في عيد الأم.. ماذا عن الآباء الذين يقومون بدور الأم والأب معا؟
الجزيرة.نت -

في يوم يمتلئ بالورود ورسائل الامتنان للأمهات، هناك آباء يقضون عيد الأم في المطبخ وغرفة الغسيل وعيادة الطبيب المدرسي، يجهزون الإفطار، يراجعون الواجبات، ويوقّعون استمارات المدرسة، لأنهم باختصار يقومون بدور الأم والأب معا. هؤلاء لا توجه إليهم التحية عادة في هذا اليوم، رغم أن حكايتهم تتقاطع مع جوهره: رعاية الأطفال وحدها.

من ينسى تيد كرامر (داستن هوفمان) في فيلم "كرامر ضد كرامر" (1979)، وهو ينهار غضبا وإحباطا أمام طفله بعدما عجز عن تحضير الخبز الفرنسي المحمص الذي اعتاد أن تقدمه الأم كل صباح، قبل أن ترحل تاركة الأب في مواجهة أبوة وأمومة لا يعرف عنها شيئا؟

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

والمأزق نفسه يعيشه غاردنر (ويل سميث) في فيلم "السعي وراء السعادة" (2006)، وهو يكافح لتأمين قوت يومه، ثم تتركه زوجته ليجد نفسه في الشارع مع ابنه الصغير، ويصبح مسؤولا عنه وحده.

هذان المشهدان يختصران مأساة واقعية لآباء يتحولون فجأة إلى معيلين وحيدين، بعد غياب الأم بسبب الانفصال أو الوفاة، فيطلب منهم أن يكونوا "أما كاملة" و"أبا كاملا" في آن واحد.

دور الآباء.. أكثر من "معيل" وأقل من أن يُنسى

وفق جمعية معالجي نفس الأطفال البريطانية، يحتاج الأطفال إلى آبائهم تماما كما يحتاجون إلى أمهاتهم، ليحبوهم ويهتموا بهم ويوفروا احتياجاتهم العاطفية واليومية. ما يقدمه الأب هنا لا يقل أهمية عما تقدمه الأم:

  • بالنسبة للأولاد، يكون الأب غالبا قدوة أساسية، وتشير بعض الدراسات إلى أن "تأثير الأب قد يكون له دور كبير في شخصية الأولاد".
  • بالنسبة للبنات، يمكن للعلاقة الجيدة مع الأب أن تعزز "الثقة بالنفس والشعور بالهوية"، خاصة في مرحلة المراهقة.
  • بالنسبة للمراهقين عموما، يحضر دور الأب بقوة في "مساعدتهم على الانطلاق في الحياة، بالتوازي مع وضع الحدود لهم".

حين يغيب أحد الوالدين، لا يعني ذلك أن دور الآخر يصبح "مضاعفا" فقط، بل إن البناء النفسي للأبناء يتأثر بعمق، ويصبح على الأب الوحيد أن يسد فراغا عاطفيا وتنظيميا كان يفترض أن يتقاسمه مع شريك.

إعلان

عندما يكون الأب وحده في الواجهة

تربية الأطفال مرهقة حتى في وجود الوالدين، فكيف إذا وجد أب نفسه وحيدا في تحمل المسؤوليات كلها؟

إذا كانت الأم قد تركت الأسرة، يتعين على الأب أن يتعامل مع مشاعر الحيرة والغضب لدى الأطفال، وأن يشرح سبب الغياب وكيفية التعايش معه، بينما يعيش هو المشاعر نفسها.

وإذا كانت الأم قد توفيت، يتحمل الأب مهمة إبقاء صورتها حية في وجدان الأبناء، ومساعدتهم على فهم الموت والتصالح معه، وهو نفسه غارق في حزنه.

بحسب خبراء جمعية معالجي نفس الأطفال البريطانية، "يواجه كل أب وحيد العديد من الصعوبات الشخصية والعملية". فالوحدة مشكلة حاضرة بقوة، وأصحاب العمل لا يكونون دائما متفهمين لظروفه، وتنظيم الحياة الاجتماعية والدراسية للأطفال -التي كانت الأم تقوم بجزء كبير منها- يصبح عبئا إضافيًا على كتفيه.

يزيد الأمر تعقيدا أن "الأبوة مسألة شخصية للغاية مقارنة بالأمومة"، الرجال أقل ميلا للحديث عن تفاصيل تربية الأبناء بالطريقة التي تفعلها النساء، فيجد كثير من الآباء الوحيدين صعوبة في طلب الدعم أو حتى الاعتراف بحاجتهم إليه.

ظاهرة تتسع.. واهتمام لا يلحق بها

دراسة نشرت في مجلة "ذا لانسيت" عام 2018 تشير إلى أن عدد الآباء المنفردين في ازدياد في دول عديدة، لأسباب منها ارتفاع نسب الطلاق، ومع ذلك يبقون "مهملين" في كثير من السياسات والبرامج الاجتماعية.

وفي مقال بحثي بمجلة علم الاجتماع عام 2023، يوضح الدكتور برايان والدوك أن نسبة الرجال الذين يعيشون كآباء منفردين في الولايات المتحدة ارتفعت من 10% عام 1981 إلى 24% في 2013، ثم استقرت تقريبًا، وهو ما يعني أن هناك كتلة صامتة من الآباء تتحمل عبء الأبوة والأمومة دون شريك.

