بيلدت للجزيرة نت: ندين استهداف دول الخليج وعلاقة أوروبا بأمريكا لن تعود كما كانت
الجزيرة.نت -

وصف رئيس الوزراء السويدي الأسبق كارل بيلدت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران بأنها تتم خارج إطار القانون الدولي، لكن ما يثير قلق بيلدت أكثر من مجرد الانتهاكات أن الولايات المتحدة "لا تحاول حتى الادعاء" بأنها تتحرك ضمن هذا الإطار.

وفي مقابلة خاصة مع الجزيرة نت، دان بيلدت بشدة استهداف إيران لدول الخليج، واصفا هذه الخطوة بأنها "غير حكيمة وغير ضرورية وغير قانونية"، مشيرا إلى أن دول الخليج "لم تهاجم إيران، بل الأمريكيون والإسرائيليون هم من فعلوا ذلك".

وأكد بيلدت أن العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة "لن تعود إلى ما كانت عليه قبل 10 أو 15 عاما"، وشدد على أن الموقف الأوروبي من الحرب واضح في إدانة الانتهاك، وكل حكومة أوروبية تقريبا صرحت بطريقة أو بأخرى بأن هذه الحرب خارج إطار القانون الدولي.

ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، سقط مئات القتلى في إيران بينهم المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، في حين ردت طهران بإطلاق آلاف الصواريخ والمسيرات على أهداف أمريكية وإسرائيلية ودول خليجية خلال نحو 3 أسابيع.

وكارل بيلدت هو رئيس وزراء السويد ووزير خارجيتها الأسبق، وهو أيضا الممثل السامي للاتحاد الأوروبي في البوسنة والهرسك، وأحد أبرز صناع القرار في السياسة الأوروبية على مدى عقود، وهو عضو قيادي حاليا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

في هذا الحوار، يقدم بيلدت رؤية نقدية للحرب في إيران، محذرا من تآكل القواعد الدولية، وتنامي التوترات عبر الأطلسي، وغياب أي "مخرج واضح" من حرب قد تجر المنطقة والعالم إلى فوضى أشمل.

بيلدت: قرار استهداف إيران لعواصم خليجية كان غير حكيم (وكالة تسنيم)
إدانة استهداف الخليج

من أخطر تطورات الحرب على إيران -كما يراها بيلدت- هو توسع دائرة الاستهداف الإيراني لتشمل دول الخليج العربي، فقد بات واضحا أن الحرب لم تعد محصورة بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي، بل تحولت إلى صراع إقليمي شامل.

إعلان

إذ يقول "أعتقد أن قرار استهداف إيران لعواصم خليجية كان غير حكيم، وبالأحرى كان غير ضروري. وكان غير قانوني بوضوح". ويشرح ذلك بأن "إيران لم تتعرض للهجوم من دول الخليج، بل تعرضت للهجوم من الأمريكيين والإسرائيليين، وهذا شيء مختلف وتجب إدانته".

ويذكّر رئيس وزراء السويد الأسبق بأن دول الخليج "كانت واضحة جدا قبل الحرب بأنها تدعو إلى حل سياسي من خلال الدبلوماسية". ويضيف "كانوا يحذرون الأمريكيين والإسرائيليين من الحرب لأنهم قالوا إنه لا بد أن تكون هناك أضرار جانبية".

ويحلل بيلدت الدوافع الإيرانية لهذا التوسع بأنهم "أعلنوا أن هذه الحرب تهديد لوجودهم، لا سيما بعد الذي سمعوه من الرئيس ترمب الذي يريد التخلص من كل شيء، ولذلك توجهوا نحو العدوان ضد دول الخليج أيضا". لكنه يؤكد مجددا أن هذا لا يبرر الاستهداف، مبينا أن القانون الدولي واضح في هذا الشأن.

الاستهدافات الأمريكية الإسرائيلية في إيران خلال أول 48 ساعة من الحرب (الجزيرة)
الموقف الأوروبي وتغير الأدوات

تواجه أوروبا معضلة حقيقية في التعامل مع الحرب على إيران، فمن جهة تلتزم علنا بالدفاع عن القانون الدولي ومنع التصعيد، ومن جهة أخرى تجد نفسها عاجزة عن ممارسة أي ضغط فعلي على حلفائها في واشنطن وتل أبيب، وهذا التناقض يضع أوروبا في موقف دفاعي، وهو ما يحاول بيلدت تفسيره انطلاقا من تمييز دقيق بين الأهداف والوسائل.

