية على الإطلاق.
لا أحد، وخاصة أولئك الذين نادوا مثلنا بنزع السلاح النووي وإلغاء الأسلحة النووية، يرغب بأن يرى إيران تطور هذه الترسانة. ولكن لا ينبغي لأحد أيضا أن يتفاجأ إذا اعتقد قادة إيران أن ذلك هو وسيلتهم الوحيدة والموثوقة لحماية بلادهم من حرب أخرى.
من الواضح تماما أنه بعد تعرضهم للقصف مرتين خلال ثمانية أشهر، في خضم مفاوضات كانت تبدو مثمرة، لم تعد لدى الإيرانيين رغبة في تلقي ضربة ثالثة.
ولكن بالنظر إلى المخاطر الجسيمة والتهديدات العالمية الناجمة عن أي تصعيد جديد يضاف إلى الأضرار الحاصلة بالفعل، يجب فرض حل دبلوماسي على جميع الأطراف.
ينبغي أن يحدث ذلك على الفور. إذا أدركت الولايات المتحدة وإسرائيل أن استخدام القوة بذرائع وهمية يحولهما إلى دولتين منبوذتين ومكروهتين عالميا، فسيكون ذلك أفضل بكثير. وإذا تخلى النظام الإيراني عن مخزونه من اليورانيوم عالي التخصيب، فسيهلل العالم لهذه الخطوة.
لكن يجب أن نتفق جميعا على أن الحرب ليست خيارا في العصر النووي. علينا أن نعود إلى الدبلوماسية ونجد سبيلا نحو تنمية سلمية لا تخدم مصالح الأطراف المعنية فحسب، بل مصالح البشرية جمعاء.
وكما قال رجال الدولة الحكماء، فإن البشر هم من خلقوا هذه الأزمات التي تهدد بقاءهم؛ وبإمكانهم أن يختاروا العيش المشترك ويحلوا خلافاتهم سلميا. إذا استطعنا تخيل عالم كهذا، فبإمكاننا أن نحوله إلى واقع.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


