الجزيرة.نت - 3/23/2026 9:52:28 PM - GMT (+3 )
تكشف تقارير وتحليلات غربية أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تمض وفق ما رسم لها في واشنطن وتل أبيب. فعلى الرغم من الضربات الشديدة، واغتيال قادة بارزين، وتصاعد الضغط العسكري والاقتصادي، لم ينهَر النظام الإيراني، ولم تندلع انتفاضة داخلية تعجل بسقوطه، كما لم تُفض الحملة إلى استسلام سياسي يحقق أهداف الحرب سريعا.
وبدل ذلك، أظهرت طهران قدرة على امتصاص الصدمة، ورفع كلفة المواجهة على خصومها، وتحويل مجرد الصمود إلى مكسب سياسي ومعنوي.
وفي هذا السياق، تتقاطع قراءات صحفية غربية وإسرائيلية عند خلاصة واحدة: الرهانات الأمريكية والإسرائيلية أخطأت في تقدير قدرة إيران على التحمل، كما أخطأت في فهم أثر الحرب على الداخل الإيراني وعلى الإقليم معا.
ورقة ضغط إيرانيةوتشير صحيفة واشنطن بوست إلى أن أحد أبرز أوجه سوء التقدير تمثل في افتراض أن التفوق العسكري سيدفع إيران سريعا إلى القبول بمخرج تفاوضي بشروط أمريكية إسرائيلية. لكن الصحيفة ترى أن طهران لم تُظهر ميلا إلى التراجع، بل سعت إلى رفع كلفة الحرب عبر التلويح بورقة مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وبحسب الصحيفة، فإن القيادة الإيرانية رأت في قدرتها على إبقاء المضيق تحت الضغط وسيلة لتوسيع الضرر الاقتصادي عالميا، ودفع الولايات المتحدة وحلفائها إلى مواجهة تبعات لا تقتصر على الميدان العسكري.
وتضيف واشنطن بوست أن هذا الضغط لم يتحول إلى أداة تكسر إرادة طهران، بل أتاح لها مجالا للمناورة، وكشف أن الحرب لا يمكن حصر آثارها داخل الجغرافيا الإيرانية وحدها.
وتنقل الصحيفة عن دبلوماسي إيراني قوله إن الهدف هو جعل "العدوان باهظ الكلفة جدا على المعتدين"، كما قدر دبلوماسيون أوروبيون ومسؤول عربي أن طهران تعد قدرتها على التحكم في المضيق والصمود أمام الهجوم الأمريكي الإسرائيلي "نصرا قصير الأمد".
إعلان
وتشير الصحيفة إلى أن مسؤولين قطريين وعمانيين بدؤوا بالفعل اتصالات لبحث وقف إطلاق النار بعد تقديرهم أن القوة الساحقة لن تُسقط الحكومة الإيرانية قريبا، لكن طهران ردت بأنها لن تنخرط قبل توقف الهجمات.
بقاء النظاموظهر وجه آخر من الفشل في التقدير المتعلق بقدرة الضربات على إحداث تصدع داخلي يفضي إلى انهيار النظام أو شلّه سياسيا. غير أن مجلة نيوزويك تنقل عن مسؤولين إسرائيليين إقرارا لافتا بأن بقاء النظام الإيراني أصبح احتمالا واقعيا.
وتنقل المجلة عن مسؤول عسكري إسرائيلي قوله إن إيران، بحجمها الجغرافي والبشري والمؤسسي، قد تعتبر مجرد البقاء "انتصارا"، وإن هذا المنطق بدأ يفرض نفسه على السردية الإعلامية. ويضيف أن الهدف العسكري الإسرائيلي لم يكن، رسميًّا، إسقاط النظام، بل إزالة "التهديد الوجودي"، مع ترك احتمالات التغيير الداخلي للشعب الإيراني نفسه.
وبحسب ما توحي به المادة، فإن هذا التوصيف لا يعكس فقط تعديلا في القراءة الإسرائيلية لمسار الحرب، بل يكشف أيضا تراجعا عن رهانات أولية أوحت بإمكان حسمها على نحو يقود إلى تغيير سياسي كبير داخل إيران.
فحتى مع الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية العسكرية الإيرانية، واستمرار استهداف القيادات، لم تظهر، بحسب المجلة، مؤشرات حاسمة على أن النظام يفقد تماسكه بما يفتح الباب أمام انهيار وشيك.
وفي هذا الإطار، تنقل نيوزويك عن القنصل الإسرائيلي في نيويورك أوفير أكونيس قوله إن الضربات دمرت ما بين 75 و80% من الصواريخ الإيرانية البعيدة المدى، وإن إسرائيل "حققت معظم الأهداف الرئيسية".
غير أن هذا التقدير، حتى لو دعم سردية النجاح العسكري الإسرائيلي، لا يحسم سؤال النصر سياسيا، ما دامت واشنطن نفسها لم تستقر على تعريف واضح لأهداف الحرب وحدودها ونقطة نهايتها. ومن ثم، فإن ما تعده إسرائيل إنجازا عملياتيا لا يكفي وحده لصوغ رواية نصر مكتملة على الجانب الأمريكي الإسرائيلي.
وبحسب هذه القراءة، فقد تنتهي الحرب إلى وضع يدّعي فيه الطرفان الانتصار: إيران لأنها صمدت، والولايات المتحدة وإسرائيل لأنهما دمّرتا جزءًا كبيرًا من القدرات العسكرية الإيرانية. وهنا يظهر -في تقرير نيوزويك- أحد أوجه الإخفاق في التقدير الأولي: تحويل الحرب إلى معركة أهداف غير متناظرة، بما يسمح لكل طرف بإعلان النصر رغم غياب الحسم.
وتؤكد المجلة أن إيران، رغم هذه الخسائر، لا تزال تطلق يوميا صواريخ ومسيّرات على إسرائيل، وتهاجم كذلك دولا خليجية تستضيف قواعد أمريكية، وهو ما يُبين أن تراجع قدراتها لم يتحول إلى شلل كامل.
الرهان على التمردوفيما يتصل بالرهان على الداخل، تقول صحيفة تلغراف إن أحد أوضح الإخفاقات تمثل في التعويل على أن يتحول الغضب الشعبي داخل إيران إلى تمرد واسع، ولا سيما بعد الاحتجاجات التي شهدتها البلاد قبل الحرب بأسابيع.
وترى الصحيفة أن هذا الرهان أخفق في تقدير عاملين حاسمين: القمع الداخلي، والذاكرة الوطنية المعادية للتدخل الخارجي. وتقول إن الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير/كانون الثاني قوبلت بحملة قمع دامية شملت القتل والاعتقالات الواسعة والترهيب الأمني، وهو ما جعل كلفة النزول إلى الشارع باهظة للغاية. وتقول إن انتشار القوات ونقاط التفتيش يعني أن الاحتجاج لم يعد فعلا سياسيا، بل مجازفة قد تنتهي بالموت أو السجن أو الاتهام بالخيانة.
إعلان
وتضيف نيوزويك بعدا مكملا لهذا الفشل، إذ تشير إلى أن الرهان على الشارع الإيراني كان حاضرا في الخطاب الأمريكي والإسرائيلي، حتى وإن جرى تقديمه بوصفه خيارا يعود إلى الإيرانيين أنفسهم.
لكن المجلة تلفت إلى أن قسما من الإيرانيين، رغم معارضته للجمهورية الإسلامية، لا ينظر إلى التدخل العسكري الخارجي بوصفه طريقا مقبولا للتغيير، كما أن تذبذب الرسائل الأمريكية أضعف الثقة بإمكان التعويل على دعم خارجي جدي.
وفي هذا السياق، تشير تلغراف إلى النفور الإيراني المتجذر من التدخل الأجنبي. فذاكرة انقلاب 1953 المدعوم أمريكيا لا تزال حاضرة، إلى جانب الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات التي كشفت -وفق الصحيفة- كيف يمكن للعدوان الخارجي أن يوحد شرائح واسعة خلف سلطة كانت موضع اعتراض داخلي.
ومن هنا، تذهب الصحيفة إلى أن واشنطن وتل أبيب أخطأتا حين افترضتا أن العداء الشعبي للنظام كاف وحده لإشعال انتفاضة في ظل القصف، متجاهلتين أن الحرب كثيرا ما تعيد ترتيب الأولويات داخل المجتمعات، وتدفعها إلى الاحتماء بالدولة بدل التمرد عليها.
وتلفت تلغراف إلى أن الشوارع امتلأت بالفعل بعد أسابيع من دعوات ترمب إلى "اغتنام لحظة الحرية"، لكن بالحشود التي رفعت الأعلام الإيرانية في مسيرات يوم القدس، لا بحشود تسعى إلى إسقاط النظام.
أهداف مضطربةوفي مقال رأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز، يرى الكاتب فيل كلاي أن سوء التقدير الأمريكي في الحرب على إيران لم يقتصر على إدارة المعركة، بل انكشف -في جوهره- في غياب وضوح أساسي بشأن ما الذي أرادت واشنطن تحقيقه منها أصلا.
ويقول الكاتب إن المبررات التي قدمتها إدارة ترمب بدت متناقضة على نحو لافت: فتارة جرى الحديث عن تغيير النظام، وتارة عن البرنامج النووي الإيراني، وتارة عن تحييد القدرات الصاروخية والمسيّرة، أو حماية إسرائيل، أو مواجهة تهديد وشيك، بل وحتى عن "منع الحرب" عبر ما قدم بوصفه "عملية محدودة".
ويرى أن هذا التعدد لم يكن دليلا على مرونة في الأهداف، بقدر ما كان تعبيرا عن غياب تعريف متماسك لطبيعة الحرب نفسها، ولما يمكن اعتباره نصرا فيها.
