الجزيرة.نت - 3/23/2026 7:57:47 PM - GMT (+3 )
أصدر الأكاديمي والسياسي المغربي البارز فتح الله ولعلو مذكراته السياسية بعنوان "زمن مغربي: مذكرات وقراءات" في جزأين، ضمن منشورات المركز الثقافي بالدار البيضاء، في عمل ضخم تجاوز مئة صفحة واستغرق إنجازه نحو 11 عاما.
ومنذ صدور هذه المذكرات، التي أعدها الباحث لحسن لعسيبي، أثارت اهتماما واسعا في الأوساط الثقافية والسياسية، لما تقدمه من مادة غنية حول تحولات المغرب المعاصر، خاصة وأنها صادرة عن شخصية أمضت عقودا في قلب القرار السياسي والفكري.
اللافت في هذا العمل أنه لا يندرج ضمن السيرة الذاتية التقليدية، بل يتجاوزها ليقدم قراءة مركبة للتاريخ المغربي، وتتراجع فيه الذات لصالح الموضوع، وتتحول التجربة الشخصية إلى مدخل لفهم التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المغرب منذ ستينيات القرن الماضي.
حين يغلب الموضوعي على الذاتيلا يكتب ولعلو سيرته بوصفها حكاية فردية، بل جزءا من سياق تاريخي أوسع. فالذات هنا ليست مركز الحكي، بل عنصرا ضمن شبكة من التحولات الكبرى. لذلك، يربط الكاتب مساره الشخصي بمسارات المغرب، مستحضرا قضايا السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة.
بهذا المعنى، تصبح السيرة أداة للتأريخ، وليست غاية في حد ذاتها، إذ يشتغل ولعلو -الذي كان وزيرا للاقتصاد وقياديا في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية- على إدماج تجربته داخل ما يسميه "الزمن المغربي"، وهو مفهوم يربط بين المحلي والعالمي، ويجعل من المغرب فضاء متفاعلا مع التحولات الدولية، خصوصا في ظل صعود العولمة.
وُلد ولعلو في الرباط عام 1942، وتلقى تكوينه في الاقتصاد والعلوم السياسية، قبل أن يحصل على الدكتوراه من العاصمة الفرنسية باريس عام 1968، ويبدأ مساره الأكاديمي أستاذ ا بجامعة محمد الخامس. وبالتوازي انخرط مبكرا في العمل السياسي والفكري، ونشر منذ خمسينيات القرن الماضي مقالات في الصحافة الحزبية والمجلات العلمية.
إعلان
برز اسمه باعتباره أحد أبرز المحللين الاقتصاديين في المغرب، وأبدى قدرة كبيرة على قراءة التحولات الوطنية والدولية ضمن سياقاتها التاريخية. ولم يكن مجرد سياسي، بل صاحب مشروع فكري يسعى إلى بلورة رؤية حداثية للعمل السياسي، تقوم على التفكير الإستراتيجي لا التدبير الظرفي.
كما تأثر بشكل واضح بمدرسة حزبه الاتحاد الاشتراكي، وبأحد أبرز رموزها عبد الرحيم بوعبيد، الذي شكل مرجعية فكرية وسياسية له، وهو ما ينعكس في مختلف محطات المذكرات.
منهج في قراءة التاريخيقوم مشروع ولعلو في هذه المذكرات على فكرة مركزية مفادها أن الفرد لا يُفهم خارج سياقه التاريخي، لذلك يرفض اختزال المذكرات في سرد شخصي، ويدعو إلى جعلها مدخل ا لفهم موقع المغرب ضمن التحولات الإقليمية والدولية.
يعتمد الكاتب مقاربة تركيبية، إذ يربط كل مرحلة من حياته بسياقها التاريخي، سواء تعلق الأمر بالحركة الوطنية (مصطلح يطلق على الأحزاب والحركات التي واجهت الاستعمار الفرنسي من بداية القرن العشرين إلى استقلال المغرب عام 1956)، أو المرحلة الطلابية، أو تجربته الحزبية.
