السعدون للمقابلة: ديون واشنطن أشعلت الحرب والاقتصاد العالمي يتجه لـ"ركود تضخمي"
الجزيرة.نت -

يحذر الخبير الكويتي جاسم السعدون من أن تفاقم ديون واشنطن يدفعها إلى سياسات تصعيدية سعيا لمكاسب اقتصادية مما يفاقم الأزمات العالمية، في حين يشكل إغلاق مضيق هرمز تهديدا مباشرا لاقتصادات الخليج والعالم.

حذر الخبير الاقتصادي الكويتي جاسم السعدون من تداعيات اقتصادية عميقة للحرب الدائرة في المنطقة، موضحا أن تزايد الدين الأمريكي وتفاقم الاختلالات في الاقتصاد العالمي شكَّلا أحد محركات التصعيد، في وقت يمثل فيه إغلاق مضيق هرمز تهديدا مباشرا لاقتصادات الخليج والعالم.

وفي حلقة من برنامج "المقابلة"، قدَّم السعدون -الذي يشغل منصب رئيس مجلس الإدارة في مجموعة الشال للاستشارات- قراءة تحليلية تربط السياق الاقتصادي المأزوم باندلاع الحرب، مؤكدا أن العالم المتضرر أصلا من جائحة كورونا وحرب أوكرانيا أصبح أكثر هشاشة لمواجهة صدمات جديدة.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

وأوضح أن الأزمات الاقتصادية الكبرى عبر التاريخ تُحسم بمدى التوازن بين "الإدارة والموارد"، لافتا إلى أن سوء الإدارة كان عاملا رئيسيا في تعميق أزمة الكساد العظيم، في حين أسهم التنسيق الدولي في احتواء أزمة 2008 بسرعة نسبية، وهو ما يغيب اليوم بشكل واضح.

وأشار إلى أن البيئة الحالية أقرب إلى ثلاثينيات القرن الماضي، إذ يتسم النظام الدولي بحالة تنافر حاد بين القوى الكبرى، مع تراجع التعاون واحتدام المنافسة، وهو ما يرفع كلفة أي أزمة محتملة ويجعل مآلاتها أكثر خطورة وتعقيدا.

ورأى السعدون أن الولايات المتحدة دخلت الحرب في ظل أوضاع اقتصادية غير مريحة، أبرزها تضخم الدين العام الذي قفز من نحو 10 تريليونات دولار عام 2008 إلى قرابة 39 تريليونا حاليا، مع تسارع وتيرة الاقتراض بشكل غير مسبوق.

وبيَّن أن هذا الدين يمثل "عمود الخيمة" للاقتصاد الأمريكي، إذ تعتمد واشنطن بشكل متزايد على إصدار السندات وتمويل الإنفاق عبر طباعة الدولار، وهو ما يجعل أي اهتزاز في الثقة بالعملة الأمريكية خطرا مباشرا على الاستقرار الاقتصادي العالمي.

وأضاف أن الأزمات الأخيرة، خصوصا كورونا والحرب الأوكرانية، دفعت الولايات المتحدة إلى زيادة دينها بنحو 10 تريليونات دولار خلال فترة قصيرة، مما يعكس اختلالا هيكليا بين الإنفاق والإنتاج، ويضع الاقتصاد الأمريكي تحت ضغط متصاعد.

وفي المقابل، أشار إلى أن الصين كانت في وضع اقتصادي أفضل نسبيا قبل الحرب، إذ تُركز مواردها على النمو الداخلي والاستثمار، مع توسُّع نفوذها عبر مبادرة "الحزام والطريق"، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة بواشنطن.

إستراتيجية الصراع

ورأى السعدون أن التنافس على مصادر الطاقة يمثل أحد الدوافع الإستراتيجية للصراع، إذ إن السيطرة على احتياطيات النفط والغاز تعني امتلاك أوراق قوة حاسمة في النظام الدولي، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على الطاقة في ظل التحول التكنولوجي.

وتطرَّق إلى مضيق هرمز بوصفه "عنق الزجاجة" للاقتصاد العالمي، موضحا أن نحو نصف احتياجات آسيا من النفط تمر عبره، مما يجعل أي تعطيل لحركته مؤثرا في سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والغذاء في آن واحد.