وبحسب المقال، فإن هذا الارتباك لم يقف عند حدود الخطاب، بل انسحب على تصور أعمق لمعنى القوة وحدودها. فالإدارة، كما يقول الكاتب، تصرفت وكأن الضربات العسكرية يمكن أن تقوم مقام الإستراتيجية، وكأن استعراض الهيمنة كاف لصوغ نتيجة سياسية مستقرة.
ومن هنا، يرى كلاي أن الحرب قدمت، في أكثر من موضع، بوصفها عرضا للقوة أكثر من كونها أداة لتحقيق غاية سياسية منضبطة.
ويضيف الكاتب أن هذا المنطق ينطوي على سوء تقدير مركب، لأنه يفترض أن الخصم سيتلقى الضربات من دون أن يعيد تشكيل حساباته، وأن المجتمع المستهدف سيتحرك وفق ما يتخيله المخططون في واشنطن.
وفي هذا السياق، يستشهد المقال بتصريحات أمريكية أقرت، بعد اتساع الحرب إلى الإقليم، بأنها لم تتوقع على النحو الكافي شكل الرد الإيراني، كما ينقل عن خبراء في القصف الإستراتيجي قولهم إن القوة الجوية، من دون مسار بري وسياسي واضح، لم تُفض يوما إلى تغيير ناجح للنظام.
ويخلص الكاتب إلى أن الخلل لم يكن في الوسائل وحدها، بل في تصور الحرب من أساسه: حرب بدأت من دون غاية سياسية منضبطة، فبدا العنف فيها أسبق من الرؤية، والضربات أسبق من الإستراتيجية.
الرهان على ترمبوفي قراءة أشد حدة، يذهب باتريك كوكبيرن في صحيفة آي بيبر إلى أن الحرب على إيران لم تكشف سوء تقدير في الحسابات فحسب، بل فضحت أيضا حدود ترمب نفسه حين يواجه أزمة حقيقية تتجاوز منطق الاستعراض والمبالغة.
إعلان
ويرى الكاتب أن ترمب، بعد أسابيع من الحرب، لم يكن قادرا على تقديم تفسير متماسك لسبب بدئها، ولا ما الذي يجعلها في مصلحة الولايات المتحدة، ولا حتى لكيفية انتهائها.
وبحسب المقال، بدا الرئيس الأمريكي كمن دخل المعركة وهو يتوقع نصرا سريعا قليل الكلفة، على نحو يذكّر بقادة أغرتهم أوهام القوة قبل أن يصطدموا بواقع أكثر تعقيدا وأشد استعصاء على الحسم.
ويقول كوكبيرن إن هذا الإخفاق لم يكن منفصلا عن شخصية ترمب وأسلوبه في الحكم، بل صدر عنهما مباشرة. فهو، بحسب الكاتب، رئيس يميل إلى الاندفاع، والإفراط في الثقة، والتأثر بالدائرة الضيقة المحيطة به، وقد دخل الحرب في حين كانت المفاوضات تحقق قدرا من التقدم، متأثرا -كما يُفهم من المقال- بوعود بأن الانتصار على إيران سيكون سريعا وسهلا، ومجديا للولايات المتحدة.
ويضيف المقال أن ما بدا أكثر دلالة هو دهشة ترمب من أن التفوق العسكري الأمريكي لم يترجم نفسه تلقائيا إلى مكسب سياسي. فالنظام الإيراني، رغم الضربات ومقتل عدد من أبرز قادته، لم يفقد السيطرة.
بل إن إيران، في قراءة كوكبيرن، تبدو اليوم أقوى سياسيا مما كانت عليه قبل أسابيع، لا لأنها حققت نصرا عسكريا، بل لأنها أظهرت قدرتها على رفع كلفة الحرب، وإلحاق ضرر واسع بالاقتصاد العالمي، وفرض نفسها طرفا لا يمكن تجاوزه أو كسره بالضربات وحدها.
وفي المقابل، يرى الكاتب أن الولايات المتحدة بدت أضعف سياسيا، لا لأنها منيت بهزيمة عسكرية مباشرة، بل لأنها عجزت عن تحقيق الحسم الذي أوحت به في بداية الحرب، وأصبحت تتحمل جانبا من اللوم الدولي على ما خلفته المواجهة من ارتباك اقتصادي واسع.
ومن هنا، يخلص كوكبيرن إلى أن الحرب لم تكشف قوة نهج ترمب بقدر ما كشفت هشاشته. فحين يتحول الاستعراض إلى بديل من الإستراتيجية، وتغدو القوة العسكرية ستارا لغياب المخرج السياسي، ينكشف الرهان على الشخصية أكثر مما ينكشف الرهان على الخطة.
ختاما، تجمع هذه القراءات على أن الحرب على إيران كشفت خللا عميقا في حسابات واشنطن وتل أبيب، بعدما أخفقتا في تقدير أثر الضغط العسكري، وراهنتا على اضطراب داخلي سريع لم يقع، كما بالغتا في الظن بأن الضربات الجوية والاغتيالات كفيلة بفرض نهاية سياسية على مقاسهما.
إقرأ المزيد