ويؤكد بيلدت أن المقاربة الأوروبية تجاه الأزمة الإيرانية لم تتغير جوهريا منذ بدء التصعيد، موضحا أن "الهدف الأساسي بالنسبة لأوروبا كان دائما إيجاد حل دبلوماسي يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي". لكنه يعترف بأن الحرب الدائرة حاليا قد غيّرت الأدوات المتاحة بشكل جذري، مشيرا إلى أن "الوسائل التي كانت متاحة سابقا، مثل الاتفاق النووي، لم تعد قائمة الآن".

ويدافع عن موقف الاتحاد الأوروبي من الاتفاق النووي الإيراني، مذكرا بأن أوروبا ظلت ملتزمة به حتى بعد انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منه عام 2018. ويقول "نحن لا نزال نعتقد أن الاتفاق كان الطريق الأفضل، ولكن الواقع الحالي مختلف تماما، والحرب فرضت معطيات جديدة".

غير أن رئيس الوزراء السويدي الأسبق يشدد على أن الانقسام الأوروبي حول كيفية التعامل مع الأزمة ليس عميقا كما يبدو للوهلة الأولى، موضحا أن "الخلافات الأوروبية لا تتعلق بالأهداف، بل بالوسائل والتكتيكات". ويضيف "بعض الدول الأوروبية تميل إلى موقف أكثر حزما، بينما تفضل دول أخرى نهجا أكثر حذرا، لكن الجميع متفقون على ضرورة تجنب تصعيد إقليمي كارثي".

ويشير بيلدت إلى أن "ما تغير بشكل رئيسي هو دور الولايات المتحدة ودور إسرائيل"، معتبرا أن ذلك جعل من الصعب على أوروبا مواصلة أهدافها التقليدية. ويوضح أن إسرائيل "سلكت مسارا مختلفا، وجرّت الولايات المتحدة معها إلى حد بعيد"، وهو ما قلّص مساحة المناورة الأوروبية بشكل كبير.

بيلدت قال إن العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل 10 أو 15 عاما (رويترز)
توترات بين ضفتي الأطلسي

لعل أخطر ما تكشفه الحرب على إيران، حسب بيلدت، هو التآكل المتسارع للنظام الدولي القائم على القواعد، وتنامي التوترات بين أوروبا والولايات المتحدة، هذا التآكل ليس وليد اليوم لكن الحرب الحالية تسرّعه بشكل خطير.

إعلان

ويقول بيلدت "لسوء الحظ، نحن في وضع يتزايد فيه انتهاك القانون الدولي بوضوح وبشكل متكرر". مضيفا "لدينا العدوان الروسي على أوكرانيا، وهو يعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي. والآن الولايات المتحدة تفعلون الشيء ذاته، والصين أيضا لم تكن ملتزمة بالقانون الدولي بشكل خاص في بحر جنوب الصين".

ويحذر المسؤول السويدي من أن "لدينا اتجاها مقلقا في الشؤون الدولية يتمثل في تزايد عدم احترام القانون الدولي، وهذا أمر مقلق، ليس فقط من وجهة النظر الأوروبية، بل يجب أن يكون مقلقا من وجهة نظر الجميع". ويشرح ذلك بأنه "في نهاية المطاف، نحن جميعا نعتمد على قدر من الاستقرار بقدر ما نستطيع في النظام الدولي".

ويؤكد بيلدت أن هذا التآكل "كان قائما منذ فترة لكنه يتسارع الآن". ويضيف بنبرة تحذيرية "أعتقد أنه في وقت ما، سيكون على القوى الكبرى أن تدرك أن دعم القواعد الأساسية للنظام الدولي هو في مصلحتها أيضا، لكن لا يبدو أن ذلك هو الشعور السائد في عدد من العواصم في الوقت الحالي".

