من الألم إلى الأمل.. قصص أطفال غزة في مستشفيات الأردن
الجزيرة.نت -

عمّان- بين أروقة المستشفيات في العاصمة الأردنية عمّان، تتكشف حكايات موجعة يرويها أطفال غزة المصابون بصوت يختلط فيه الألم بالصمود.

قصص تبدأ من تحت القصف والركام وتنتهي على أسرّة العلاج، محمّلة بإصابات قاسية وأطراف مبتورة، لتبقى شاهدا حيا على آثار الحرب التي خلّفها العدوان الإسرائيلي على القطاع.

الجزيرة نت استمعت لحكايات هؤلاء الأطفال، الذين رووا تفاصيل إصاباتهم ورحلات نجاتهم، في شهادات إنسانية تختصر حجم المعاناة التي عاشوها.

الطفل أحمد منير (15 عاما) أصيب بقذيفة دبابة في مدينة غزة، لتخرج أمعاؤه من جسده. وفي مشهد ملحمي، اضطر أن يحملها بين يديه ويسير على قدميه حتى وصل إلى المستشفى.

يرقد منير اليوم في مستشفى الهلال الأحمر الأردني بعد أن خضع لعملية جراحية، وإلى جانبه والداه اللذان يرافقانه في رحلة التعافي. ويحتفظ في ذاكرته، كما في جسده، بشظايا إصابتين، إحداهما بقذيفة دبابة إسرائيلية.

ورغم الألم، لا تغيب ابتسامته الخفيفة، لكنها تخفي وراءها آثارا عميقة تركتها العمليات والإصابات على جسده، شاهدة على ما مرّ به من معاناة تفوق سنوات عمره.

الطفل أحمد منير أصيب بقذيفة دبابة في مدينة غزة (الجزيرة)
مبادرة أمل

وأجلت القوات المسلحة الأردنية 25 دفعة من أطفال غزة، في إطار مبادرة أعلن عنها الملك عبد الله الثاني خلال لقائه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في البيت الأبيض في 11 فبراير/شباط 2025، حيث أكد التزام الأردن بمواصلة إجلاء الأطفال المرضى من القطاع وتسريع إجراءات علاجهم. وتهدف المرحلة الأولى من المبادرة إلى إجلاء 2000 طفل مريض لتلقي العلاج في مستشفيات المملكة.

من جانبه، يستند الفتى رمضان محمود (16 عاما) إلى حضن جدته ويروي تفاصيل إصابته بعيار ناري متفجر أصاب يده ومزق أوتارها وأعصابها، قبل أن يخضع لعمليات ترميم دقيقة في عمّان على أيدي كوادر طبية في الهلال الأحمر الأردني.

الفتى رمضان محمود مع جدته وقد خضع لعمليات ترميم دقيقة في عمّان (الجزيرة)

بين عمليتين جراحيتين وكثير من الأمل، يسرد رمضان قصته للجزيرة نت، متحدثا عن قسوة الإصابة وصعوبة تلقي العلاج في غزة وتأخر إجراء العمليات الجراحية، في ظل غياب أبسط مقومات الرعاية الصحية، وما رافق ذلك من معاناة خلال رحلة علاجه.

إعلان

أما مريم، فتمسكت بتفاصيل طفولتها رغم كل شيء؛ لم تغادر مكانها إلا بعد أن سرّحت شعرها وارتدت أجمل ما لديها، قبل أن تمد قدمها التي أصيبت جراء قصف استهدف منزل خالها في شمال غزة.

خضعت مريم لسلسلة عمليات جراحية داخلية وخارجية في ساقها، شملت "تثبيتات طبية" وصفائح معدنية، قبل أن تتلقى علاجها في الأردن، حيث أعادت التدخلات الطبية لها أملا في السير من جديد. وفي غرفة المستشفى، تروي قصتها ببراءة وعفوية إلى جانب والدتها، التي خضعت بدورها لعمليات جراحية في يدها، بعد معاناة من غياب الرعاية الطبية اللازمة في القطاع المنكوب.

الطفلة مريم خضعت لسلسلة عمليات جراحية داخلية وخارجية في ساقها بالأردن (الجزيرة)
عمر جديد

بدورها، تحدثت الفتاة ندى شاهر شويدح بابتسامة لا تفارق وجهها إلى جانب والدها الذي يحرص على تزيين غرفتها احتفالا بعيد ميلادها في محاولة لزرع الفرح وسط الألم.

وقد حرصت إدارة مستشفى الهلال الأحمر الأردني على الاحتفال بأعياد ميلاد الأطفال داخل غرفهم، ضمن أجواء إنسانية دافئة تعيد لهم بعضا من تفاصيل طفولتهم.

ندى، التي بُترت قدمها جراء صاروخ إسرائيلي استهدف منطقة الشجاعية، خضعت لتركيب طرف اصطناعي مكّنها من الوقوف والمشي مجددا، لتبدأ رحلة جديدة تحمل فيها الأمل رغم ما تركته الإصابة من وجع وذكريات قاسية.

