الجزيرة.نت - 4/1/2026 4:04:53 PM - GMT (+3 )
مسلسل "آخر شيء قاله لي" (The Last Thing He Told Me) أحد المسلسلات التلفزيونية الحديثة التي تجمع بين الغموض والإثارة، لكن في إطار عائلي، وهو مقتبس عن رواية شهيرة بالاسم نفسه للكاتبة لورا ديف، الصادرة عام 2021، والتي حققت انتشارا واسعا وقتها.
عرض الموسم الأول من المسلسل عام 2023 على منصة "آبل تي في بلس"، قبل عودته في موسم ثان عام 2026، مستندا إلى الرواية التكميلية "أول مرة رأيته". المسلسل من تطوير لورا ديف وجوش سينغر، وبطولة جنيفر غارنر إلى جانب أنجوري رايس ونيكولاي كوستر-والدو.
اختفاء يفتح أبواب الماضيعند عرض الموسم الأول من "آخر شيء قاله لي" عام 2023، بدا كحكاية مكتملة، تنتمي إلى الأعمال التي تقوم على لغز واحد مركزي، وهو اختفاء رجل، وامرأة تحاول أن تفهم من كان حقا. ينطلق الموسم الأول من لحظة اختفاء أوين (نيكولاي كوستر-والدو) المفاجئة، تاركا خلفه رسالة قصيرة لزوجته هانا (جنيفر غارنر): "احميها"، في إشارة إلى ابنته بايلي (أنجوري رايس) التي لم تكن تربطها بها علاقة مستقرة.
من هنا تبدأ رحلة مزدوجة، محاولة فهم سبب الاختفاء، وبناء علاقة ثقة بين امرأتين جمعتهما الأزمة أكثر مما جمعتهما الأواصر العائلية. ومع تتبع الخيوط، تكتشف هانا تدريجيا أن الرجل الذي عاش معها لم يكن كما ظنت، بل يحمل هوية أخرى مرتبطة بماضٍ معقد، ما يدفعه للاختفاء لحماية عائلته، لتأتي نهاية الموسم الأول مغلقة نسبيا، قائمة على معرفة الحقيقة.
مع عودة العمل في موسم ثان عام 2026، يستأنف المسلسل الحكاية بعد نهاية الموسم الأول بخمس سنوات، عندما يعود أوين من غيابه، ليبدأ أزمة جديدة بوجوده هذه المرة. لم تعد هانا نفس المرأة التي بحثت بدأب عن زوجها المختفي، بل تواجه رجلا عاد محملا بماض لم ينته، يجلب الاضطراب إلى حياتها وحياة بايلي المستقرة الآن.
وبينما انشغل الموسم الأول بكشف الحقيقة، فإن الموسم الثاني ينشغل بتبعاتها، كيف يمكن لعائلة أن تستعيد توازنها بعد كل هذه المعرفة؟ وهل يمكن أصلا العودة إلى ما كان؟ ولا يكتفي هذا الموسم باستكمال حكاية نجحت جماهيريا، بل ينتقل بوضوح من دراما تقوم على لغز عائلي حميمي إلى سرد أقرب إلى الإثارة الإجرامية، يوسع عالمه ويضيف شخصيات جديدة، مقابل فقدان جزء من تركيزه الأول، وهو ما يطرح سؤالا ضروريا، هل نحن إزاء تطور طبيعي للحبكة والشخصيات، أم محاولة لإحياء حكاية انتهت بالفعل؟
إيقاع هادئ يضعف التشويقيقدم مسلسل "آخر شيء قاله لي" طابع الإثارة متخذا من العائلة مركزا للسرد، حيث لا يكون اللغز هدفا في ذاته بقدر ما يصبح وسيلة لكشف هشاشة العلاقات وإعادة تعريفها تحت الضغط.
إعلان
في موسمه الأول، نجح العمل نسبيا في الحفاظ على هذا التوازن، إذ ظل الاختفاء لغزا يدفع الأحداث، لكنه لم يطغَ على المساحة الحميمية التي تتشكل فيها علاقة هانا ببايلي، بكل ما تحمله من توتر وعدم ثقة ومحاولات بطيئة لبناء رابط عائلي بديل.
لكن مع الانتقال إلى الموسم الثاني، يبدأ هذا التوازن في الاختلال، مع تحول واضح من الدراما العائلية إلى سرد أقرب إلى مسلسلات الجريمة، حيث تتقدم شبكات المافيا إلى الواجهة، على حساب المساحة النفسية التي كانت تمنح العمل خصوصيته.
هذا التحول لا يرتبط فقط بتوسيع العالم الدرامي، بل أيضا بطريقة السرد نفسها. فالمسلسل يحتفظ بإيقاعه الهادئ وحلقاته الممتدة نسبيا، وهو خيار قد يكون مناسبا لدراما نفسية تعتمد على التراكم التدريجي للمشاعر، لكنه يصبح إشكاليا حين يوضع داخل إطار يفترض أنه قائم على الإثارة والتشويق.
النتيجة أن العمل يبدو معلقا بين نموذجين، لا هو مسلسل إثارة قادر على الحفاظ على توتر مستمر وتصاعد درامي واضح، ولا هو دراما عائلية خالصة تغوص بعمق كافٍ في التحولات النفسية لشخصياته. وبين محاولة استعادة الحميمية الأولى، والرغبة في تقديم تهديد أكبر وأكثر تعقيدا، يفقد المسلسل جزءا من تركيزه، ويتراجع الإحساس بالخطر لصالح مشاهد طويلة تستكشف الألم النفسي والخيانة وإعادة بناء الثقة، دون أن تنجح دائما في ربط هذه العناصر بإيقاع تشويقي متماسك.
بين دراما النفس والجريمةيمكن قراءة "آخر شيء قاله لي" في سياق أوسع يتعلق بطبيعة الإنتاج الذي تقوده شركة "هالو صن شاين" (Hello Sunshine)، التي أسستها الممثلة ريس ويذرسبون، والتي رسخت خلال السنوات الأخيرة خطا واضحا في اختيار مشروعاتها، يقوم على وضع النساء في قلب أزمات معقدة تتقاطع فيها الحياة الشخصية مع ضغوط اجتماعية ومهنية وأخلاقية.
يظهر هذا التوجه بوضوح في مسلسلات مثل "كذبات كبيرة صغيرة" (Big Little Lies) و"البرنامج الصباحي" (The Morning Show)، حيث لا تقدم الشخصيات النسائية بوصفها عناصر مساندة داخل حبكة أكبر، بل كمحور أساسي تدور حوله التوترات الدرامية، سواء تعلق الأمر بالعنف الأسري أو بعلاقات السلطة.
ضمن هذا الإطار، يبدو "آخر شيء قاله لي" امتدادًا طبيعيا لهذا الخط، إذ تواجه هانا عدة أزمات متداخلة، من زوج مختف يعود بهوية ملتبسة، إلى علاقة معقدة بابنة زوجها، وصولا إلى تاريخ شخصي مثقل.
لكن الفارق يكمن في أن المسلسل لا يمنح هذه الأزمات نفس الكثافة أو التوتر الدرامي الذي رأيناه في أعمال أخرى من إنتاج الشركة، حيث كانت الحبكات أكثر إحكاما، والإيقاع أكثر قدرة على موازنة البعد النفسي مع التشويق.
يختار المسلسل هنا إيقاعا أبطأ ومساحة سردية أكثر هدوءا، ما يجعله أقرب إلى دراما تأملية عن إعادة بناء الروابط والتسامح، لكنه في الوقت نفسه يضعف من قدرته على استثمار عناصر الإثارة التي يطرحها.
في النهاية، لا تكمن إشكالية "آخر شيء قاله لي" في تحوله من دراما عائلية إلى عمل أقرب إلى الجريمة، بل في عدم حسمه لهويته بين الاثنين. فالمسلسل لا يفشل لأنه يوسع عالمه، بل لأنه يفعل ذلك دون أن يعيد ضبط إيقاعه أو أدواته السردية بما يتناسب مع هذا التوسع. وبين حميمية مفقودة وإثارة غير مكتملة، يبدو الموسم الثاني كأنه يقف على أرض مهتزة.
التقييم العامالقصة: 3
الإخراج: 3
التمثيل: 3.5
المؤثرات البصرية: 3
صديق العائلة: 4.5
إعلان
إقرأ المزيد