أما عن العلاقات عبر الأطلسي، فيقول بيلدت إنها تمر بـ"فترة قاسية جدا". ويستشهد "بقضية غرينلاند"، حين تحدث الرئيس الأمريكي "عن السيطرة على أراضٍ تابعة لدولة أخرى في حلف الناتو، وحتى الإشارة إلى أنه ربما يفكر في استخدام القوة العسكرية". ويضيف أن هذه القضية أثرت بالفعل على المواقف الأوروبية أيضا عندما تعلق الأمر بالحرب على إيران.

ويؤكد بيلدت أن العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة "لن تعود إلى ما كانت عليه قبل 10 أو 15 عاما". ويشدد على "أن الأوروبيين باتوا يفهمون الآن أننا يجب أن نقف على أقدامنا أكثر بكثير، ويجب أن نطور قدراتنا وكفاءاتنا على التصرف أكثر مما كانت عليه الحال".

ويخلص إلى نتيجة مفادها أن "قضية غرينلاند أظهرت أنه عندما يقف الأوروبيون معا ويثبتون على موقفهم، فإنه يجب على الأمريكيين التراجع".

عمليات عسكرية بلا غطاء قانوني

لا يتردد بيلدت في وصف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بأنها تتجاوز كل المعايير الدولية المعترف بها. وبنبرة حادة، يقول إن "ما يحدث في إيران يتم خارج إطار القانون الدولي". فالعمليات العسكرية الجارية لم تحصل على أي تفويض من مجلس الأمن الدولي، ولا تندرج تحت أي من الاستثناءات المقبولة دوليا لاستخدام القوة، سواء كانت دفاعا عن النفس أو بموجب قرار أممي.

ويشرح ذلك بأن "ميثاق الأمم المتحدة واضح جدا فيما يتعلق باستخدام العنف بين الدول. يمكنك القيام بذلك في حالة الدفاع عن النفس، أو يمكنك القيام بذلك عندما يتم التفويض من قبل مجلس الأمن".

لكن ما يقلق بيلدت أكثر من مجرد الانتهاك نفسه هو الطريقة التي تتعامل بها واشنطن مع هذا الأمر، "ما يقلقني أكثر من حقيقة أنها خارج إطار القانون الدولي هو أن الولايات المتحدة لا تحاول حتى التظاهر بأنها ضمن القانون الدولي". ويتابع "لقد رأينا عددا من الحالات في الماضي حيث حاولت الدولة التي تقوم بالعدوان التظاهر بأنها تعمل وفقا للقانون الدولي، أما هنا فلا يتظاهرون حتى".

دور أوروبي محدود

رغم تاريخها الطويل في الوساطة والدبلوماسية، تبدو أوروبا اليوم عاجزة عن لعب دور مؤثر في وقف الحرب على إيران، وهذا العجز لا يعكس فقط محدودية القوة العسكرية الأوروبية، بل يكشف أيضا عن أزمة بنيوية أعمق في العلاقات عبر الأطلسي وفي مكانة أوروبا في النظام الدولي.

وأمام هذا الموقف، يعترف بيلدت بمحدودية الدور الأوروبي في المرحلة الراهنة، قائلا "الواقع أن قدرتنا على التأثير على الأطراف الرئيسية، سواء الأمريكيون أو الإسرائيليون أو الإيرانيون، محدودة بشكل واضح". ويضيف "نحن الآن في وضع تطلق فيه البنادق النار وتسقط القنابل، والمساحة المتاحة للدبلوماسية محدودة للغاية، إن وجدت في الأساس".

إعلان

ويرى المسؤول السويدي أن الدبلوماسية لا يمكن أن تعود إلا "عندما تتوقف البنادق عن إطلاق النار وتتوقف القنابل عن السقوط". و"بعد ذلك دعنا نرى، قد تكون هناك إمكانية لأوروبا لتعزيز حضورها الدبلوماسي والسياسي بشأن هذه القضايا.

أما عن إمكانية مشاركة أوروبا في أي جهود محتملة، فيبدي بيلدت تحفظا واضحا، مشيرا إلى أن "هذه ليست حربنا"، وأن المشاركة في عمليات عسكرية لا تملك أوروبا فيها "أي سيطرة على ما يحدث، حول سير العمليات، سواء كانت هجومية أو غير ذلك يعد أمرا صعبا جدا".