الفتاة الغزية ندى شاهر شويدح برفقة والدها داخل غرفة المستشفى (الجزيرة)

من ناحيته، قال رئيس الهلال الأحمر الأردني، الدكتور محمد الحديد، إن الهلال يشكل رديفا للسلطات العامة بالمملكة في تقديم وتسهيل الخدمات الإنسانية، مشيرا إلى استجابة المؤسسة لمبادرة الملك بالممر الطبي.

وأوضح أنه جرى استقبال 6 أفواج من الأطفال الجرحى وذويهم من قطاع غزة، حيث يبلغ عدد الموجودين حاليا 72 شخصا بين مرضى ومرافقين، ويتم تقديم الرعاية اللازمة لهم، لا سيما ممن يحتاجون إلى عمليات جراحية.

وأضاف أن هناك 20 مريضا استكملوا علاجهم بانتظار عودتهم إلى القطاع تمهيدا لاستقبال أفواج جديدة، لافتا إلى أن إغلاق معبر رفح يشكل عائقا رئيسيا، إذ يضطر المرضى للبقاء لأشهر بدلا من أسابيع، ما يؤثر على القدرة الاستيعابية ويؤخر علاج حالات أخرى.

سراء (يسار) وسارة قويدر تتلقيان العلاج بأحد المشافي في العاصمة عمّان (الجزيرة)
تحدي الإصابة

سراء قويدر (18 عاما)، تحمل في جسدها آثار إصابات قاسية؛ من كسر في الفخذ والقدم، وجروح عميقة في الرأس، خضعت على إثرها لعمليات جراحية، إلى جانب معاناة من إصابات في العيون، بعد قصف استهدف منزل عائلتها في غزة قبل عامين.

ورغم ذلك، تمكنت من تحدي إصاباتها لتواصل طريقها نحو المستقبل، حيث تدرس الطب عن بُعد في إحدى جامعات غزة، وتعمل على دعم ومساعدة شقيقتها سارة (15 عاما) التي أصيبت بتهتك في العمود الفقري أدى إلى شللها، قبل أن تبدأ رحلة علاج طويلة، تمكنت خلالها من تحقيق تحسن تدريجي بعد خضوعها للعلاج الجراحي والطبيعي في المستشفى التخصصي في الأردن.

الطفل زياد كفارنة خضع لعملية قلب دقيقة استمرت 7 ساعات وكللت بالنجاح (الجزيرة)

أما الطفل زياد كفارنة، من بيت حانون شمال قطاع غزة، والبالغ من العمر 14 شهرا، فقد وُلد بتشوهات خِلقية في القلب لم تُكتشف إلا مؤخرا رغم أنها كانت تستدعي التشخيص منذ الولادة. وخضع لعملية قلب دقيقة استمرت 7 ساعات رغم أن نسبة نجاحها لم تتجاوز 5%.

إعلان

وتروي والدته معاناته مع وجود ثقبين في القلب، قبل أن تتكلل العملية بالنجاح ويحقق تحسنا كبيرا بعد تلقيه الرعاية الطبية، متجاوزا مرحلة الخطر بعد أن كان الأمل ضعيفا.

الطفلة شمس برفقة والدها الطبيب محمد كشكو، أجرت عملية جراحية ناجحة أعادت لها الأمل (الجزيرة)
عراقيل إسرائيلية

أما الطفلة شمس، فتعاني من فشل كلوي كامل وكانت بحاجة ماسة إلى زراعة كلية. والدها الطبيب محمد كشكو، من غزة، يروي رحلة العلاج التي بدأت بوصولها إلى الأردن. وخضعت لعملية زراعة كلية في المستشفى التخصصي، حيث تبرع لها عمها بكليته. وبعد أسبوع من وصولها، أُجريت العملية التي تكللت بالنجاح.

اليوم وبعد مرور ثلاثة أشهر، تتمتع شمس بوضع صحي جيد، وبدأت تستعيد عافيتها سريعا، فيما أكد والدها أن حالتها تحسنت بشكل لافت، لتعود طفلة "مشرقة" بعد رحلة علاج صعبة.

من جهته، قال رئيس مجلس إدارة جمعية المستشفيات الخاصة، فوزي الحموري، إن قطاع غزة يعاني من ظروف حصار قاسية جراء الحرب مع خروج عدد من المستشفيات عن الخدمة نتيجة الهجمات.

وأوضح للجزيرة نت أن الجمعية أسهمت في إدخال 635 طفلا إلى الأردن لتلقي العلاج، ومعهم نحو 1500 مرافق، من خلال التنسيق مع الجيش الأردني والخدمات الطبية الملكية ووزارة الصحة، إلى جانب المستشفيات الخاصة، بما في ذلك مراكز علاج مرضى السرطان.

وأضاف أن الجمعية تتطلع لاستقبال المزيد من الحالات، إلا أن عمليات الإجلاء توقفت منذ 23 فبراير/شباط الماضي بسبب استمرار الحرب، لافتا إلى "عدم وجود تعاون من الجانب الإسرائيلي في هذا الإطار".



إقرأ المزيد