خمسة أسباب جديدة لم تكن في حروب المنطقة السابقة
الجزيرة.نت -

تدخل الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران شهرها الثاني وسط تضارب واضح في التقديرات بشأن مآلاتها وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراع لتشمل المنطقة بأسرها في ظل تكثيف الهجمات الإيرانية ضد أهداف في منطقة الخليج العربي ‏لم تراعِ فيها ‏الأخيرة حرمة الجوار المسلم، ولا رغبة الدول الخليجية في تجنب هذه الحرب.

كما جاءت ‏نهاية الشهر الأول لهذه الحرب ‏والمنطقة العربية تشهد أيضا دخول جماعة الحوثي ‏في صنعاء على خط المواجهة بعد تنفيذها هجمات استهدفت إسرائيل، معززة احتمالات التصعيد الإقليمي، وزيادة تعقيد المشهد ‏الأمني في المنطقة، وكذلك تنامي احتمالات اضطراب الاقتصاد العالمي، جراء صعوبة ‏استمرار إمدادات النفط من منطقة الشرق الأوسط.

بيد أن منطقة الخليج العربي ليست غريبة على مثل هذه الأحداث العالمية، فقد شهدت ‏ثلاث حروب دامية منذ عام 1980- ‏بالإضافة إلى الحرب الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى- ‏شكلت جميعها منعطفات خطيرة في الأمن القومي لدول المنطقة، ما زالت تعاني من آثارها طويلة المدى.

كانت الحرب الإيرانية-العراقية هي أولى الحروب السابقة في المنطقة، حيث ‏استغرقت زهاء ثماني سنوات قاسية، ‏راح ضحيتها مئات الآلاف من الجنود الإيرانيين والعراقيين؛ لتنتهي دون نصر حاسم لأي من الطرفين، لتحدث شرخا كبيرا في جسد الأمة الإسلامية بين العالمين السني والشيعي لم تشهد المنطقة مثله منذ قرون عديدة.

ولم تمضِ ثلاث سنوات- بعد ‏نهاية الحرب العراقية الإيرانية- ‏حتى شهدنا حربا ضارية أخرى هي حرب تحرير الكويت عام 1991، ‏تلاها بعد عقد من الزمان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ‏لتستمر آثاره حوالي 20 عاما، أصبح فيها العراق دولة منكشفة، بعد أن كان واحدا من أهم الدول العربية جيشا وتسليحا.

‏ ‏وللأسف الشديد فقد كانت إحدى الدولتين المسلمتين الجارتين، العراق أو إيران، طرفا رئيسيا في كل هذه الصراعات التي ‏عانت المنطقة العربية من جرائها الدمار والخراب، وإهدار الموارد البشرية والاقتصادية.

إعلان

إستراتيجيات ‏أمريكية مختلفة

اعتمدت‏ الولايات المتحدة الأمريكية ‏إستراتيجيات مختلفة طيلة هذه الحروب الخليجية الأربع. لقد تبنت الولايات المتحدة ما عرف بإستراتيجية الاحتواء المزدوج في الحرب الإيرانية-العراقية، وهي إستراتيجية هدفت إلى إنهاك كل من العراق وإيران في آن واحد؛ ‏حتى لا يخرج أي منهما منتصرا ‏بعد نهاية الحرب ‏انتصارا حاسما يهدد هيمنة الولايات المتحدة أو إسرائيل في المنطقة.

‏بيد أن الولايات المتحدة أصبحت طرفا مباشرا في الحروب الخليجية الثلاث الأخيرة ‏في ظل ثلاث إدارات حكومية جمهورية أمريكية.