آباء بلا شريك يواجهون عبء الأمومة وتربية الأبناء (بيكسلز)
سبعة تحديات في حياة الأب الوحيد

تجمع الأبحاث والدراسات الحديثة صورة متكررة للتحديات التي يواجهها الآباء الوحيدون، من أبرزها:

  • 1- صعوبة التكيف مع الدور الجديد

يشير الدكتور جيفري إل غريف، أستاذ الخدمة الاجتماعية في جامعة ميريلاند، إلى أن ارتفاع معدلات الطلاق، ووفاة الأمهات في بعض الحالات، أدى إلى تبدل الأدوار التقليدية بين الوالدين، و"جعل الرجال أكثر انخراطا في رعاية أبناء يعانون غالبا من صعوبات في التكيف".

لكن الأب نفسه يواجه بدوره صدمة التبدل المفاجئ، فبحسب عالم الاجتماع الدكتور برايان والدوك، يجد كثير من الآباء الوحيدين صعوبة في إعادة تشكيل روتينهم اليومي، والالتزام بمتطلبات الانضباط والصبر، وهم يتعلمون في الوقت ذاته مهارات لم تكن متوقعة منهم سابقا، من رعاية يومية دقيقة إلى متابعة مدرسية وعاطفية مستمرة.

وترتبط قدرة الأب الوحيد على التكيف ارتباطا وثيقا بمستوى التوتر الذي يعيشه، فكلما انخفضت الضغوط، تحسنت جودة حياته وتكيفه مع الدور الجديد.

وتظهر أبحاث الدكتور غريف أن التكيف يمكن أن يتحسن بوضوح من خلال "تنمية خبرات التعامل مع الأطفال وتربيتهم بفعالية"، وأن الآباء الذين تواصل الأمهات السابقات مشاركة رعاية الأبناء معهم بعد الانفصال "يعبرون عن مشاعر أكثر إيجابية، وتواصل أفضل، وصراعات أقل" في حياتهم اليومية.

  • 2- تراجع جودة الحياة والشعور بالوحدة

إعلان

تظهر الأبحاث أن جودة حياة الآباء الوحيدين أقل غالبا من نظرائهم المتزوجين، إذ تسهم عوامل عديدة في زيادة الضغوط النفسية والضيق لديهم.

وتشير دراسة "ذا لانسيت" إلى أن الآباء الوحيدين "أكثر عرضة لاتباع أنماط حياة غير صحية، بسبب التعرض للعزلة الاجتماعية والضغوط والحزن"، كما يبدون رضا أقل عن حياتهم الاجتماعية، ويعد "الشعور بالوحدة والعزلة" إحدى المشكلات الشائعة بينهم.

تحديات يومية في حياة الآباء المنفردين (فري بيك)
  • 3- صحة أكثر هشاشة

يرى كثير من الآباء الوحيدين أنفسهم في حالة صحية أسوأ إجمالا، بسبب التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهونها. وقد وجد الباحثون أن "معدل الوفيات بين الآباء الوحيدين أعلى بثلاث مرات من معدل الوفيات بين الأمهات الوحيدات والآباء المتزوجين".

  • 4- علاقة مركبة مع الأبناء

يقضي الآباء الوحيدون وقتا أطول مع أطفالهم، لكن إحدى الدراسات وجدت أنهم "يميلون إلى أن يكونوا أقل حنانا، وأكثر صرامة في الروتين اليومي، مثل وقت النوم ومشاهدة التلفاز وتناول الطعام، لكنهم في الوقت نفسه أقل قسوة في أساليب تربيتهم".

  • 5- ضغوط العمل

يواجه كثير من الآباء الذين يربون أطفالهم بمفردهم صعوبات في أعمالهم، مثل التأخر عن الدوام أو التغيب عنه، ومحاولة التوفيق بين متطلبات العمل والأبوة، "مما يؤثر على الدخل ويزيد ضغوط العمل".

كما ترتبط الوظائف المرهقة بدنيا بتدهور الصحة النفسية للآباء الوحيدين، وزيادة تغيبهم، بوصفهم حالة خارجة عن الصورة النمطية السائدة للأبوة.

  • 6- أثر الأبوة الفردية في تعليم الأطفال

على الرغم من أن بعض الدراسات تشير إلى أن الآباء الوحيدين "غالبا ما يكونون من ذوي التعليم العالي"، فإن دراسات أخرى تظهر أن "الأبوة الفردية قد تؤثر سلبا في التحصيل الدراسي للأطفال، بسبب انخفاض مستوى مشاركة الوالدين".

  • 7- اختلاف أنماط الاستهلاك

تبين أن الآباء الوحيدين ينفقون مبالغ أكبر على الطعام خارج المنزل، لضيق الوقت أو عدم القدرة على الطهي، في حين ينفقون مبالغ أقل على الكتب والألعاب وتعليم الأطفال.

اعتراف متأخر في عيد الأم

في عيد الأم، لا ينتقص هذا الحديث شيئا من مكانة الأمهات ولا من حقهن في التكريم، بل يوسع دائرة الضوء لتشمل آباء وجدوا أنفسهم في موقع لا يحسدون عليه: أن يكونوا "الأم" التي غابت و"الأب" الذي بقي، وأن يجربوا كل يوم ما رأيناه في لقطة داستن هوفمان وهو يحاول أن يطهو شريحة خبز محمصة بسيطة، فينهار قبل أن تنضج.



إقرأ المزيد