وأكد أن إغلاق المضيق لا يضر بالمصدّرين والمستوردين فقط، بل يمتد أثره إلى الولايات المتحدة نفسها، إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكلفة الوقود على المستهلك الأمريكي، دون أن تنعكس أرباح الشركات النفطية على المجتمع بشكل مباشر.

وأضاف أن التأثير لا يقتصر على الطاقة، بل يشمل أيضا الأسمدة والمواد الصناعية التي تمر عبر الخليج، مما يهدد الإنتاج الزراعي عالميا ويرفع أسعار الغذاء، خاصة في الدول الفقيرة التي تنفق نسبا أعلى من دخلها على الغذاء.

وفي ما يتعلق بدول الخليج، حذر السعدون من خسائر اقتصادية كبيرة في حال استمرار إغلاق هرمز، مشيرا إلى أن بعض الدول مثل الكويت وقطر تعتمد بالكامل على المضيق في صادراتها، مما يجعلها الأكثر عرضة للتأثر.

وأوضح أن التقديرات تشير إلى احتمال تراجع الناتج المحلي لهذه الدول بنسب كبيرة، قد تصل إلى خسائر مزدوجة عند احتساب النمو المتوقع قبل الحرب، في حين تتأثر السعودية والإمارات بدرجة أقل نسبيا بفضل وجود منافذ تصدير بديلة.

وأشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط لن يعوض هذه الخسائر، لأن تعطل الإنتاج وتضرر المنشآت يحتاج إلى وقت طويل لاستعادته، فضلا عن أن عمليات التصدير نفسها قد تتوقف أو تتقلص بشكل حاد خلال فترة الأزمة.

وأضاف أن الخسائر لا تقتصر على الناتج المحلي، بل تمتد إلى سوق العمل والاستثمار والاستهلاك، مع توقعات بفقدان ملايين الوظائف وتراجع النشاط الاقتصادي في المنطقة، خاصة إذا طال أمد الحرب.

خطأ إستراتيجي لإيران

وفي تحليله لسلوك إيران، قال السعدون إن استهدافها لمضيق هرمز يدخل ضمن إستراتيجية "حرب الطاقة" الهادفة إلى إحداث صدمة اقتصادية عالمية تضغط على خصومها، وهو ما تحقق جزئيا من خلال ارتفاع الأسعار وتراجع شعبية الإدارة الأمريكية.

لكنه رأى أن طهران ارتكبت خطأ إستراتيجيا باستهداف دول الخليج، مما أضعف التعاطف الدولي معها، وكان يمكنها تحقيق أهدافها عبر الضغط الاقتصادي فقط دون توسيع دائرة المواجهة.

وأشار إلى أن استمرار الأزمة قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو "ركود تضخمي" يجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار، وهو السيناريو الأكثر خطورة لأنه يقيد قدرة الحكومات على المعالجة عبر السياسات النقدية.

وفي هذا السياق، لفت إلى أن رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم سيزيد عبء خدمة الدين الأمريكي، مما يضع واشنطن أمام معادلة صعبة بين احتواء التضخم وتجنب أزمة ديون أعمق.

وعلى مستوى النظام الدولي، قال السعدون إن ما يجري قد يعيد تشكيل موازين القوى، مشيرا إلى أن قواعد الاشتباك تغيرت مع تطور التكنولوجيا العسكرية، الأمر الذي من شأنه أن يقلل من تفوُّق الأسلحة التقليدية ويمنح الأطراف الأضعف أدوات تأثير أكبر.

وشدد على أن دول الخليج بحاجة إلى مراجعة إستراتيجياتها عبر تعزيز التكامل الاقتصادي والسياسي، وتطوير بدائل لنقل الطاقة بعيدا عن المضائق الحساسة، لتقليل تعرُّضها للصدمات الجيوسياسية.

كما دعا إلى تحكيم العقل ووقف التصعيد، محذرا من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى خسائر تفوق بكثير أي مكاسب محتملة، وقد يدفع الاقتصاد العالمي إلى أزمة أعمق من كل ما شهده في العقود الماضية.



إقرأ المزيد