ولكن عند مقارنة الحرب الحالية ضد إيران بالتدخلات الأمريكية ‏العسكرية السابقة في المنطقة ‏عامي 1991 و2003، يتضح وجود اختلافات جوهرية ‏يمكن تلخيصها في الملاحظات التالية:

  • أولا، تخوض الولايات المتحدة هذه الحرب دون غطاء دولي واضح، فلا يوجد تفويض من مجلس الأمن، كما حدث في حرب تحرير الكويت ‏عندما وافقت القوى الدولية العظمى على قرار ‏مجلس الأمن الدولي رقم (678) الذي أعطى الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، تفويضا دوليا لقيادة تحالف دولي لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، مانحا ‏فيه النظام العراقي مهلة حتى الخامس عشر من شهر يناير/كانون الثاني 1991 للخروج من الكويت، ‏أو مواجهة المجتمع الدولي.

وعلى الرغم من إخفاق الرئيس جورج بوش الابن في استصدار قرار أممي يمنحه تفويضا قانونيا دوليا قبل غزو العراق عام 2003- كما فعل أبوه ‏قبل حرب تحرير الكويت- فإنه نجح في إقناع بعض أعضاء حلف "الناتو" – مثل بريطانيا- ‏بإرسال قوات عسكرية تحارب إلى جانب القوات الأمريكية في العراق لسنوات عديدة. ‏

ولكن هذه الحرب الأمريكية-الإيرانية تأتي في سياق دولي يتسم بتآكل الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها في "الناتو"، حيث تجد واشنطن نفسها-للمرة الأولى- منخرطة في صراع في الشرق الأوسط بلا غطاء شرعي دولي واضح، ودون مشاركة عسكرية فعالة من شركائها في الحلف.

وقد عبر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن استيائه الصريح من مواقف الحلفاء، متهما إياهم بالتخلي عن الولايات المتحدة ‏وقت حاجتها إليهم، بينما يؤكد في الوقت ذاته- في مفارقة لافتة- أن القوة العسكرية الأمريكية كفيلة بخوض هذه الحرب دون حاجة إلى دعم خارجي.

  • ثانيا: تميزت الحروب السابقة بوضوح الأهداف السياسية ‏الأمريكية المراد تحقيقها منها. كان الهدف محددا في حرب تحرير الكويت، ‏وهو إخراج القوات العراقية منها دون إسقاط النظام العراقي، مما ساهم في تحقيق نصر سريع بأقل خسائر ممكنة.

وكان الهدف المعلن في حرب 2003 هو إسقاط النظام العراقي، وقد تحقق ذلك ‏الهدف سريعا عند دخول القوات الأمريكية بغداد وإسقاط تمثال الرئيس السابق صدام حسين، رغم ما تلا ذلك من فوضى وصراع داخلي؛ بسبب غياب رؤية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب.

أما في الحالة الراهنة، فتبدو الأهداف السياسية للولايات المتحدة تجاه إيران غير واضحة، بل وربما يصعب تحقيقها، خاصة إذا كان الهدف هو إسقاط النظام عبر الضربات الجوية فقط، وهو أمر يظل مرهونا بعوامل داخلية إيرانية قد لا تكون متوفرة في الوقت الحالي.

إعلان

  • ثالثا: ‏بينما حظيت حرب تحرير الكويت بإجماع دولي وعربي وإسلامي واسع، شاركت فيها قوات عربية وإسلامية، ‏جاء غياب إسرائيل عن المشهد العسكري ‏شرطا طبيعيا للحفاظ على هذا الإجماع.

وينطبق الأمر ‏نفسه على حرب العراق عام 2003، عندما لم تشارك إسرائيل عسكريا في الحرب ضد العراق؛ تجنبا لإثارة الشارع العربي الناقم على إسرائيل.

‏بيد أن الحال مختلف تماما هذه المرة إذ تشارك إسرائيل مشاركة مباشرة وفعالة، بل تعد شريكا رئيسيا في العمليات العسكرية والتنسيق مع الولايات المتحدة، مما يدفع العديد من الدول العربية والإسلامية إلى النأي بنفسها عن هذا الصراع، باعتباره لا يخدم مصالحها المباشرة.

