الجزيرة.نت - 4/1/2026 3:04:49 PM - GMT (+3 )
كيف يمكنك إبهار شخص تهتم به عاطفيا؟ قد تقدم له الزهور والشوكولاتة، أو تشتري له هدية، أو تدعوه لتناول العشاء، لكن يبدو أن الأمور تسير بشكل مختلف تماما في عالم الصراصير، حيث يبدأ كل شيء بقضمة من لحم بعضهم البعض، يتبعها قدر كبير من العدوانية، في تكيّف فريد يرجح أنه ظهر ليضمن بقاء الشريك إلى جانب الآخر.
وتشير نتائج دراسة حديثة نُشرت في مجلة "رويال سوسايتي أوبن ساينس" (Royal Society Open Science)، إلى أن الارتباط الثنائي لا يقتصر على الكائنات ذات العمود الفقري، فصراصير الخشب "سالغانيا تايوانينسيس" قادرة أيضا على إظهار ما يمكن تسميته بالولاء أو الروابط الاجتماعية الحصرية من خلال آليات سلوكية بسيطة.
يمكن لهذا النوع الذي يتغذى على الخشب أن يعيش حتى 5 سنوات، ويكون أزواجا أحادية الارتباط طويلة الأمد (التزاوج مدى الحياة)، وهي ظاهرة غير شائعة في الحشرات نفسها، لكن الإشارة إلى هذا الالتزام تتطلب تضحية. فهذه الصراصير قادرة على الطيران إلى أن تقرر الاستقرار.
وتوضح عالمة السلوكيات البيئية في متحف الطبيعة والأنشطة الإنسانية بهيوغو في اليابان هاروكا أوساكي أن "الذكر والأنثى ينخرطان خلال التزاوج في سلوك فريد يتمثل في قضم أجنحة كل منهما للآخر".
وتضيف الباحثة المشاركة في الدراسة، في حديثها للجزيرة نت، أن "هذا السلوك يحدث بعد الاقتران مباشرة، وقبل أن يشرع الزوجان في تأسيس عش مشترك، ويعتنيان بصغارهما، ويعيشان معا لبقية حياتهما".
وقد يكون لهذا السلوك المعروف بـ"الأكل المتبادل للأجنحة" جانب عملي، إذ إن أجنحتها قد تعلق في الأعشاش التي تبنيها داخل جذوع الأخشاب المتعفنة، بينما فقدان الأجنحة يجعلها أكثر نحافة وقدرة على التحرك داخل المساحات الضيقة في موطنها.
إعلان
ومع ذلك، لا يزال الباحثون غير متأكدين تماما من أسباب هذا السلوك، لكنهم يرجحون أن الروابط الزوجية تساعد في بقاء هذه الصراصير، وترتبط بطبيعتهما الأحادية، وتعزز قدرتها على التعاون في تربية الصغار وزيادة أعداد النسل.
ونظرا لأن الأجنحة لا تمثل مصدرا غذائيا ذا قيمة كبيرة، ترجح أوساكي أن "هذا السلوك لا يهدف أساسا إلى التغذية، بل تشير الفرضية الرئيسية إلى أنه قد يعمل كمحفز داخلي يطلق تغيرات سلوكية واجتماعية لدى الأفراد".
ويمكن أن يوفر هذا النوع من الارتباط العديد من الفوائد، مثل تنظيف كل طرف للآخر، والدفاع المشترك عن العش والصغار، وتقاسم الموارد وزيادة فرص النجاح التكاثري، بل ويمكن أن يعود بنتائج إيجابية متبادلة حتى في غياب النسل.
ورغم أن التضحية بالأجنحة لا تجعل الأفراد أقوى، فإنها قد تمنح الصراصير ميزة أخرى، إذ قد تساعد في التخلص من الطفيليات أو العفن الذي قد يصيب الأجنحة، وهو ما يحمي الصغار من انتقال هذه الكائنات الضارة. كما قد تساعد المواد الكيميائية المنبعثة أثناء أكل الأجنحة في تعرف كل شريك على "بصمة" الآخر.
كما يعود هذا السلوك بالنفع على النوع على المدى البعيد. فبمجرد فقدان الأجنحة، تفقد الصراصير قدرتها على الطيران، وهو أحد أهم وسائلها للهروب من المفترسات والبحث عن الغذاء. وبذلك، حتى لو فكر أحد الشريكين في الخروج عن العلاقة، فلن يصمد طويلا بمفرده.
اختبار قوة الروابط الزوجية طويلة الأمدلقياس مدى تأثير قوة الرابطة على سلوك الأزواج، تقول أوساكي: "قارنا بين سلوك الأفراد قبل وبعد أكل الأجنحة، وذلك من خلال إدخال فرد غريب (دخيل) إلى العش، ثم قمنا بقياس استجابة الزوجين لهذا الدخيل، ما أتاح لنا اختبار ما إذا كان هذا السلوك يغير طريقة تعرف الأفراد على الآخرين وكيفية تفاعلهم معهم".
وأظهرت النتائج أن الأزواج التي التهمت أجنحة بعضها كانت أكثر عدوانية تجاه الدخلاء، وبدأت في التصرف كوحدة متماسكة، بما في ذلك الاندفاع نحو المتسللين كفئران صغيرة. ولوحظ أنهم يتعاملون مع شركائهم بطريقة مختلفة عن تعاملهم مع الأفراد الآخرين.
ووفق النتائج، لم يعد الذكور والإناث المرتبطون يتسامحون إلا مع بعضهم، بل إن الصراصير هاجمت حتى حشرات من الجنس الآخر، كانت قد تعد سابقا شركاء محتملين. وإذا بادر أحد الشريكين بالهجوم، أبدى الآخر دعمه بتحريك بطنه أو الحفر في العش المجاور.
في المقابل، تقول الباحثة في سلوك الحشرات : "قبل أكل الأجنحة، لم تبدِ الأزواج سلوكا مميزا تجاه شركائهم، كما كانت أكثر تسامحا مع الآخرين". فمن بين 8 أزواج لم تتغذَّ على أجنحة بعضها، هاجم ذكر واحد فقط ذكرا دخيلا. أما بعد أكل الأجنحة، فأصبحا كأنهما "ضد العالم".
كما لاحظ الباحثون عدم حدوث أي تزاوج بين الحشرات عديمة الأجنحة والدخلاء، ولم يُسجل تبديل للشركاء في أي مرحلة من مراحل التجربة. وربما تتصرف هذه الحشرات بشكل مختلف إذا غاب شريكها، إلا أن ذلك لم يُختبر بعد.
ومع ذلك، قد يكون هذا السلوك -الذي يتطلب قدرا من القدرات الإدراكية للتعرف على الشريك وتذكره- أوضح دليل حتى الآن على رابطة شبيهة بالارتباط الزوجي لدى الحشرات. فهذه الصراصير لا تكتفي بتربية الصغار معا لسنوات طويلة، بل تتمسك ببعضها بشكل نشط.
إعلان
ويرى الباحثون أنهم ربما رصدوا أول دليل تجريبي على وجود عدوانية انتقائية لدى كائن لافقاري قادر على التمييز بوضوح بين شريكه وبقية البالغين من نفس النوع، ما يشير إلى أن هذه الصراصير -وربما حشرات أخرى – تمتلك قدرات إدراكية وسلوكيات اجتماعية أكثر تعقيدا مما كان يعتقد سابقا.
إقرأ المزيد


