الجزيرة.نت - 3/23/2026 9:20:57 PM - GMT (+3 )
غزة – في صباح ثاني أيام عيد الفطر، كان محمد أبو نصار "65 عاما" يشق طريقه عبر أزقة مخيم المغازي، متجها نحو السوق.
في تلك اللحظة، رنّ هاتفه، على الطرف الآخر، كان صوتٌ يتحدث بلهفة "الْحق ابنك أسامة يتجه شرقا باتجاه الخط الأصفر، ومعه ابنه الصغير". لم يحتج إلى مزيد من الشرح، استدار أبو نصار فورا، وبدأ يعود مسرعا.
كان يعرف جيدا ما يعنيه "الشرق" في هذه المنطقة، فعلى مسافة قصيرة من بيوت المخيم، لا تتعدى الـ200 متر، تبدأ مساحة مكشوفة، تنتهي عند ما بات يُعرف بـ"الخط الأصفر"، حدّ غير مرسوم على الخرائط، لكنه واضح على الأرض.
هناك، وضع الاحتلال مكعبات خرسانية صفراء اللون، متباعدة على امتداد المنطقة، كإشارة بصرية للفلسطينيين: لا تتجاوزوا هذه النقطة، وكل من يقترب، سيُقتل فورا.
يقول أبو نصار للجزيرة نت: "حاولت أن ألحقه.. لكن الناس أمسكوا بي، حتى لا يلحق بي الأذى لأن الاحتلال يقتل كل من يقترب". فوقف هناك، لا يستطيع التقدم، ولا يعرف ما يحدث لابنه وحفيده.
لكن، ومن فوق مبانٍ مرتفعة نسبيا، كان شهود يراقبون المشهد، نقلوا له لاحقا ما رأوه: "أسامة يسير باتجاه الشرق، يحمل طفله الرضيع جواد (سنة و10 شهور) على كتفيه، لم يكن يركض، ولم يكن يحاول الاختباء، كان يمشي بخطى غير منتظمة، كما لو أنه لا يدرك تماما أين يتجه".
لا يعرف محمد أبو نصار، سبب إقدام ولده أسامة على هذا الفعل، لكنه "على يقين" أنه لم يكن مدركا لما يفعل، ففي الأيام التي سبقت ذلك، لم يكن الشاب على ما يرام "قبل نحو أسبوعين، بدأت حالته النفسية تتدهور بشكل ملحوظ، كسّر نوافذ المنزل، وحطّم أثاثه.. دخل في مشادات مع الجيران، وأحيانا مع أفراد أسرته، كل ذلك دون وعي كامل بما يفعل".
ومع تدهور حالته، حاولت الأسرة البحث عن علاج له، وتعتقد العائلة أن سبب تدهور حالة أسامة النفسية يعود لقتل الاحتلال حصانه، في قصف تعرضت له المنطقة، قبل قرابة الشهرين، وهو ما أدى إلى إحداث تغيّر شبه كامل لحياته، كون أسامة كان يعتمد في معيشته على عربة يجرّها الحصان، ومع فقدانه، فَقد مصدر رزقه الوحيد، ولم يعد قادرا على العمل، ولا على إعالة أسرته.
في ذلك الصباح، (الأحد الماضي) بدا أسامة طبيعيا، كان اليوم الثاني من عيد الفطر، وقال لوالدته إنه سيأخذ ابنه إلى البقالة لشراء الحلوى، وحمل الطفل على كتفيه، وخرج.
إعلان
لكن الطريق تغيّر، فبدلا من الاتجاه غربا، سار أسامة وابنه الرضيع جواد، يعتلي كتيفه، نحو الشرق، ومع اقترابه من المنطقة المكشوفة، بدأ إطلاق النار في محيطه.
لم تُصبه الطلقات في البداية، لكنها كانت كافية لإجبار أي شخص على التراجع، إلا أنه لم يتراجع، "كان كأنه لا يسمع"، يقول والده.