  • رابعا: تأتي هذه المواجهة في ظل أوضاع اقتصادية أمريكية أكثر تعقيدا مقارنة بالحروب السابقة. فارتفاع الدين العام ‏لأكثر من 39 تريليون دولار أمريكي- ‏في الربع الأول من العام الجاري- و‏تنامي الضغوط الاقتصادية الداخلية يحدان من قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب شاملة ‏لفترة طويلة تتطلب نشر أعداد كبيرة من القوات البرية.

يدرك صانعو القرار الأمريكي أن مثل هذه الحرب ستكون مكلفة وغير مقبولة شعبيا، وهو ما يفسر تراجع التأييد الشعبي لها مقارنة بما كان عليه الحال خلال حرب تحرير الكويت، أو بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وما تلاها من غزو الولايات المتحدة للعراق.

‏يدرك الرئيس الأمريكي ترمب مدى تداعيات هذه الحرب وآثارها في ارتفاع أسعار الوقود وتزايد القلق الشعبي من نتائجها الاقتصادية.

تلقي التقلبات في القرار الأمريكي بشأن الاستمرار في الحرب أو الاتجاه نحو التفاوض ‏مع إيران بظلال ثقيلة على الأسواق المالية ‏الأمريكية والعالمية، تعيش ‏فيها حالة من عدم اليقين حيال المسار المقبل ‏لهذا الصراع.

فلا تزال هذه الأسواق عاجزة عن استشراف النيات الحقيقية للرئيس ترمب ‏الذي يدير هذه الحرب وحده مهددا تارة ‏بمواصلة التصعيد عبر استهداف مصادر الطاقة في إيران، ‏وتارة بإظهار الرغبة في التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم كمخرج سياسي له.

  • خامسا: لم تعد الولايات المتحدة قادرة على استخدام قدراتها العسكرية في المنطقة بنفس الكفاءة السابقة- نتيجة تعرضها لتهديدات وهجمات ‏خطيرة- الأمر الذي ربما يساهم في إعادة النظر في منظومة الأمن الإقليمي القائمة منذ ‏نهاية الحرب العالمية الثانية على الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة ودول الخليج.

تعتمد الإستراتيجية الخليجية في هذه المرحلة على قدر عالٍ من ضبط النفس والصبر الإستراتيجي، في مواجهة ما تسعى أطراف الحرب إلى جرها إليه.

فعلى الرغم من الهجمات الإيرانية المباشرة التي استهدفت بعض المواقع العسكرية والاقتصادية في دول المنطقة، ‏بالإضافة إلى الضغوط الأمريكية المتزايدة ‏تجاه هذه الدول للانخراط في المواجهة ضد إيران، فإن دول الخليج تدرك أن هذه الحرب ليست حربها، ‏وأن مصلحتها العليا ‏تتمثل في إنهاء الصراع قبل فوات الأوان.

ومن هذا المنطلق، تتبنى هذه الدول مقاربة حذرة تقوم على تجنب التصعيد، إدراكا منها أن الانخراط في ‏الحرب قد يجعلها الخاسر الأكبر لما قد يترتب عليه من تداعيات خطيرة على اقتصاداتها وبنيتها التحتية- خصوصا في قطاع الطاقة والصناعات النفطية- فضلا عن تهديد الاستقرار الإقليمي الذي يمثل أولوية قصوى لها.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الحرب الحالية تختلف في سياقها وأدواتها وتحدياتها عن الحروب الأمريكية السابقة في منطقة الخليج العربي، سواء ‏كان ذلك من ناحية غياب الإجماع الدولي، أو تعقيد البيئة الإقليمية، أو محدودية الخيارات العسكرية والسياسية المتاحة أمام الولايات المتحدة.

إنها في الحقيقة حرب ‏شنتها الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنها لا تملك قرار وضع نهايتها حتى هذه اللحظة.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد