الجزيرة.نت - 3/31/2026 8:41:57 AM - GMT (+3 )
غزة- مع إشراق كل صباح، تبدأ محطة "عبد السلام ياسين" لتحلية المياه بمدينة غزة، عملها على إيقاع مشوب بالحذر؛ وفي هذه المرة ليس نقص الوقود وحده هو ما يؤرق الطواقم، بل أزمة لم تكن بالحسبان: شُحّ زيت المحركات، ونفاد قطع الغيار.
في هذا المرفق، الذي يمثل ركيزة أساسية لتحلية المياه في قطاع غزة، لم يعد تشغيل المولدات مجرد إجراء تقني، بل أصبح مقامرة يومية بين الرغبة في استمرار العمل، ومخاطرة فقدان القدرة التشغيلية كليا.
ومنذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يفرض الاحتلال الإسرائيلي قيودا مشددة على إدخال العديد من السلع إلى قطاع غزة، من بينها زيوت المحركات الصناعية وقطع الغيار، مما يهدد بتوقف معظم مناحي الحياة، بما يشمل خدمات المياه والصرف الصحي، والمخابز، والمواصلات، وتشغيل المشاريع الصغيرة، وإنارة المنازل.
وبسبب الشح الكبير، وعدم توفره في الأسواق، ارتفع سعر لتر الزيت الصناعي من قرابة 50 شيكلا (16 دولارا) قبل الحرب إلى 800 (245 دولارا) اليوم. كما لا تتوفر قطع الغيار، بشكل كامل، ويضطر أصحاب المشاريع إلى شراء آلات متعطلة، وتفكيكها للحصول على بعض قِطعها لإصلاح ماكيناتهم.
منذ أسابيع، يُصارع فرع محطة عبد السلام ياسين، بشمال قطاع غزة، للبقاء بنصف قوته بعد خروج أحد مولديه الرئيسيين عن الخدمة. أما المولد المتبقي، فيعمل تحت ضغط مفرط وبحدود دنيا من الصيانة؛ فما كان يوما إجراءً روتينيا كتغيير الزيت كل 40 يوما، استحال اليوم إلى "رفاهية" لا تملكها الأطقم الفنية، مما يعرض المولد للخطر.
هذا التآكل البطيء في "قلب" منظومة الإنتاج لم يبقَ حبيس ساحة المولدات، بل تُرجم واقعا مريرا، تَمثّل في:
تراجع الإنتاج: انخفاض حاد في كميات المياه المحلاة بنسبة تصل إلى 40%.
إعلان
انحسار الدور الإغاثي: تضاؤل قدرة المحطة على الوفاء بالتزاماتها اتجاه المؤسسات الدولية والخيرية، مما قطع شريان الإمداد عن آلاف العائلات التي تعتمد عليها.
المولدات تتلف جراء عدم توفر قطع الغيار ومُضاعفة ساعات التشغيل ونقص الزيوت (الجزيرة)
قلة الزيت كخطر الحربورغم أن المحطة واصلت عملها طوال أكثر من عامين من الحرب بكل ما حملته من قصف ونقص وقود وضغوط تشغيلية قاسية، فإن الخطر اليوم يبدو أشد تهديدا، فمع غياب الزيوت الصناعية وقطع الغيار، لم يعد استمرار العمل مضمونا.
ويقول حمزة ياسين، أحد مديري المحطة، إنهم تمكنوا من الصمود في أقسى الظروف "لكننا اليوم قد نتوقف، ليس بسبب القصف أو انعدام الوقود، بل لأن ما يحفظ حياة المحرك لم يعد متوفرا".
ويضيف للجزيرة نت أن زيت المحرك ليس أمرا ثانويا، بل أساس تشغيل لا يقل أهمية عن الوقود، وبدونه يصبح توقف المولدات، وبالتالي توقف المياه، مسألة وقت فقط.
الأزمة تمتد إلى الطرقاتلم تتوقف حدود الأزمة عند جدران محطة التحلية؛ فشاحنات توزيع المياه التابعة لها تواجه المصير القاتم ذاته. وكانت المحطة تسيّر 19 مركبة في شمال القطاع، ثم جرى تقليل حركة بعضها أو إيقافه تماما، خشية وقوع أعطال ميكانيكية لا يمكن إصلاحها، مما أوجد حلقة مفرغة من العجز؛ فالمياه التي تنجح المحطة في إنتاجها بشق الأنفس، لا تجد ما يكفي من الشاحنات لنقلها.
ويتسع مدى الأزمة ليضرب حركة المواصلات المحدودة في القطاع، حيث تُواجه السيارات التي نجت من الحرب، خطر التوقف عن العمل لذات السبب، وهو ما سيؤدي إلى توقفها، وبالتالي سيزيد من متاعب ومعاناة المواطنين.
وفي السياق ذاته، حذّرت مصلحة مياه بلديات الساحل، الجهة المسؤولة عن إدارة وتشغيل قطاع المياه والصرف الصحي في عدد كبير من بلديات قطاع غزة، من أن استمرار النقص الحاد في زيوت التشحيم وقطع الغيار يضع المنظومة المائية برمّتها أمام "خطر الانهيار التدريجي".
وقالت المصلحة في بيان صدر السبت الماضي، إن البنية التحتية للمياه، بما يشمل الآبار، ومحطات التحلية، ومحطات ضخ المياه العادمة، تعمل منذ انقطاع التيار الكهربائي الكامل في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بالاعتماد الحصري على مولدات الكهرباء، التي تعرضت خلال هذه الفترة لاستخدام مكثف يفوق طاقتها التشغيلية، في ظل غياب الصيانة الدورية الكافية.
خطر نقص الزيوت يهدد المستشفيات والمخابز في قطاع غزة (الجزيرة)
المخابز في مرمى أزمة الزيوتلا تتوقف تداعيات شح الزيوت الصناعية عند حدود قطاع المياه، بل تمتد لتضرب "عصب الغذاء" في قطاع غزة؛ حيث أصبحت المخابز اليوم تواجه خطر التوقف القسري، ففي بيئة تعتمد كليا على المولدات الكهربائية لتشغيل خطوط الإنتاج، أصبح استمرار العمل مرهونا بتوفر زيت المحركات.
ويقرع رئيس جمعية أصحاب المخابز، عبد الناصر العجرمي، ناقوس الخطر محذرا من إمكانية توقف عمل المخابز في حال استمر منع إدخال الزيوت الصناعية للقطاع.
ويقول العجرمي للجزيرة نت إن انقطاع الكهرباء منذ بداية الحرب، وعدم توفر قطع الغيار، دفع المخبز الواحد إلى الاستعانة بعدة مولدات للكهرباء، قد يصل عددها إلى أربعة، تعمل ساعات طويلة دون توقف بغرض إنتاج الخبز للمواطنين.
إعلان
ويذكر أن مولدات الكهرباء تحتاج إلى ثلاثة أركان للبقاء: الصيانة الدورية، وقطع الغيار، وزيوت التشغيل، "وهي أركان باتت مفقودة تماما" مشيرا إلى أنه مع استمرار التشغيل في ظل هذه الظروف القاسية، تتسارع وتيرة الأعطال الميكانيكية، ليصبح أي خلل بسيط، كفيلا بإخراج المخبز بكل خطوطه عن الخدمة نهائيا.
ويُقدّر العجرمي أن المهلة المتبقية قبل توقف عمل المخابز، لا تزيد على شهر واحد بحد أقصى، ما لم يتم إدخال الزيوت الصناعية بشكل عاجل.
تفكيك المولدات المتعطلة واستخدام قطعها في أخرى تعمل حل ترقيعي بغزة (الجزيرة)
المستشفيات في دائرة الخطروفي السياق ذاته، يحذّر إسماعيل الثوابتة، المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي، من أن القيود المفروضة على إدخال الزيوت الصناعية وقطع الغيار لم تعد مسألة لوجستية، بل أصبحت "تهديدا مباشرا لحياة السكان، مع اقتراب مولدات الكهرباء في المرافق الحيوية من حدود التوقف".
