الجزيرة.نت - 4/4/2026 10:53:50 AM - GMT (+3 )
بغداد- تحرك عراقيون من شرائح اجتماعية مختلفة للمطالبة بحل البرلمان الاتحادي وبرلمان إقليم كردستان العراق؛ في ظل ما اعتبروه انسدادا سياسيا، وعجزا عن استكمال الاستحقاقات الدستورية، وفي مقدمتها انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة.
ولم يشكل البرلمان الاتحادي الحكومة الجديدة بعد مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات العامة (11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025)، في حين أخفق برلمان كردستان العراق بدوره في التشكيل رغم مرور نحو عام ونصف على انتخابات الإقليم (20 أكتوبر/ تشرين الأول 2024).
وتشهد الساحة العراقية دعوات حل مجلس النواب العراقي على مواقع التواصل الاجتماعي، منها حملة جمع مليون توقيع، وبينما تتبنى هذه الدعوات نخب ثقافية وناشطون مدنيون، يبرز جدل حول مدى واقعيتها وإمكانية ترجمتها إلى مسار دستوري فعلي.
وجاءت دعوات الحل أيضا في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الايرانية الدائرة في الشرق الأوسط، وتداعياتها على العراق.
حراك ضد الخرق الدستوريفي هذا السياق، يصف الكاتب والإعلامي سعدون محسن ضمد، أحد الموقعين على مبادرة "عراقيون" في حديثه للجزيرة نت، حملة جمع التوقيعات بأنها نوع من أنواع الرقابة الشعبية لا سيما في ظل وجود خرق دستوري متكرر، وتكاتف سياسي على إبقاء العراق على وضع غير دستوري في وقت انعكست فيه نار الحرب في المنطقة على البلاد.
ويسعى عراقيون إلى جمع مليون توقيع وتحشيد أصوات نواب من داخل البرلمان في حملتهم بحسب ما أفصح عنه ضمد، من أجل الضغط على بيت التشريع ووضعه أمام مسؤولياته الدستورية.
و تستعد المحكمة الاتحادية العليا للنظر، خلال 14 أبريل/نيسان الحالي، في دعوى تطعن في شرعية استمرار عمل البرلمان بعد إخفاقه في انتخاب رئيس الجمهورية ضمن المُدد الدستورية.
وفي موازاة هذا الطرح، تقول سلا البياتي موظفة حكومية (39 عاما) بشأن حملة "عراقيون" للجزيرة نت، إن هذه المبادرات تمثل بارقة أمل، حتى لو لم تؤد غرضها، فهي على الأقل تعيد تحريك الشارع وتُشعر السياسيين بأن هناك من يراقب أداءهم، وتضيف أن المشكلة ليست فقط في البرلمان الحالي، بل في آلية إنتاج السلطة نفسها، لذلك أي ضغط شعبي قد يفتح الباب لتغيير أوسع.
في المقابل، يضع خبراء القانون هذه الدعوات ضمن إطار سياسي أكثر مما هو قانوني.
إعلان
ويؤكد أستاذ القانون الدستوري وائل منذر للجزيرة نت، أن الدستور العراقي لعام 2005 حدد بشكل دقيق آليات حل مجلس النواب في المادة (64)، التي تشترط مسارين لا ثالث لهما:
- طلب من ثلث أعضاء المجلس يعقبه تصويت بالأغلبية المطلقة (165 نائبا).
- أو طلب من رئيس مجلس الوزراء بموافقة رئيس الجمهورية، على أن يُعرض أيضا للتصويت داخل المجلس بالعدد ذاته.
وتنص المادة (64، أولا: يُحل مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناء على طلب من ثلث أعضائه، أو طلب من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية، ولا يجوز حل المجلس في أثناء مدة استجواب رئيس مجلس الوزراء. ثانيا: يدعو رئيس الجمهورية، عند حل مجلس النواب، إلى انتخابات عامة في البلاد خلال مدة أقصاها ستون يوما من تاريخ الحل، ويُعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مستقيلا ويواصل تصريف الأمور اليومية.
ويعني ذلك أن البرلمان لا يمكن حله إلا بموافقته، ما يجعل أي دعوات خارج هذا الإطار، بما في ذلك حملات جمع التوقيعات، بحسب منذر، بلا أثر قانوني مباشر.
ويضيف منذر أن القضاء، ممثلا بالمحكمة الاتحادية لا يمتلك صلاحية حل البرلمان أو الرقابة على أدائه السياسي، باعتبار أن ذلك يدخل ضمن الأعمال السياسية الخارجة عن نطاق الاختصاص القضائي.
ويستند هذا التقييد، بحسب منذر، إلى خلفية تاريخية تعود إلى الحقبة الملكية، حين استُخدم حق حل البرلمان بشكل تعسفي، ما دفع المشرع الدستوري لاحقا إلى تقييد هذه الصلاحية ومنحها للمجلس نفسه، تفاديا لإعادة إنتاج هيمنة السلطة التنفيذية.