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يراه بيلدت المستفيد الواضح من الحرب على إيران (رويترز)
روسيا "مستفيد واضح"

بينما تغرق المنطقة في الفوضى، يبدو أن هناك مستفيدين واضحين من استمرار الحرب، وعلى رأسهم روسيا. وهذا ما يؤكده بيلدت قائلا: الرئيس فلاديمير "بوتين هو أحد المستفيدين الواضحين من هذه الحرب".

ويشرح بيلدت هذا الحكم بأن روسيا تستفيد من الحرب على مستويين رئيسيين:

  •  أولا- اختفاء الضغط عليه من أجل إنهاء الحرب ضد أوكرانيا من الأمريكيين والأطراف الأخرى، فروسيا الآن خارج دائرة الضوء بينما تستمر المعارك بشدة في سهول أوروبا الشرقية".
  • ثانيا- تدفق مليارات جديدة إلى خزائن الكرملين، سواء بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز، أو بسبب حقيقة أن الأمريكيين يرفعون بعض العقوبات والقيود على النفط الروسي".

ويقول بيلدت "لا بد أن يكون هناك الكثير من الخاسرين في كل مكان بسبب هذا النزاع، لكن روسيا هي الفائز الواضح في كل ذلك".

الحروب في مناطق إنتاج وتصدير النفط تسببت في رفع أسعاره (غيتي)
أسعار مرتفعة وأمن غذائي مهدد

ولا تقتصر تداعيات الحرب على إيران على الجوانب العسكرية والسياسية، بل تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي بأكمله. وهذا ما يحذر منه بيلدت بوضوح، مشيرا إلى أننا "نرى أسعار النفط والغاز ترتفع بشكل كبير في الأسواق الأوروبية".

لكن القلق الأكبر، حسب المسؤول الأوروبي، يتعلق بالأمن الغذائي، "هذا يجب أن يُعد مصدر قلق أكبر، فأسعار الأسمدة ومدى توافرها هو ما سيؤدي إلى انخفاض أسعار الغذاء في المستقبل". مبينا أن مكونات مثل هذه ومواد خام أخرى يحتاجها الاقتصاد العالمي تأتي من الخليج.

ويخلص بيلدت إلى أن هذه التداعيات ستستمر حتى بعد انتهاء الحرب "حتى لو انتهت الحرب بعد ساعة من حديثنا، سنرى تلك التداعيات تستمر خلال الأسابيع والأشهر المقبلة".

لا يوجد مخرج للحرب

عندما يُسأل بيلدت عن رؤيته لكيفية انتهاء هذه الحرب، يتضح أنه لا يملك إجابة مطمئنة، بل تبدو نبرته قلقة وهو يعترف بأنه "لا يوجد مخرج واضح" من هذه الحرب.

ويشرح ذلك بأن "الحروب من هذا النوع تأخذ غالبا مسارا غير متوقع، وقد تتوسع بشكل لا يمكن السيطرة عليه". ويحذر "لقد رأينا بالفعل توسع النزاع؛ انظر إلى ما يحدث في لبنان، فهناك ما يقرب من 1000 قتيل، و800 ألف شخص في حالة نزوح ".

ويزيد على ذلك بأن الحرب "قد تتوسع أكثر، فهل سنرى دورا للحوثيين في اليمن؟ هذا أمر محتمل بالنسبة للحوثيين وغير مستبعد".

ويرى بيلدت أن "المسار الواقعي لاحتواء الأزمة يبدأ عندما يفهمون في طهران وواشنطن وتل أبيب أنهم إذا استمروا في التصعيد فإنهم جميعا سيخسرون". ويشرح ذلك بأن "الولايات المتحدة وإسرائيل لديهما ميزة عسكرية ساحقة، لكن من الصعب جدا ترجمة ذلك إلى ميزة سياسية حاسمة، والتكاليف الاقتصادية والتداعيات على الصعيد العالمي ستكون كبيرة جدا".

ولذلك يختم بيلدت تصريحاته للجزيرة نت بأنه "عندما يدرك الجميع أن الاستمرار في الحرب يعني أنهم سيخسرون أكثر، عندها يأمل المرء أن يجدوا طريقة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، والعودة إلى المسار الدبلوماسي، وأعتقد أن ذلك سيحدث في وقت ما".



إقرأ المزيد