وتتحول هذه المحطات كلها إلى مفاتيح لفهم ما يسميه "الزمن المغربي"، الذي بلغ ذروته مع تجربة ما عرفت بـ"حكومة التناوب التوافقي"، التي قادها عبد الرحمن اليوسفي من 1998 إلى 2002، وهي الحكومة التي عينها الملك الحسن الثاني آنذاك بعد ما بلغ الوضع الاقتصادي في المغرب حد "السكتة القلبية"، بتعبير الملك نفسه.
كما يبرز دور المؤسسات، مثل البرلمان والنقابات والصحافة، في تنشيط الحياة السياسية، قبل أن يعرف المشهد تراجعا لاحقا، تجلى في ضعف الفعل الحزبي وغياب الكاريزما السياسية، حسب تعبير كاتب المذكرات.
لا ينظر ولعلو إلى المغرب كيانا معزولا، بل يراه جزءا من نظام عالمي متغير، لذلك، يربط تطوراته الداخلية بالتحولات الكبرى التي شهدها العالم في النصف الثاني من القرن العشرين، مثل الحرب الباردة وصعود العولمة.
ومن هذا المنطلق، يقدم قراءة للمغرب باعتباره فضاء لتقاطع التأثيرات الدولية، وفيه تتداخل السياسات الخارجية مع الديناميات الداخلية، مما يجعل فهم "الحالة المغربية" رهينا بفهم سياقها العالمي.
قراءة في عهود الملوكتشكل المؤسسة الملكية محورا أساسيا في المذكرات، إذ يقدم ولعلو قراءة لتطور الدولة المغربية عبر ثلاث محطات رئيسية:
- عهد محمد الخامس، الذي يعبره المغاربة قائد معركة الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي.
- عهد الحسن الثاني، الذي ركز على بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها.
- عهد محمد السادس، الذي دشن مرحلة الإصلاحات السياسية والاقتصادية.
ويؤكد الكاتب أن فهم هذه المراحل ضروري لاستيعاب مسار المغرب الحديث، خاصة في ظل تداخل الاستمرارية والتغيير.
إشكاليات التوثيقتثير مذكرات ولعلو سؤالا جوهريا حول علاقتها بكتابة التاريخ: هل يمكن اعتبارها مصدرا موثوقا؟
من جهة، توفر هذه المذكرات مادة غنية يصعب على المؤرخين الوصول إليها، بحكم الموقع الذي كان لصاحبها داخل دوائر القرار، ومن جهة أخرى، تظل محكومة بحدود الذات، وما قد يرافقها من انتقائية أو تأويل.
إعلان
ورغم هذا الإشكال، يراهن عدد من الباحثين على المذكرات السياسية مصدرا أساسيا لكتابة التاريخ، خاصة في ظل ضعف الأرشيف الرسمي، وغياب ثقافة توثيق الذاكرة لدى الفاعلين السياسيين.
تكمن أهمية "زمن مغربي" في كونه شهادة من داخل السلطة، تقدم تفاصيل دقيقة عن وقائع وأحداث ظلت بعيدة عن متناول الباحثين. فوجود ولعلو ضمن نخبة القرار أتاح له الاطلاع على معطيات نادرة، تجعل من مذكراته مادة ثمينة لإعادة قراءة التاريخ المغربي.
وفي ظل غياب أرشيف منظم، تكتسب هذه الشهادات قيمة مضاعفة، إذ تفتح أفقا جديدا للبحث التاريخي، يتجاوز السرد الرسمي نحو مقاربة أكثر تعددية وثراء.
مذكرات تكتب أكثر مما ترويليست مذكرات فتح الله ولعلو مجرد سيرة شخصية، بل هي مشروع فكري يسعى إلى إعادة بناء فه التاريخ المغربي، وهي نص يتقاطع فيه الذاتي بالموضوعي، والوطني بالعالمي، ويشكل في النهاية قراءة مركبة لزمن ما زال يلقي بظلاله على الحاضر.
وبين ذاكرة السياسي وتحليل الأكاديمي، نجح "زمن مغربي" في أن يكون أكثر من مجرد مذكرات، إنه محاولة لكتابة تاريخ من الداخل.
إقرأ المزيد