ويشير في حديث خاص للجزيرة نت إلى أن المستشفيات، التي تعتمد بشكل شبه كامل على المولدات في ظل غياب الكهرباء، تواجه خطرا حقيقيا مع استمرار تشغيلها دون صيانة كافية أو زيوت مناسبة.
وأضاف أن تعطّل هذه المولدات "لا يعني انقطاعا عابرا للكهرباء، بل توقفا محتملا لأقسام حيوية كالعناية المركزة وغرف العمليات، وغرف غسيل الكلى، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على حياة المرضى".
ويحذر المسؤول الفلسطيني من أن استمرار القيود الإسرائيلية يسرّع من انهيار منظومة الخدمات الأساسية في القطاع، في ظل غياب أي بدائل، داعيا إلى تدخل "عاجل" يضمن إدخال هذه المواد الحيوية قبل الوصول إلى نقطة توقف شاملة يصعب تداركها.
نقص الزيوت يهدد المولدات الصغيرة التي تزود المنازل بالكهرباء (الجزيرة)
توقف المحركات.. ظلام وشيكولا يتوقف أثر هذه الأزمة عند المياه والصرف الصحي، والخبز والمستشفيات، والمواصلات، بل يمتد أيضا إلى مصدر آخر أصبح جزءا ثابتا من حياة الناس اليومية في غزة: شركات توليد الكهرباء الخاصة، التي تتولى إنارة المنازل وتشغيل المشاريع الصغيرة عبر اشتراكات شهرية في ظل غياب الكهرباء العامة.
وأصبحت هذه المولدات بمثابة البديل عن شبكة الكهرباء الرسمية، وبها ترتبط الحركة اليومية للسكان بشكل شبه كامل، وفق أصحاب هذه المولدات الذين يقولون إن مولداتهم على وشك التوقف عن العمل أيضا، إن استمرت أزمة نفاد الزيوت الصناعية وقطع الغيار.
وداخل ساحة ضيقة تضم عدة مولدات، يتابع عبد الله الدخاخني، المسؤول في شركة "مولدات وإنارة البابا" بحي تل الهوى جنوبي مدينة غزة، عمل محركاته، ويهتم بأدق التفاصيل.
ويقول الدخاخني للجزيرة نت إن الخطر لا يأتي فقط من زيادة تشغيل المحركات فوق قدرتها الحقيقية، وقلة الوقود، بل من غياب ما يحفظها حيّة، وهي الزيوت الصناعية، وقطع الغيار.
أسعار باهظةوخلال شهور الحرب، اعتمدت الشركة في الحصول على الزيوت، على كميات مخزنة داخل القطاع، أو لجأت إلى حلول استثنائية، كاستخراج الزيوت من مولدات ومحركات متوقفة وإعادة استخدامها.
ويقول الدخاخني إن مولدا واحدا بقدرة 250 كيلوواطا، يحتاج إلى ما بين 20 و30 لترا من الزيت كل 300 ساعة تشغيل، أي كل نحو 20 يوما، وفي الواقع الحالي لم يعد هذا ممكنا، فشراء 30 لترا فقط أصبح يكلف نحو 24 ألف شيكل (7600 دولار)، بعد أن كان السعر لا يتجاوز 1500 شيكل فقط (475 دولارا) قبل الحرب، ومع وجود ثلاثة مولدات عاملة، تتحول عملية الصيانة إلى عبء مالي وتشغيلي ثقيل.
وفي ذات الوقت، فإن تجاهل شركة توليد الكهرباء عملية تغيير الزيت، قد يؤدي إلى تلف المحركات، لتنضم إلى نحو 10 أخرى تعطلت خلال الشهور الماضية.
ولتعويض النقص، تستخدم الشركة أحيانا زيوت محروقة أو مستهلكة جزئيا، كحل مؤقت لتأخير الأعطال، رغم إدراكها المخاطر الكبيرة لذلك، فضعف جودة الزيت أو تآكله قد يؤدي إلى تلف كامل في المحرك.
إعلان
إقرأ المزيد