بعد لحظات، ظهرت طائرة مسيّرة صغيرة فوقه، تحلّق على ارتفاع منخفض، كانت مزوّدة بمكبّر صوت، وبدأت تبث أوامر مباشرة، عندها فقط، تغيّر سلوكه.
توقّف أسامة، الذي أُصيب برصاصة في كتفه، بحسب تأكيد ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر لعائلته، وأنزل الطفل عن كتفيه، ووضعه على الأرض، ثم بدأ ينزع ملابسه، قطعة تلو الأخرى، حتى بقي بملابسه الداخلية، كما طُلب منه.
في تلك اللحظة، فُصل الأب عن ابنه، وتقدّم أسامة نحو الجنود، وبقي جواد خلفه، قبل أن يختفي كلاهما.
بقيت عائلة أبو نصار في حالة من الخوف والهلع طوال النهار، حيث اختفى الابن والحفيد، دون أي معلومة عن مصيرهما.
عند العاشرة مساء، بعد نحو اثنتي عشرة ساعة من الحادثة، تلقّت العائلة اتصالا من ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فقد سلمتهم قوات الاحتلال الطفل، وأبلغتهم أن الأب أسامة مصاب بطلق ناري في الكتف.
توجّه الجد محمد إلى سوق المخيم للقاء حفيده، حسب طلب "الصليب"، وهناك تسلم الطفل ملفوفا بغطاء خفيف، يشبه ورق التغليف الشفاف (السوليفان)، وحين حمله، لاحظ آثار دم على ملابسه، سأل عن ذلك، فأبلغه ممثل اللجنة الدولية أنه دم والده، المصاب في كتفه.
عاد الجد بالطفل إلى المنزل، وهناك كانت والدته تنتظر، وما إن حملته بين ذراعيها، حتى بدأ بالصراخ.
لم يكن بكاء عاديا لطفل عاد بعد غياب ساعات، كان صراخا متواصلا حادا، وعند تفحّصه، لاحظت العائلة إصابات واضحة في قدميه، نزيفا، وجروحا وحروقا، وآثارا لم يستطيعوا تفسيرها.
في البداية، اعتقدوا أنها نتيجة رصاص أو شظايا، لكن في مستشفى شهداء الأقصى، حيث نُقل الطفل، أظهرت الفحوصات صورة مختلفة.
لم تكن هناك شظايا، ولا رصاص، بل آثار تعذيب مقصودة، بحسب ما قال الأطباء الذين فحصوا الطفل، لذويه.
وبحسب الجد، فقد أخبره الأطباء بأن قدما الطفل تحملان حروقا جراء التعرض لنيران يعتقد أنها من ولاعة، أو أعقاب سجائر مشتعلة، بالإضافة إلى ثقب عميق "مدخل ومخرج" في سمانة الساق، جراء إدخال آلة حادة.
وتعتقد العائلة أن الطفل تعرض للتعذيب بغرض ابتزاز والده لإجباره على الاعتراف عن سبب وصوله للمنطقة، رغم أنه "بحالة نفسية غير سليمة".
ومنذ تلك الليلة، تغيّر سلوك الطفل جواد، جراء الآلام التي يشعر بها، بالإضافة للالتهابات التي أصابت جسده، فبات غير قادر على النوم، ويبكي دون توقف، ترتفع حرارته، ويتقيأ أحيانا.
وتقضي والدته ساعات الليل إلى جانبه، تضع كمادات ماء بارد على جبينه، تدهن قدميه بالمراهم، تعطيه مسكنات، وتنتظر أن يخف الألم.
إعلان
وبينما تترقب العائلة خبرا ينهي حيرتها، خاصة فيما يتعلق بمصير ابنها أسامة، تظل تفاصيل ذلك اليوم عالقة: رحلة عيد، بدأت للنزهة، وانتهت بفقدان الأب، وعودة الطفل الرضيع، ليس كما خرج.
إقرأ المزيد