ورغم غياب الأثر القانوني المباشر، لا ينفي الخبراء أهمية هذه الحملات من الناحية السياسية، إذ يمكن لها في حال اتساع نطاقها الشعبي، أن تتحول إلى أداة ضغط تدفع مجلس النواب إلى تسريع خطواته في انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة، أو حتى إقناع بعض أعضائه بتبني خيار الحل كأحد مخارج الأزمة.
وقال عضو اللجنة القانونية في مجلس النواب النائب ريبوار هادي في مداخلة هاتفية مع الجزيرة نت، إن الدستور حسم موضوع حل مجلس النواب على وفق المادة منه.
وتابع هادي وهو رئيس اللجنة القانونية لدورتين سابقتين وأحد الذين وقعوا على طلب حل البرلمان عام 2021، أن صاحب القرار الأول والأخير هو البرلمان نفسه يتخذه بالأغلبية المطلقة، أي أكثر من نصف مجموع العدد الكلي للأعضاء.
ولفت ريبوار هادي إلى أن رئيسي الوزراء والجمهورية لا يمكن لهما أن يقدما طلبا بحل البرلمان، لسببين الأول أنهما تم اختيارهما من قبل البرلمان السابق، ولا يمكن لهما طلب حل البرلمان الحالي.
ونوه هادي إلى أن السبب الآخر هو أن الحكومة الحالية تحولت إلى تصريف مهام يومية منذ يوم الانتخابات في أكتوبر/تشرين الثاني من العام الماضي، وهي لا تستطيع أن تتخذ قرارات سياسية منها طلب حل البرلمان، مؤكدا أن الحديث عن تشكيل حكومة انتقالية لا سند له من الدستور، إذ لا يوجد نص على هذا النوع من الحكومات.
ولفت هادي إلى أن دعوات جمع التوقيعات لحل البرلمان أو الذهاب إلى المحكمة الاتحادية العليا لاتخاذ قرار بذلك لا تستند إلى الدستور ولا تعدو كونها محاولة للضغط السياسي.
إعلان
من أمام مبنى مجلس النواب العراقي يفصّل النائب أحمد الشرماني آلية حل المجلس للجزيرة نت مبينا أن حل مجلس النواب محكوم حصرا بالنصوص الدستورية، مجددا الإشارة إلى الآليات الواردة في المادة (64)، وأن الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال واكتسبت شرعيتها من الدورة البرلمانية السابقة، ما يحد من قدرتها على المبادرة بطلب حل البرلمان أو التأثير في مساراته.
ويقر الشرماني بتقصير المؤسسة التشريعية تجاه الشعب العراقي والبلاد، بسبب تجاوزها للمدد الدستورية في مسألة انتخاب رئيس الجمهورية الذي يتولى تكليف رئيس للوزراء بعد ترشيحه من الكتلة الكبرى.
ووفقا للمادة (76) من الدستور العراقي يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء سواء من قائمة واحدة أو تحالف عدة. ويلفت الشرماني خلال حديثه للجزيرة نت، إلى أن حل البرلمان في هذا الوقت العصيب ليس من مصلحة الشعب لا سيما في ظل التورات الإقليمية والحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية الدائرة، وأن سلطته التنفيذية غير مكتملة الصلاحيات.
وتابع أن العراق ليس بمنأى عن الحرب الحالية وهو في مرمى النار، ولكون نظامه برلمانيا منتخبا فعلى المؤسسة التشريعية أن ترتقي إلى مستوى التحديات المحدقة بالبلد وأن تضع مصالح البلاد السيادية وحقوق الشعب قبل أي اعتبار.
حديث الشرماني امتد الى انتقاد هيكل النظام السياسي العراقي بعد 2003، حيث أشار إلى أن نظام المحاصصة والتوافق يغلب على المصلحة الوطنية والمرتكزات الأساسية لبناء دولة مؤسسات حقيقية.
أزمة نظام أم إجراءات؟تكشف هذه المعطيات عن فجوة بين المطالب الشعبية والإطار الدستوري الناظم للعملية السياسية، ففي حين تتصاعد الدعوات إلى إعادة ضبط المشهد السياسي عبر حل البرلمان، تصطدم هذه الطموحات بنظام قانوني يجعل من المؤسسة التشريعية الجهة الوحيدة المخولة بإنهاء ولايتها.
وفي ظل هذا التعقيد، يبدو أن مستقبل هذه الدعوات سيظل مرهونا بقدرتها على التحول من مجرد حراك احتجاجي إلى ضغط سياسي فعال، قادر على إحداث تغيير في مواقف القوى داخل البرلمان نفسه، أو دفعها إلى تحريك المشهد السياسي العراقي.
إقرأ المزيد


